تقرأ الآن
آخر كائن حي في الصين (قصة قصيرة)

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
473   مشاهدة  

آخر كائن حي في الصين (قصة قصيرة)

الصين
  • كاتب صحفي مصري له الكثير من المقالات النوعية، وكتب لعدة صُحف ومواقع إلكترونية مصرية وعربية، ويتمنى لو طُبّقَ عليه قول عمنا فؤاد حدّاد : وان رجعت ف يوم تحاسبني / مهنة الشـاعر أشـدْ حساب / الأصيل فيهــا اسـتفاد الهَـمْ / وانتهى من الزُخْــرُف الكداب / لما شـاف الدم قـــال : الدم / ما افتكـرش التوت ولا العِنّاب !

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


ليلة أخرى مظلمة في الصين .. لا أحد يعرف ما يدور بالخارج ، لا صوت ولا ضوء يدلان على وجود شئ ما ، بدأ الجوع في نهش جسدي قطعة قطعة، لم يعد فيه إلا هيكل عظمي متهالك مغطى بجلد باهت متهدل .. إذا رآني أحدهم بالتأكيد لن يعرف أنني كنت أسعد حيوانات هذه المدينة .. أنا الكلب “سونز” عشت خمسة عشر عامًا صديقًا لعائلة مهندس البرمجيات الشهير في إقليم ووهان “شي دون” وزوجته راقصة البالية “سى لين” وابنته “لي” وابنه “جين” .. كانت عائلة سعيدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى

الزوجان ناجحان في عملهما مما أضفى طابعًا مبهجًا على حياتهما، والأبناء تظهر في أعينهم الموهبة منذ الصغر، “جين” يريد أن يصبح رائدًا للفضاء ويبدو أنه كان قادرًا على تحقيق هذا ، و”لي” تود لو أكملت مسيرة أمها في رقص البالية ، هم الآن عبارة عن أربعة جثث فاحت رائحتها وبدأت بالتحلل ، كل هذا فقط حدث خلال عشرة أيام

كنت أسير مع السيد “شي” في سوق المأكولات البحرية .. اشترى رطلين من الكائنات البحرية المختلفة، لاحظت في هذا اليوم بالتحديد أن البائع اعتذر عدة مرات بسبب السعال الدائم ، لكن لأنني مرهف الحس وأشم رائحة الخطر على بعد أميال ، لم أكن مقتنعًا باعتذاره ، أشعر أن شئ أكبر من نزلة البرد أو الحمى وراء هذا الذي أراه ، اشترينا المطلوب وأثناء مغادرتنا للسوق لاحظت أن اثنين من البائعين يعتذران أيضًا لكثرة السعال .. فتأكدت أن إحساسي الفطري كحيوان صادق تمامًا .. وأن البهجة التي أراها على وجوه تنتظر الاحتفال برأس السنة ستتحول إلا عويل حزنًا على شئ ما .. لكني لا أعرف ما هو بالتحديد !

بسبب إجازات رأس السنة استيقظ السيد “شي”  متأخرًا ، فتح الأثير على الإذاعة الرئيسية فقال المذيع أن ثمة تحيقًا تجريه الجهات المختصة مع طبيب مجنون في مستشفى ووهان الصينية ، يدعي “لي وين ليناج”.. يزعم الطبيب أنه اكتشف وباءً عالميًا سيهدد الوجود الإنساني ، وأنه قام بتحذير زملائه من أعراض يأتي بها المرضى من الممكن أن تنقل لهم العدوى .. اتخذت الجهات المختصة ما يلزم لعقاب هذا المجنون الذي يثير البلبلة والقلاقل في المجتمع الصيني .. عاشت الصين

قضب السيد “شي” حاجبيه بسبب الجملة التي اختتم بها المذيع كلمته “عاشت الصين” .. لم يكن من المعتاد أن تبث مثل هذه المقولات في نشرة أخبار عادية ، لكن على كل حال الجميع هنا في سلام .. الأطفال يلعبون في الخارج والسيدة استيقظت للتو وتناولت مشروبها الصباحي قبل أن يلقي لي السيد “شي” قطعة اللحم المفضلة لدي .. تجاذبا أطراف الحديث حتى سألها متعجبًا :

  • لماذا لن تذهبي إلى جارتك اليوم .. أنتِ دائمة الذهاب لها في الإجازات ؟

فأخبرته أن جارتها أصابها نوع من الحمّى منذ ثلاث أيام ، وهي لا تريد أن تزعجها بالزيارة .. قطع كلامها صوت المذيع مرة أخرى يحذر الناس من الانسياق خلف إشاعات تقول بأن وباءً عالميًا انطلق من الصين وسيقضي على البشرية ! قضب المهندس حاجبيه مره أخرى قلقًا من تكرار المذيع لهذه التحذيرات .. وقال لزوجته : ما رأيك أن ننزل السوق للاحتفال بأعياد الميلاد؟

للسيد “شي” أخًا يعمل ضابطًا في الجيش الصيني ، اعتاد أن يزوره خلال أعياد الميلاد وقضاء العطلة معه ، وفي اتصال تليفوني مفاجئ أخبره أخيه أنه لن يستطيع القدوم إليه هذه المرة .. ثمة مأمورية كبيرة يجهّز لها بعض ضباط الجيش وجنوده ، لا أحد يعرف ما كنهها بالتحديد لكنها على الأرجح ستكون بالجوار من إقليم ووهان ، لأن عربات الجيش قد نقلتهم صباح اليوم إلى حدود الإقليم ! واختتم الاتصال : عذرًا أخي .. أود أن أراك بخير

كان الهواء شديد البرودة في تلك الليلة .. سمعنا صوت سيارة إسعاف في وقت متأخر من الليل، صوت أيقظ جميع من في المنزل ، جريت على الشرفة لأنظر ماذا يحدث في الشارع وجدت جارتنا ملقاة على سرير الإسعاف واثنين من المسعفين يحملونها ، وجهها شديد الاحمرار ، العرق يتصبب من جبينها وكأنها قد انتهت من مباراة كرة قدم للتو، تشهق وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة .. تشير على قلبها وكأنه يحترق من الداخل ، ثمة شئ غريب في هذه المرأة ، لقد شاهدت كثير من البشر أثناء مرضهم ، لكن هذه الأعراض لم أراها من قبل .. لم يمر من الزمن ساعة حتى ظهرت سيارة إسعاف أخرى تحت المنزل المجاور نقلت شخصًا طاعنًا في السن كنت أراه دائمًا يجلس في شرفته بعد ان تقاعد عن عمله .. العجوز يشير على قلبه نفس إشارة السيدة جارتنا التي سبقته منذ قليل إلى المستشفى ..  هل من المعقول ؟ .. هل من المعقول أن يكون حديث المذيع عن الوباء المزعوم صحيحًا؟

لم أنم تلك الليلة حتى الصباح .. أصوات سيارات الإسعاف لم تتوقف .. ما الذي يحدث ؟ .. لم يوقف تفكيري سوف استيقاظ السيد “شي” متأثرًا بالسعال على غير العادة، هو رجل يمرض قليلًا ، رياضي، دائمًا في صحة جيدة ، لكنه الآن يعاني من سعال بشكل طفيف !  استيقظ بعده الزوجة والأبناء مبتهجين كالعادة ، طلب منهم السيد “شي” التهيؤ للخروج في احتفالات رأس السنة ، لم تمر ربع ساعة وكان الجميع جاهز ، بصافرة واحدة فهمت أنه يطلبني للخروج معهم ، وقبل أن نفتح باب الشقة بلحظات رن هاتف السيد شي :

شي .. أنا أخيك ..  أين أنت

  • أنا في المنزل .. نهم جميعًا بالخروج للاحتفالات

لا .. لا أرجوك لا تنزل من بيتك

  • لماذا؟

هل تتذكر تلك المأمورية التي أخبرتك أنني لا أعرف كنهها؟

  • نعم

هذه المأمورية هي إغلاق حدود إقليم ووهان ، لن يدخل أحد ولن يخرج من الآن

اللعنة .. لماذا؟

  • فيروس فتاك قد تفشى في الإقليم .. الفيروس يقتل الإنسان في بضع ثوان

اللعنة !

  • أرجوك “شي” .. لا أحد من سكان الإقليم يعلم ما أقوله لك .. هذه معلومات مسربة .. حاول أن تشتري أكبر كم من المؤن وتغلق عليك باب منزلك ، لا تسمح للحملات الطبية أن يصطحبوك معهم ، لم يجدوا الدواء المناسب حتى الآن ، والذاهبون معهم يعاملون كفئران تجارب، أكرر : لا تذهب مع الحملات الطبية ! ..”شي” .. وداعًا

سقط الهاتف من يد السيد “شي” .. جذب الأبناء والزوجة إلى الداخل وأغلق الباب ! سألته زوجته : ماذا !

إقرأ أيضا
مايكل أنجلو

أجاب : لا شئ .. لا شئ سيبقى

بعد أن انهارت الزوجة بكاءً والأبناء يبعدون بخطوات غير عابئين بما يقال ، اتفق السيد شي وزوجته على خطة الإنقاذ .. سينزل السيد”شي” في عملية انتحارية ويشتري مؤن تكفي المنزل لأربعة شهور أو أكثر ، سيخصصون غرفة كاملة من المنزل للمؤن والكمامات وأدوات الوقاية ، وبعد أن ينتهي من مهمته سيغلقون الباب ويعلقون لوحة ” لا أحد في المنزل .. نحن مسافرون” .. بالفعل نفذ السيد شي وزوجته المهمة بنجاح ، وأغلق الباب .. ولم يفتح مرة أخرى

ما يقرب من عشرين يومًا أجلس هنا وحيدًا ، أتذكر أن آخر من ارتجف جسده قبل أن يسقط ميتًا كانت الابنة الصغيرة .. بعد أن تحول جسد أخيها لهيكل عظمي بسبب التقاط العدوى من أبيه الذي لمست ودّعني قبل أن يصرخ صرخة مرعبة وكأن حيوان ما يعيش في صدره ويعض قلبه ورئتيه ..  أما عن السيدة زوجته فلم تتحمل أعصابها موت أمها وأبيها بهذا الفيروس بعد أن سقطا بجوار الطريق ، وشاهدتهم من زجاج الشرفة دون ولم تستطع للنزول إليهما ، الفيروس في الهواء لا يرحم ، حتى البعوض يسقط كورق الأشجار في الخريف .. فتركت زوجها والأبناء نائمين ووقفت على حافة الشرفة ، حاولت إنقاذها لكن لا جدوى .. قفزت حتى تحول جسدها لبقعة حمراء بلا ملامح على الطريق ، ولا أحد تطوع لإبعادها عن مسار السيارات ، لا سيارات أصلًا حتى تدهس الباقي منها ، هكذا ظلت فريسة لكلب من الكلاب الزملاء ، الذي حاول أن يأكلها لكنه سقط هو الآخر قبل أن يرتجف جسده وتجحظ عيناه ويتحول لقطة خشبية في ثوان معدودة !

عشرون يومًا وأنا أجلس هنا بجوار الشرفة الصغيرة التي أغلقتها بصعوبة كي لا يقتلني الهواء، أرى بعيني كيف يسقط الناس فجأة بلا مقدمات ، حتى صديقي الكلب “شونز” نزل إلى الشارع بعد أن ألقاه أصحابه خارجًا ظنًا منهم أن الحيوانات من أسباب انتشار الفيروس فرأيته ميتًا على الرصيف ، كان هذا الإقليم مرحًا منذ قليل ، ولم يعد هناك صوت واحد في الشارع أو المنزل .. أشعر وكأنني الكائن الحي الوحيد في هذه البلدة ، والآن وقد نفدت كميه الطعام الموجودة ، والخروج أصبح قاتلًا .. والقفز من الشرفة مأساويًا وأنا لا أريد أن أنتهي كبقعة حمراء على الرصيف .. الجوع ينهش جسدي .. لكن هناك شيئًا إيجابيًا .. ثلاث جثث لم تتحلل بشكل كامل كافيين لسد هذا الجوع .. ولنقل الفيروس أيضًا !

 

الكاتب

  • كاتب صحفي مصري له الكثير من المقالات النوعية، وكتب لعدة صُحف ومواقع إلكترونية مصرية وعربية، ويتمنى لو طُبّقَ عليه قول عمنا فؤاد حدّاد : وان رجعت ف يوم تحاسبني / مهنة الشـاعر أشـدْ حساب / الأصيل فيهــا اسـتفاد الهَـمْ / وانتهى من الزُخْــرُف الكداب / لما شـاف الدم قـــال : الدم / ما افتكـرش التوت ولا العِنّاب !

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
3
أحزنني
5
أعجبني
7
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
3
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان