تقرأ الآن
إلى الذين يطرطشون إيمانهم علينا: “كفاية طرطشة”

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
112   مشاهدة  

إلى الذين يطرطشون إيمانهم علينا: “كفاية طرطشة”

في تمام السادسة والنصف صباحًا توجهت لمكتب سجل مدني محرم بك بالإسكندرية لانهاء بعض الأوراق، حيث يفتح المكتب أبوابه للمواطنين في التاسعة والنصف صباحًا في شهر رمضان المبارك، ولكن عليك أن تصلي الفجر وتخرج من بيتك وتقف على عتباته لتقوم بحجز دورك في ذلك الطابور البشري الطويل الذي يمتد من البوابة لمسافة عشرة أمتار، ويدور حول المبنى أحيانًا، ولحسن حظي أنني ذهبت باكرًا.

 

على الرصيف جلست امرأتان تتشحان بالسواد، وعلى مسافة ليست ببعيدة جلس رجل أربعيني ملتحي يرتدي جلبابًا أبيض تحته بنطالًا قصير، بدا سلفي أو شئ من هذا القبيل، انضممت إليهم لأجلس على الرصيف حتى ميعاد فتح أبواب المكتب.

 

في تمام التاسعة فُتحت بوابات المدخل، كانت هنالك بعض الكراسي في الطابق الأرضي، جلسنا ومَن جاءوا بعدنا جميعا عليها، ثم ودون سابق إنذار سمعت صوتًا يصيح : الصلاة الصلاة، هل تدرك معنى أن تًعذب في قبرك، هل تعرف ما هو الثعبان الأقرع، هل….؟

 

تلفّت حولي لأبحث عن مصدر الصوت، كان الرجل الملتحي جالسًا يضع وجهه في هاتفه مبتسمًا برضا شديد، يشاهد فيديو لصاحب الصوت الجهوري.

 

استمر الصوت يسري بين هدوء الجمع يصرخ ويعوي ويثغو بكلمات بدت غير مفهومة من شدة الصياح، فقد كان صوت المتحدث صاخبًا، مصدرًا ضجيجًا وجَلبة لا تتحملها الآذان، إلى أن تأفف الجالسون من شدة العواء والصخب، وبجواري جلس رجل عرفت بعد ذلك أنه مسيحي واسمه بيشوي، أتى إلى السجل المدني ليصحح حالة إجتماعية في شهادة وفاة والدته من متزوجة لأرملة مثلي، كان ينظر للرجل من حين لآخر ويهز رأسه استغرابًا وتعجبًا واستنكارًا.

 

ترددت كثيرًا في النهوض والتحدث إلى الرجل الملتحي حتى يخفض الصوت قليلًا، فالجميع متأففون من شدة الصوت، ما بين أرملة تسرح بخيالها فيما سوف تلاقيه من تعنت وبيروقراطية من الموظفين، ومُسن وعجوز لا يستطيعون النهوض من على كراسيهم، أو ربما يخشون أن يُقال عليهم زنادقة، فمَن يجرؤ على مواجهة سيل من الاتهامات بالكفر حين يقوم أحدهم بمقاطعة شيخ يتحدث عن الصلاة وعن عقاب تاركها، ومن يُقدم على التحدث في حضرة  ذي لحية يتكلم عن نصوص مقدسة، من يُغامر بسمعته؟؟!!

 

كنت أنا الزنديقة الوحيدة التي جرؤت على التحدث، نهضت كالكفار من مكاني وبهدوء قلت للرجل : من فضلك بس توطي الصوت شوية عشان عندي صداع، فرأيت أعجب نظرة اندهاش في عينيه وعلى وجهه، وشاهدت نظرات الإعجاب الممزوجة بانبهار شديد في أعين الجالسين، ثم قام بإغلاق الفيديو تمامًا ولم ينبس ببنت شفة، ولكنه ظل ينظر لي شزرًا وباشمئزاز وتقزز حتى موعد فتح أبواب المكتب.

 إقرأ أيضًا…
يا شيخ ياللي ع الجبل.. عن صراع الصعايدة والسلفيين حول المقام الباسط ذراعيه بصحراء عيذاب

 

إقرأ أيضا
الحلوى والحمص في طنطا

أعلم تمامًا أن الرجل ربما تكون نيته خيرًا، إذ يظن أنه ربما إذا استمع أحدهم -وقد يكون لا يصلي- لما يقوله شيخه فيصلي، ولكنني لا أكتب فقط عن هذا الرجل وأمثاله، فأنا أكتب أيضًا عن سائقي الميكروباصات، الذين يقومون بتشغيل آيات القرآن الكريم بصوت مرتفع جدًا كمباركة للعربة في بداية اليوم، حتى أنهم لا يسمعون الركاب حين يصيحون بانهم يريدون النزول، لذلك ظلت العديد من الاسئلة حاضرة وعالقة في ذهني : هل وجد القرآن للتبرك به أم كما قال تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وإن كان هذا الرجل الملتحي وأمثاله يؤمنون حقًا بخالق قادر مالك متصرف في كل شئ، أليس ممارسة دور الوصاية بالقوة أو بأي شكل لفرض الايمان يناقض ايمانهم؟؟! أليس من العبث أنهم يدّعون توحيد إله يؤمنون أنه وحده خالق ومالك كل شيء لا شريك له، ثم يمارسون دور الألوهية بتنصيب أنفسهم أوصياء ومتصرفين بالبشر ؟؟! أيعجز مَن خلق هذا الكون بهذه الدقة المبهرة أن يُودع فكرًا محددًا في قلوب البشر حتى يظنوا أنهم أوصياء على الناس ؟؟!!

 

لا أبحث عن المدينة الفاضلة، ولكن كل ما أرجوه أن أحيا بمدينة طبيعية بل وأقل من عادية، مدينة لا يؤرقها محتوى ايمان أحد، لا يرهبها مشاهدُ العناق، لا تُفزعها الحرية وكأنها رأت وحشًا !

 

أخيرًا أشكر كل انسان، لا يُطرطش أفكاره ومعتقداته علينا، ويمضي وقته في البحث وتقديم مائدة أفكار للبشرية، ولا عزاء لهؤلاء المجانين الذين يطرطشون إيمانهم في كل مكان، وبكل غباء يحسبون أنهم أوصياء على البشر !

 

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
6
أحزنني
0
أعجبني
2
أغضبني
1
هاهاها
1
واااو
0
Slider


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

Scroll Up
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان