تقرأ الآن
السيرة الكلثومية.. قصة درة القرن العشرين وكوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم.. الحلقة الثالثة

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
164   مشاهدة  

السيرة الكلثومية.. قصة درة القرن العشرين وكوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم.. الحلقة الثالثة

أم كلثوم

أهلا بكم أعزائي القراء في الحلقة الثالثة من قصة كوكب الشرق أم كلثوم، ولا زلنا نتحدث عن فترة طفولتها، ونبدأ من حيث انتهينا في اللقاء السابق:

طفولة تحوطها المعاناة ونبوغ مبكر:

عاشت أم كلثوم طفولتها في ظل ظروف مرهقة من الفقر والحاجة، إلا أن والداً كالشيخ إبراهيم البلتاجي لم يكن ليترك أولاده لبراثن ذلك الوحش، ورغم كل تلك الظروف أصر على أن يلحق ابنه خالد بكتاب القرية ليتعلم القرآن الكريم، ومن جانبه كان يحفظه قصة مولد النبي والتواشيح والأناشيد، وتلك كانت البيئة التي نشأت وترعرعت فيها أم كلثوم، بدأت أم كلثوم تنتبه لما تسمعه من مدائح نبوية وتواشيخ ودون أن يلاحظ أحد بدأت تحفظ كل ما تسمعه، كذلك كانت تراقب أخيها خالد كل يوم وهو ذاهب إلى الكتاب وبدأت تلح على والدها أن يلحقها بالكتاب هي الأخرى لتتعلم القراءة والكتابة وتحفظ القرآن الكريم، ومع كثرة إلحاحها استجاب لها الشيخ ابراهيم البلتاجي وبالفعل ألحقها مع أخيها بكتاب القرية، ومنذ اليوم الأول لاحظ الشيخ الذي يحفظها نبوغها وتفوقها في الحفظ والتلاوة وسريعا ما حفظت أم كلثوم الطفلة أجزاء كثيرة من القرآن الكريم، إلا أن الفقر كاد أن يحرم أم كلثوم من تلك الأمنية البسيطة، أمنية التحاقها بالكتاب وتعلم القراءة والكتابة، تقول أم كلثوم في مذكراتها كما ذكرت الدكتورة رتيبة الحفني:

لم أسمع من أبي وأمي في يوم من الأيام شكوى بصوت مسموع من الفقر والحرمان الذي كنا نعيش فيه، إذ كانا يحاولان دائما إخفاء الضيق عنا، ولا يكشفان عن هذا الضيق إلا بهمسات بعد صلاة الفجر، عندما يتصوران أنني وأخي نائمان لا نسمع شيئا، ولكن هذه الهمسات عاشت معي، كانت تدوي في أذني، كنت أتصور أن كل ما أستطيع أن أقدمه لأمي كمساعدة هو أن أتطلع إلى السماء وأقول يا رب ساعد أمي، وتضيف أم كلثوم في موضع آخر من مذكراتها حول الحديث عن طفولتها: بعد بضعة أشهر من التحاقي بالكتاب سمعت أبي يهمس لأمي عقب صلاة الفجر مرة: أنا مش قادر أدفع مصاريف أم كلثوم، ماعنديش غير قرش واحد أدفعه للولد، ورحت ألح على والدي أرجوه أن يبحث عن أي طريقة يدبر بها قرشا آخر، فقد كانت مصاريف الكتاب قرشا واحدا كل أسبوع لفقي الكتاب، واستطاع والدي بعد معاناة أن يدبر ذلك القرش فلم أخرج من الكتاب.

والحقيقة أن تلك السطور القصيرة من قصة أم كلثوم في طفولتها وإن كانت قد قيلت على لسانها ببساطة، وإن كانت المواقف التي تحدثت عنها تلك السطور هي مواقف عابرة في حياة تلك الطفلة إلا أنها تحمل في مضمونها الكثير من المعاني، تلك المطربة الكبيرة قد حملت بين أضلعها الكثير والكثير من الألم، عاشت المعاناة في أسوأ صورها لدرجة أنها كادت أن تترك الكتاب لعدم وجود قرش واحد، تكشف تلك السطور عن أم كلثوم الرقيقة التي تحس بآلام ومعاناة والديها في وقت لم تكن قد تخطت فيه حاجز الخمس سنوات، ولن أكون مبالغا إن قلت أن تلك المشاعر والأحاسيس التي فطرت عليها أم كلثوم قد انطبعت على فنها وخرجت مع رنين صوتها، فما أن تقول أم كلثوم في قصيدة أتعجل العمر ابتغاء لقائها والتي لحنها لها المرحوم رياض السنباطي: همان أحمل واحدا في أضلعي فأطيقه بتجلدي وأناتي وأغالب الثاني وما لي حيلة بعد الذي أرسلت من عبراتي حتي تشعر كل من يسمعها بحمل الهم، وكثيرا ما حملت ذلك الهم بصحبة صوت أم كلثوم في حياتي ومواقفي بين الناس، تلك الروح الطاهرة البريئة منذ طفولتها، هي التي عبرت عن فوات المحبوب برائعة القصبجي: يا فايتني وأنا روحي معاك فمال لها المحبوب ورجع، لم تكن أم كلثوم طفلة عادية كسائر الأطفال، بل كانت تحمل قلبا ناضجا ينبض بالحب والمشاعر طوال الوقت.

أم كلثوم ومشاكسات تلك الطفلة وشقاوتها:

تحكي أم كلثوم عن الكتاب الذي مثل المدرسة الأولى لها فتقول: كان الذهاب للكتاب في الصباح حادثا مفجعا، يتكرر في حياتي كل يوم، فكثيرا ما كان يحدث أن أذهب إلى الكتاب في الصباح فإذا بالشيخ يأمرني أنا وبعض زميلاتي أن نذهب لنساعد زوجته في تنظيف الحبوب من الطين والطفيليات، وأذكر أنني كنت أطلب من زميلاتي أن يحتفظن بما يجمعن من طين وطفيليات حتى إذا جاء الظهر ورأت زوجة الشيخ أننا عملنا بما فيه الكفاية فإننا نغافلها ونعيد إلى الحب المنقى ما جمعناه من الطين والطفيليات، وكانت زوجة الشيخ تكتشف تلك الجريمة بعد أن نذهب، وفي الصباح التالي كان الشيخ يترك المقرعة تعبر عن رأي زوجته فينا.

كذلك من قصص أم كلثوم التي تحكي طرائفها وفترة طفولتها وما كانت عليه من شقاوة إلى جانب هذا النبوغ، تقول أم كلثوم: ذهبت إلى الكتاب ذات صباح مبكرة على غير العادة، ولم يكن السبب راجعا إلى نوبة نشاط بقدر ما كان راجعا إلى نوبة من نوبات الشقاوة، والرغبة في الأذى، فقد ذهبت قبل كل تلاميذ الكتاب لأكسر كل ما تقع عليه يداي من ألواح الأردواز والطباشير، وأنقل كراسة كل تلميذ من درجه إلى درج آخر، ثم أستمتع بعدها بجو الذعر حين يحضر الشيخ ويحضر التلاميذ ويبدأ الدرس، فإذا هم يفاجئون بما حدث وإذا بالخوف يسيطر عليهم واحدا واحد فلا يجرؤ أحدهم على أن يفتح فمه ولو بكلمة واحدة خوفا من الشيخ وأنا في ذلك الوقت أغالب الضحك وأكتمه في صدري، وفي أحد الأيام، ذهبت في وقت مبكرة إلى الكتاب، وفجأة سمعت صوت حوافر حمار يركض وإذا به يقف أمام الكتاب وإذا بصوت يقول: افتح الباب لحمارة المفتش، وفهمت أن مفتش وزارة المعارف قد وصل، وقبل أن أفكر في موقفي فتح الباب ودخل المفتش، فجلست في مكاني ونظرت إليه في صمت، وكان المفتش عصبيا، فقد فوجيء بكتاب كبير ليس فيه سوى فتاة واحدة، وبأعلى صوته صاح: من هنا، وقلت وأنا أرفع أصبعي: أنا، فأمسك عمامته واقترب مني وهو يقول: ما شاء الله، كتاب كهذا بأكمله ليس به سوى فتاة واحدة؟؟ ثم أخذ يتوعد مهددا الشيخ، وأنا لا استطيع أن أغالب الفرحة، وبعد قليل كان خبر وصول المفتش قد وصل إلى سيدنا وجاء مهرولا، فما أن وصل حتى انهال عليه المفتش باللوم والتأنيب، ولم ينس حينها أن يستغل وجودي ليشيد بنشاطي وإقبالي على الكتاب منددا بكسل الشيخ وانصرافه عن الكتاب وشئونه.

وتستطرد أم كلثوم، انتهت زيارة هذا المفتش، ولكن سيدنا أي الشيخ، جعلني أدفع الثمن باهظا، فقد كان يلقي الأسئلة الصعبة المعقدة، فيرفع التلاميذ أيديهم ليجيبوا، فيهز رأسه في ضيق، ويقول مشيرا إليّ: لا لابد أن تجيب عنه الشاطرة الفالحة التي تجيء مبكرا كل يوم، وكانت الشاطرة الفالحة التي تجيء مبكرا كل يوم تتعثر دائما في الإجابة فيجد الشيخ فرصته السهلة لينتقم منها.

كانت أم كلثوم طفلة ذكية تشعر بما حولها وبمن حولها، ولا يمر شيئاً أمامها مرور الكرام، وحين بزغ نجمها وأصبحت أم كلثوم التي نعرفها كانت على نفس الدرجة من الذكاء والنبوغ، ولعل نبوغ أم كلثوم وذكائها في اختيارتها منذ الصغر وحين اشتهرت وذاع صيتها هو السبب في تربعها على عرش الطرب والغناء في مصر.

إقرأ أيضا

وإلى هنا أعزائي القراء نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة على أن نكمل تلك المسيرة الشيقة في حلقات قادمة إن شاء الله.

دمتم في سعادة وسرور.

السيرة الكلثومية.. قصة درة القرن العشرين وكوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم.. الحلقة الثانية

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان