تقرأ الآن
تاريخ من الغناء الملفق .. الشاعر تامر حسين الجزء الأول

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
258   مشاهدة  

تاريخ من الغناء الملفق .. الشاعر تامر حسين الجزء الأول


  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات


تعيش الأغنية المصرية الحالية عصرًا من الاضمحلال والتدهور الفني، لأسباب كثيرة أهمها هو تصدر المشهد الغنائي الحالي شلة من أنصاف الموهوبين يسيطرون بشكل كامل على سوق الغناء المصري. يتزعم تلك الشلة الشاعر “تامر حسين” الذي يعتبر النسخة الحديثة من الشاعر “عادل عمر” أحد أقطاب الشعر الغنائي الملفق التسعيناتي.

ثمة صفات مشتركة بين الثنائي عادل عمر وتامر حسين، نفس الإمكانيات الفنية البسيطة، ومشوار الصدفة التي جعل كليهما يحتل  مشهد الشعر الغنائي ، رغم البدايات المتواضعة التي لم تكن تشير من قريب أو بعيد إلى أبعد من عشر أغاني كل عام، لكن يبدو أن التاريخ يصر على إعادة نفسه وإعادة إنتاج لنا نفس المشهد التسعيني بحذافيره، فنجد رصيد تامر حسين من الأغاني وصل إلى عدد ضخم غير منطقي ولا يتناسب مطلقًا مع إمكانياته وبالطبع يحتمي بالنجاح الوقتي الزائف لتلك الأغاني التي تنساها بمجرد أن تنتهي منها.

لو لو كلمات عادل عمر لحن وتوزيع حميد الشاعري

ثورة فنية أم انقلاب.

القي الانقلاب الموسيقي الذي قاده حميد الشاعري بعد صدور الأغنية القنبلة “لولاكي” عام 1988 بظلاله على شكل الأغنية المصرية، جرت تعديلات كثيرة عليها لم تكن تجديدًا بقدر ما كان تسطيحًا لمفاهيم الأغنية، بدأت تلك التعديلات بالشكل الموسيقي حيث اتسمت الألحان بالتبسيط النغمي غير المبهرج، لا نقلات موسيقية متعددة تعطي ثراء للألحان، ابتداع مصطلح المؤدي كتبرير لضعف الأصوات الجديدة، ثم التعديل الأهم في الإخراج الموسيقي أو ما يطلق عليه التوزيع ودخول التكنولوجيا الحديثة في التسجيلات والتي استخدمها بعض الموزعين أسوأ استخدام ممكن بتقليل الاستعانة بالآلات الموسيقية الحية ليحل محلها الكي بورد والمؤثرات الصوتية تحديدًا في المقدمات واللوازم الموسيقية.

لولاكي كلمات عزت الجندي لحن سامي الحفناوي توزيع حميد الشاعري

لا يمكن أن نطلق على هذا الإخراج الموسيقي توزيعًا بمعناه الأكاديمي المعروف، حيث خلى جزء الهارموني تقريبًا من أي جمل موسيقية مغايرة تتقاطع أو تتألف مع جملة اللحن، ليصبح التوزيع عبارة عن كوردات متكررة من الكي بورد أو الجيتار الكهربائي مع سيل من الإيقاعات الصاخبة التي ستصاحب المطرب فقط، للدرجة التي جعلت أحد عازف الجيتار المعروفين يطلب من موزع ما ألا يضيع وقته في استدعاءه لتسجيل نفس الكوردات كل مرة، وأن يكتفي بأخذ نسخة منها ومن ثم تغيير طبقتها عند الحاجة لها.

بطبيعة الحال لم يقف تأثير تلك التعديلات حد الموسيقى فقط، وأثرت بشكل كبير على الخطاب الشعري المتداول، لم يعد هناك تنوعًا في المضامين الغنائية سواء إنسانية أو اجتماعية كما شاهدناها في السبعينات وبداية الثمانينات ذروة ثورة الأغنية المصرية الحديثة، وأن حافظ جيل الوسط متمثلًا في “على الحجار ومحمد منير ومدحت صالح وإيمان البحر درويش” على تنوع مضامين أغانيهم بعد هذا الانقلاب الذي حدث في شكل الأغنية، بل المضحك في الأمر أن حميد الشاعري نفسه قائد الانقلاب كان يختار لنفسه مضامين مختلفة الغناء العاطفي جعل تجربته تتميز عن بقية مطربي موسيقى الجيل فنجد له أغاني  مثل “اسمي بشر” و”عودة” و”أجيلك من ورا الأحزان” و “يابوي” وهذا ما سوف  نتناوله بالتفصيل في مقال لاحق.

بجيلك من ورا الاحزان كلمات مصطفى زكي لحن أحمد منيب توزيع حميد الشاعري

الشاهد أن الأغنية الجديدة التي عرفت بالأغنية الشبابية، كانت تدور في فلك واحد فقط هو العاطفة بكل أشكالها التقليدية، وأصبحت الأغنية مجرد كلمات موزونة مقفاة بمفردات بسيطة ومباشرة، مع قليل من الإبداع في الصور المجازية أعطانا أغنية تفتقر إلي حساسية الشعر ورهافته، وصبت أغلب الأغاني في قالب شعري واحد يتكون في الغالب من مذهب وعدة كوبليهات تتكرر معانيها ومفرداتها، تواكب كل هذا مع ازدهار العملية الإنتاجية وتعدد منافذ العرض بالإضافة إلى رواج هذا الشكل الجديد من الأغنية لدى الجماهير فأصبحنا ننتج أغنية كل ثانية أغلبها تشبه بعضها دون أي ابتكار أو تجديد.

هجرة جماعية لشعراء العامية المصرية.

في ظل نجاح الشكل الجديد وفي ظل محدودية خطابه الشعري، تخلت الأغنية عن بعض شعراء العامية أصحاب الإسهامات الكبيرة فيها فهجروها أما طوعًا أو كرهًا، لم يعد البقاء للأفضل فنيًا، بل أصبح الأضعف فنيًا هو الأكثر انتشارًا، وسادت موجة من الغناء الملفق بخطاب شعري مبتذل لا يملك أي مقومات للخلود الفني، بل أصبح من السهل على أي أحد كتابة أي كلمات تشبه الشعر لكنها لا تمت له بأي صلة،وتحول الشعر الغنائي إلي مهنة من لا مهنة له، وهذا ما أفضى إليه الأمر مع بداية الألفية الجديدة حيث بدأ سوق الغناء يغير جلده واختفت أسماء وظهرت أخرى، ومنهم بعض الشعراء الجدد التي كانت حصيلة استماعهم وخبراتهم تتلخص في تلك الأغنية العقيمة الملفقة، وظهر معهم جيل جديد من الملحنين الذين يعتمدون بشكل كبير على تيم لحنية معدة مسبقة بجمل قصيرة ضعيفة في بنيتها المقامية ثم يأتي الشاعر أو سمسار الكلمات ليضع عليها أي مفردات لا يهم فكرتها ولا موضوعها المهم أنها موزونة على التيمة الموضوعة مسبقًا فأصبحنا نشاهد أغنية كلماتها حزينة على لحن إيقاعي سريع أو العكس.

تجارب غير أصلية.

عندما بدأت ثورة الأغنية في أواخر الستينات شاهدنا خطاب شعري مختلف، بدأه شعراء نشاطهم الأساسي لم يكن الأغنية بل الشعر العامي، وشاهدنا تجارب أصلية لم تكن امتدادًا لأحد في الشعر الغنائي صنعت تجارب هامة ودشنت ما يعرف بالأغنية البديلة التي حلت محل الأغنية الكلاسيكية القديمة، لكن مع بداية الألفية الجديدة كانت تجارب الجيل الجديد من كتاب الأغاني غير أصلية بالمرة، سارت على نفس درب شعراء التسعينات في نحت نفس الأفكار والمفردات، بل وفي صناعة الأغنية التي أصبحت تبدأ من الألحان وليس الكلمات، حيث لم يعد الشاعر يكتب أفكاراً جديدة ثم يعرضها على ملحن، بل أصبح الملحن هو من يتصل بالشاعر كي يسمعه جملة لحن كي يكتب عليها كلمات، فقل الاهتمام بالكلمة التي تحمل فكرة جديدة أو مضمون مختلف وانصب الاهتمام على الشكل الموسيقي فقط وهو الأمر الشائع عليه حاليًا في سوق البوب المصري.

عادل عمر يبعث من جديد.

من الظواهر الغريبة والملفتة للنظر في سوق الأغنية المصرية تحديدًا، هي أن أقل الشعراء في الإمكانيات الفنية هو أكثرهم عملًا وبالتبعية أكثرهم شهرة، ولو عدنا إلى فترة التسعينات باعتبارها أكثر الفترات غزارة في إنتاج الأغنية، سنجد أن أكثر الشعراء ظهورًا في أغلب الألبومات كان الشاعر “عادل عمر” على الرغم من أنه أضعف شعراء جيله إن لم يكن الأضعف على الإطلاق، ومعه كان هناك عدة ظواهر أخرى مثل “مصطفى كامل” قبل أن يتحول إلي ظاهرة صوتية و”أشرف عبده” الذي احتل سوق التوزيع الموسيقي وقت إيقاف حميد الشاعري.

تلك الأسماء تحديدًا تكشف لنا بشكل واضح أن صناعة الأغنية في التسعينات لم تكن تخضع لتقييم فني يظهر جودتها من عدمه، بقدر ما خضعت لأشياء أخرى لا علاقة لها بالفن من الأساس، منها مثلًا قرب الشاعر من فنان ذو نفوذ قوي لدى شركات الإنتاج مثل عادل عمر الشاعر الملاكي لحميد الشاعري، أو أشياء غيبية مثل التفاؤل بالنجاح كما في حالة مصطفى كامل حيث صرح أحد المنتجين بأنه كان يفرضه على كل ألبوم ينتجه كنوع من التفاؤل به وليس لأنه شاعر قوي، أو توسط شخصية ذات حيثية في المجتمع لمنح الفرصة لفنان حتى لو لم يمتلك الموهبة الكافية كما في حالة الموزع أشرف عبده.

إقرأ أيضا
بـ 100 وش

بمرور الوقت أصبح القانون الوحيد الذي يحكم على جودة الفنان هو قانون الشلة المسيطرة على سوق الأغنية، وهي الظاهرة التي تفشت بشكل أكبر هذه الأيام، حيث نجد شلة وحيدة تسيطر على أغلب المعروض من الأغاني، يقودها أضعف شاعر في الجيل كله “تامر حسين” الذي خلف الملحن عمرو مصطفى المتصادم مع أغلب أعضاء الشلة، ووصل نفوذ تامر حسين بأنه صرح لملحن في أحد المرات أنه غير مسموح إرسال أي أغنيات للهضبة عمرو دياب إلا من خلاله، بل وأوعز للهضبة بأن أحد الملحنين ينفذ أغنية مع مطرب منافس قد سبق وعرضها عليه ولم يشرع في تنفيذها،  فقام الهضبة بحظر هذا الملحن من على هاتفه وبالتالي خرج هذا الملحن من جنة كبير الشغلانة كما يطلقون عليه، بل لن ابالغ أن قلت أن كبير الشغلانة نفسه أحد أسباب الهبوط الذي نراه حاليًا حيث أصبحت أغانيه هي المازورة التي تقاس عليها النجاحات رغم الرداءة الفنية لمعظمها،لكن الصيت ولا الغنى.

 الكارثة الأكبر هي أن تلك الشلة سواء كان يقودها تامر حسين أو غيره، تصدر لنا سيل من الأغاني الملفقة التي لا نلمح فيها أي جديد مجرد كلمات مرصوصة مقفاة بلا أي لغة شعرية مبتكرة أو مختلفة، بل ترفع شعار الركاكة والابتذال ويتسابقون فيما بينهم على من يكون أكثر  ابتذالًا من الآخر، فنجد أغاني على شاكلة “جامدة بس” و”جمالها موضة” و”مشية عارضة أزياء” ” و”جمالها ده اختراع” “وجمالها يجيب صداع”، وهي المفردات التي أصبحت تضاهي وتواكب مفردات أغاني المهرجانات التي تنال سخط قطاع كبير من الجمهور.

جامدة بس كلمات تامر حسين لحن عمرو مصطفى توزيع نادر حمدي 

كيف بدأ تامر حسين النحت.

في إحدى الحوارات المتلفزة يشرح تامر حسين كيف بدأ كتابة الأغنية، فيقول أنه كان يستمع إلي بعض أغاني المطربين المشاهير مثل “محمد فؤاد” و”عمرو دياب” ويضيف عليها مقطعًا أو كوبليهًا جديدًا من عنده، ثم يذهب إلي أصدقاؤه ليلقي على أسماعهم المقطع وكأنه كان موجود في الأغنية لكن تم استبعاده وأنه استطاع الحصول عليه من شخص ما.

تلك الحيلة البسيطة الساذجة جدًا تثبت أننا أمام تجربة شعرية غير أصلية لشخص اتكالي قرر من البداية أن يقتات على أفكار غيره لأنه بكل بساطة لا يمتلك أفكارًا خاصة، لذا سنجد بداياته في عالم الأغنية لا يمكن أن تلمح فيها بذرة شاعر حقيقي بل مجرد صنايعي قليل الحيلة يكتب أي كلام مقفى وموزون وأحيانًا مكسور الوزن لكن لا يهم مادام الموسيقى ستغطى كل هذا العوار الفني الموجود في شعره.

مع نهاية العقد الأول من الألفية بدأت المشاكل تلوح بين عمرو دياب وبعض الشعراء، فانفتحت مغارة على بابا أمام هذا الشاعر الذي لا يمتلك في جعبته سوى عدة مفردات تقليدية جدًا يعيد تدويرها وحلبها في كل الأغاني دون طرح أفكار جديدة أو حتى صياغة شعرية متماسكة، وهو ما سوف نتناوله بالتفصيل في الجزء الثاني من المقال.

الكاتب

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
10
أحزنني
0
أعجبني
7
أغضبني
1
هاهاها
5
واااو
4
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان