تقرأ الآن
ثلاثون عاما فى صحبة بكاري

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
93   مشاهدة  

ثلاثون عاما فى صحبة بكاري


  • رئيس تحرير سابق لجريدة الحسينية المحلية وخريجة صحافة الزقازيق ومعهد السينما وتكتب فى مجلة سينمائية فصلية اسمها scene

  • رئيس تحرير سابق لجريدة الحسينية المحلية وخريجة صحافة الزقازيق ومعهد السينما وتكتب فى مجلة سينمائية فصلية اسمها scene

فى بداية كل رمضان تنتشر الأغنيات الشهيرة المرتبطة بطقوسية هذا الشهر الكريم التى تجعلنا نبتسم بصورة لاإرادية لما تحمله هذه الأغنيات لنا من ذكريات طفولتنا التى ستظل مصدر أماننا النفسى الحقيقى طوال سنوات عمرنا القادم .
مسلسل بكار 

يقول علماء النفس أن سحر الموسيقى على الذاكرة عجيب فهو قادر على إرجاعنا أطفالا فى لحظة إذا ماسمعنا مقطعا بعينه يكون مثل آلة الزمن بنا إلى الأجواء التى كنا نسمع فيها هذه الأغنية وحين عرفت تلك المعلومة استغللتها كثيرا فى حروبى القاهرية .. فكنت فى كل مأزق يتطلب منى بكاء .. أشعلت أغانى طفولتي من الرسوم المتحركة لتهدأ من روعى. . حين كنت أمتحن امتحانين متوالين فى المعهد والجامعة .. حين كنت أبكى على رصيف شقة صديقتى التى طردتنى وحيدة بجوار أشيائي. . حين كنت أنتظر فى البرد حتى ال12 ليلا حتى تنام زميلاتي فى بيت المغتربات كى لايتفنن فى مضايقتى .. حين ينصب على صاحب العمل ولايعطينى حقى ثم حين تضيع نقودى واضطر للذهاب للمنزل  مشيا .. وحين أحاول الحديث لاهلى فيرفضون حتى أترك المعهد أولا .. حتى حين كنت مجبرة على مقابلة العرسان فى الصالون كى أرضيهم واقنعهم ان السينما لم تغيرنى او تحولنى كائن  النطاط على معيشتى الشرقاوية .. كان فى خلفية كل هذه المشاهد البائسة أغنية طفولة وكان أقربهم لقلبى بكاااار .

كنا فى توقيت الإفطار مطلوب منى تحضير العصير فقط وكان التلفاز يذيع مسلسل بكار وقت الإفطار عقب الاذان مباشرة مع تلك الكلمات الخالدة التليفزيون المصرى يقدم مع حركتى بوضع شفشق العصير عالصينية ثم رائعة د.منى أبو النصر متزامنا مع صوت الكوبايات الفارغة المتراصة فى قعقعتى السريعة ويكمل التلفاز مسلسل بكاااار حينها أكون انا والعصير فى رجرجة سائله ولقلقة زجاجه نهرول فى الطريق لالحق بأول الأغنية .

لست أدرى لماذا لايفهم الكبار أهمية التتر بالنسبة للأطفال حتى حين كبرت مازال التتر أكثر تشويقا لى !
كنت أتخيل نفسى دائما نائمة على بطنى بجوار بكار نرسم المعابد الفرعونية ونتحدث مع أجدادنا  الفراعين وأكاد أجزم أن كل أطفال جيلى تخيلوا مثلى ربما مع فارق أن الأولاد كانوا يحلمون بمغامرات القبض على مشرط بينما أنا والبنات نهيم فى تلك اللحظات الفنية التي كانت عيون بكار تلمع فيها .. كنت أرى بكار معى فى حوش المدرسة يحيى العلم وأتخيل كفه السمراء الجميلة تلعب معنا كيلو بامية. . وكنت أحب ضحكاته البيضاء خاصة فى الظلام ومداعباته لرشيدة .. كان صديق طفولتي المثالى حقا ذكى. . منتمى لمصر .. يحب الحيوانات .. شجاع يمسك بالأشرار .
ثم كبرت فجأة وأصبحت فى الإعدادية وظهر شباب جيلى أمامى بالشارب وبصوت غليظ آت من قاع ساقية محروقة لا مهجورة فقط .. لست أدرى سبب اشمئزازى من الفتيان فى هذا السن . . كان ألطفهم فى نظرى البيبى فيس الذى يتأخر بلوغه ووجدتنى فجأة أتخيل بكار معهم فى إحدى الرمضانات وأحاول رسمه فأفشل وأضع كل شخابيطى على أنفه وعينه وشعره الذي يزداد فلفلة مع نقراتى لكنى لاأجرؤ على الاقتراب أبدا من ذقنه وشاربه .. لا .. لا يمكن ان يكبر بكااارى .. هكذا كنت أناديه .
وكبرت مجددا ثم طالت قامتى وبقيت بطول النخل لكن لسة مبعرفش أقدر .. وكنت أتطلع لعوالم الأطفال التى فارقت وأتسائل مالذى كان يتطلع بكار لمعرفته فى عالم الكبار وكان ملهوفا على حدوثه .. وفجأة جاءت الإجابة فى ثورة 25 يناير .. أحقا جيل بكار يقدر .. هل يتطلع ويطال أعالى النخيل ليسقط أعلى نخلة فى النظام السياسى وكنت أرى بكار فى كل وجه مصرى أسمر يهتف بحب مصر وعيناه تلمعان مثل لمعة عيون بكار وهو ينادى مصر ثم جاءت الإجابة فى الثامن من فبراير حينما سقط النظام وكم كنت فى قمة سعادتى من اكتشاف أن جيل بكار وجيل شباب المستقبل لم يعودوا أطفالا وأنهم حقا يستطيعون تحديد مستقبل البلد جيدا .

وجاء الإخوان بمعاركهم السخيفة مع الفن ولم أصدق نفسى وأنا أحاول أن أشرح لهم أن أغنية مسلسل بكار كانت سببا فى انتماء جيل كامل لبلاده حتى صنع ثورة .. وأنها هى  العقد المرمر الذى صنعه شباب الثورة لماذا ترميه أرضا الآن .. كنت أريد مواساة من غبائهم ومن تصديقنا وعودهم ورميت نفسى مجددا فى أحضان مسلسل بكار وانا أتخيل أن رشيدة هى الأصلح فى حكم مصر فهي تقول كلمة واحدة طوال الوقت غالبا ستكون شرعية شرعية وهي تقفز هاربة فى المواقف الخطرة وهى ذات اسم ملىء بالحكمة .. لماذا لانجرب ياترى الحكم الرشدوى على الأقل سيكون بكار هو مرشدها الأمين .. وهكذا تحولت أفكارى لمسرحية جاهزة لحكايات المسرح التجريبى.

رحلتي المضنية في “هيئة التأمينات الإجتماعية والمعاشات”

وكبرت مجددا بوقاحة ولكن ليس بجسمى هذه المرة بل بعقلى ودرست السينما وجردت كل الأشياء من معانيها الرومانسية الحالمة وبدأت أرى بكار بمجرد نظرة فنية إحترافية .. شخصية كرتونية ناجحة نجحت لأنها تجانست مع المكان “النوبة” فاستخدمت مفرداته استخداما دراميا وهو التفاعلية مع الآثار وتصدت لقضايا قومية مثل سرقة الآثار والاسراف فى المياه .. الخ  ولست أدرى هل هذه النظرة التي جعلتنى أرى بكارى وهم يكتبون له النص ويرسمون لمعة عيناه وضحكة قلبه اللى بتضوى الف نهار ستجعلنى أتعامل معه كشخصية فنية بلا روح دون صانعيها أم أن صديقى بكار سيظل دوما بجوارى فى كل ماعلمنى إياه طوال طفولتنا معا .

إقرأ أيضا
يوميات غرائب رمضان

ما قرأته فى علم النفس يقول أن النضج الناتج من عداد عمرى يتحقق بأن تدرك الشخصية العاطفية مأساتها فى أحلامها وروحها التى تضفيها حتى على الجمادات فتتوقف وتتحول إلى شخصية عقلية قادرة على إصدار القرارات السليمة .
منذ يومين وجدت أمامى سكريبت شخصية بكار على صفحة كاتبه عمرو سمير عاطف فأخبرت نفسى أن النظرية الفنية حية تخرج لى لسانها الآن وتتحدى إبداعاتى أن أخرج للعالم بكاكير صغيرة أخرى أسوة بكاتبى المفضل ولكن بعدها بثانية اشتعلت أغنية بكار لتمسح كل نظريات النضج والفن وكل التنظيرات الأخرى لصالح بكارى الذى كان يتناول منى أكواب العصير قبل كسرها ولصالح بكارى الذى كان يدفئنى فى ليالى البرد القاهرية على أرصفتها غير الرحيمة ولصالح بكارى الذى مازال يسكننى فى المرآة حين أرانى بعيون فنان محتار .

 

الكاتب

  • رئيس تحرير سابق لجريدة الحسينية المحلية وخريجة صحافة الزقازيق ومعهد السينما وتكتب فى مجلة سينمائية فصلية اسمها scene

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
5
أحزنني
0
أعجبني
3
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
3
Slider


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

Scroll Up
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان