تقرأ الآن
“جزر” صديقي الوفي.. أنا آسف

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
61   مشاهدة  

“جزر” صديقي الوفي.. أنا آسف

لا أعلم إن كنت أنا من أحتاج لدخول ” جزر ” في حياتي، أم أنه هو الذي يحتاجني.. فقد تبنيته وهو عمره شهرين فقط.. من صديقي مصطفى بهجت الذي كان قد أنقذ كلبة بلدي من الموت في شوارع المعادي، وبعد أن عالجها حملت وولدت عنده 7 جراء، كان حريصا على أن يوزعها على أشخاص يثق أنهم سيعاملون هذه المخلوقات بحب حقيقي، ولن يتخلوا عنها بعدما تكبر.. اخترت أنا “جزر” من بينها، وأحضرته معي إلى “البرشا”، في المنيا.. وحلمت أنه سيكون رفيقي الجديد.. وأحببت ذلك جدا.
قبل “جزر” كنت قد مررت بأكثر من فاجعة فقد، لأكثر من كلب عشت وعاشوا معي فترة في حياتي متعددة الفترات الانتقالية.. لدرجة أنني أيقنت في النهاية أنه لا نصيب لي مع هذه المخلوقات الرائعة.. دائما أفجع بفقدها.. بطرق مختلفة.. وحوادث بعضها عجيب.. لكنها كلها مأساوية بالنسبة لي على الأقل.. فمثلا كلبي الأول “تروي”، وقد كان من نوع الجريفون ولونه بني، باعه صديقي مقابل “شريط ترامادول” وعلمت ذلك بعد عودتي من السفر إلى القاهرة. وفي البداية أخبرني صديقي أن “تروي” ضاع، وأنا صدقته للأسف، قبل أن أعلم بالحقيقة ويكون الوقت فات للبحث عن من اشتراه وماذا فعله به.

جزر

بعدها تبنيت كلب أخر من نفس النوع، ولكن كان لونه أبيضا، بعدما كان صديق أخر قد اشتراه لطفله، وعندما وجده غير مهتم بالكلب، وسيكون من الظلم وجوده بالبيت، عرض عليَ تبنيه، فور قراءته لبوست كتبته على فيسبوك أقول فيه إنني أتمنى شراء كلب جديد.. كان الكلب الجديد اسمه “بابسي”، لكني لم أجد أنه اسم يليق به، وقررت تسميته “ميلو”.. وقد أحببته أكثر من أي كائن حي تقريبا.. وعاش معي 5 سنوات كاملة.. لكنه في النهاية ضاع من ابنة صديق لي وهي طفلة صغيرة، بعدما أفلت منها وجرى بعيدا واختفى، ولم يستطع والدها اللحاق به أو العثور عليه في صحراء مدينة الشروق.. وأخيرا تبنيت “مديحة” وهي كلبة بلدي صغيرة وجدتها وحيدة في إحدى ليالي الشتاء الباردة، في أحد شوارع وسط البلد بالقاهرة، وبعد عام واحد من العيش معا على روف إحدى العمارات القديمة في وسط البلد، ضاعت “مديحة” في ظروف قاسية لا أريد تذكرها.. وبكيت كل مرة فقدت فيها أحد أصدقائي الكلاب.. لكني لم استطع مقاومة البحث عن صديق أخر.. مصرا هذه المرة على أن أحافظ عليه وأحميه مهما كانت الظروف، وربما لتعويض إحساس داخلي بالذنب تجاه كلابي الضالة.. وقد جائني “جزر” في ذلك الوقت، وأنا في أشد الاحتياج له، بعدما نقلت إقامتي لقريتي في المنيا.. موقنا أنه هنا سيكون بأمان معي ولن أفارقه أو يفارقني.. وسنقضي سنوات كثيرة معا، وسيلعب معه أطفالي، بعدما تزوجت أخيرا.

فرح كل البيت بقدوم جزر، خصوصا الأطفال.. فقد مر على أخر كلب كان في بيتنا أكثر من عشر سنوات، بعدما قامت إحدى جاراتنا الشريرات بتسميم “الكلبة الحمراء” التي كنا نربيها زمان.. “الكلبة الحمراء” ليست حمراء بالفعل.. لكن لونها أصفر “عدسي”.. وفي الصعيد لا نطلق على الكلاب أسماء.. فهناك “كلب الطاحونة” أو الكلب الأعرج” أو “الأعور” وجميعها بالطبع كلاب بلدي أصيلة.. “جزر” كان لونه يشبه “الكلبة الحمراء”، لذلك أحبته أمي كثيرا لأنها ذكرها بالكلبة المغدور بها سلفا.. كانت تضع له الطعام كلما غفلت عنه أنا أو انشغلت.. تزجره أكثر مني، لكنه يتمسح بها كلما مرت أمامه، ويذهب إليها ليخبرها أنه جائع أو عطشان في غيابي.. كانت أمي تفهمه أكثر من أي شخص في بيتنا.. رغم عِنده الدائم بالنوم على فرش الكنبة في الصالة، ولا يهرب إلا عندما يراها قادمة نحوه.

أكثر ما كان يجيده جزر، بعد الحب هو “العناد”، وهي السمة المزعجة في كل الكلاب البلدي، رغم تأكيد مربي الكلاب أنه من أذكى الأنواع، وهذا ما يعرفه كل بيتنا وكل يوم يثبته “جزر”.. هو يعرف كل شيء.. لكنه ينكر.. خصوصا مع توافد نوعين آخرين من الكلاب على بيتنا، أنثى جيرمن اسمها “بينكي”، و “فريدة” من نوع الجريفون.. كان “جزر” الأذكى بينهم.. والأكثر حبا وإخلاصا.. كل ليلة يذهب مع أختي المتزوجة ليوصلها إلى بيتها، كذلك يفعل مع أولادها، وأخي المتزوج وأولاده، بل إنه يذهب إلى منازلهم إن مر على غيابهم عن بيتنا أكثر من يومين ثلاثة.. كان يحرص طيور أمي، وعندما تخرج إلى حديقة المنزل، يعلم أنه ليس مكانها، ويحاول ادخالهم عشتهم مع أمي.. يعطف على قطة مسكينة وجدتها ملقاة في حديقة منزلنا وتبنيتها أنا وهو.. يسمح لها باعتلائه وعضعضة ذيله واللعب معه.. يحتضنها في الشتاء لتنام في حضنه.. في الحديقة يمشي على السيوف غير المزروعة ولا يمشي وسط الزرع.. ويهش العصافير معي.. لا يأكل الجيف.. والأغرب أنه لا يأكل أي طير من طيور أمي لو ماتت، حتى لو تم تسويتها له.. كانت أمي تتعجب من أفعاله هذه وقدرته على التمييز.. بينما “تحش” الكلبتين الأخريين أي ما يصادفهما دون تمييز.. كان دائما ما يلعب معي لعبة “بافلوف”.. كل ليلة أطرق له على طبق الطعام الممتلئ وهو يقف على بوابة البيت الرئيسية ويرفض الدخول.. جائع ويريد الدخول والتهام الأكل الذي تصل رائحته للعابه وهو على الباب، لكنه يهز ذيله ويحاول اجباري على وضع الطبق له على الباب.. مرة أنتصر ومرات يفوز هو ويبات ليلته في الشارع بمزاجه، ليحرس الحارة بأكملها، من حمار ضال قاده حظه العثر لحارتنا.. كلب أو مجموعة منها شم رائحة حيض أنثى كلبة من رفيقات جزر.. يطرد كل من غير مرغوب فيهم.. ويجلس على قمة الشارع مزهوا بقدراته.

مآثر “جزر” معي وحكاياتنا طوال أربع سنوات عشرة لا تنتهي.. في مرة سافرت دون أن يراني وأودعه.. اتصلت بي خطيبتي في منتصف الليل وقالت لي إن “جزر” جاء عند بيتها وبحث عني بأنفه ولما وجد الباب مقفولا رجع.. تقريبا هو اليوم بعينه التي علمت فيها خطيبتي وزوجتي حاليا سر حبي ل “جزر”.. وتفهمت ذلك، بل وأحبته أيضا، رغم غيرتها منها أحيانا لأنه دائما يشاركها في حضني.. لكنني كنت أحيانا أنشغل عنه.. أهمله.. وأرى حزنه في عينينه.. وأقف عاجزا عن إسعاده، رغم أنه لا يريد مني الكثير، فقط بعض الطاقة للعب معه والطبطبة عليه.. أحيانا أشعر أنه سامحني بمجر التقاء عيوننا.. ودائما دائما ما ينسى عقابي له بمجرد سمعاه طرقعة إصبعي وصافرتي المميزتين لأذنيه.. يجري بكل عنفوانه وقوته ويقفز ويحتضنني، ناسيا ما قد مضى، ويعود الصفاء بيننا مرة أخرى.

إقرأ أيضا
أحمد الزيات أو إفرايم ديفيد

كان يعلم “جزر” أنني أفضله عن كل كلاب العالم، حتى مع وجود كلاب أخرى في البيت، واهتمام الأخرين بها أكثر منه لمجرد أنه “كلب بلدي” وليس “أجنبيا”، ذو شعر كثيف وشكل “كيوت”.. هي عقدة عند المصريين في كل شيء.. حتى مع “الكلاب” عنصريين.. لكني كنت أعوض “جزر” عن ذلك، وكان يعلم أن الجميع يحترم ذكائه وتمرده على الطبطبة من الأغراب أو الانصياع لأوامر البشر.. ماذا لو عرف “جزر” أن أشقاءه من الكلاب البلدي تدربها اسرائيل على الكشف على المتفجرات ونجحت في ذلك أفضل من السلالات الأخرى.. هل سمع “جزر” عن كلبة مصرية هاجرت إلى “كندا” وبفحص سلالتها من قبل العلماء هناك اكتشفوا أنها من سلالة كلاب مصرية أصيلة عمرها ثلاثة آلاف عام.. هل كان يهمه أصلا كل ذلك الهراء البشري نحو التصنيف والامتيازات؟
لكن “جزر” يفتخر بأشياء أخرى، بمغامرات في طول وعرض قريتنا والقرى المجاورة.. مرة ذهب خلف والدي وهو يوصل الطحين على حمارته في قرية مجاورة، وغاب ثلاثة أيام وعاد يحكي للكلبتين الأخريين مغامراته.. شهرته في كل الشوارع، رغم قسوة البعض عليه، خصوصا الأطفال الملاعين.. الكلب البلدي الوحيد الذي يمتلك اسما.. ويعرف كل شوارع القرية وناسها.. هو “جزر” الذي كان يعادي من يقذفه بالحجارة من يكون.. لا ينسى أذيتهم له وجريهم وراءه بالحجارة والعصي.. يعرف واحدا واحدا وسوف يحكي لله عنهم.. مؤكد سينتقم الله له منكم جميعا.

أخر أيام “جزر” لم يكن يغادر باب شقتي.. ربما ينزل قليلا ليقف على ناصية الشارع، خصوصا وأنا غير موجود وينتظرني.. يعود معي ليأكل وينام على باب الشقة.. دائما ما يتحايل على مشاعري لأسمح له بالدخول والجلوس بجواري.. وكان يكسب دائما، رغم رفض زوجتي المتكرر لذلك.. كنت أعلم أنه “مكتئب”، ربما يكره الشتاء مثلي.. لكني لم أكن أعلم أنها أيامه الأخيرة.. وأنه كان يحاول الجلوس بقربي أطول فترة ممكنة.. تم تسميم “جزر” في منتصف ليلة “أمس” بغدر وخسة من أحد جيراننا.. مهما فعل الأطفال مع جزر، مؤكد كان سيسامحهم، لكن جريمة ذلك الوغد ستطارده حتى أبواب الجحيم.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
1
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2020, كافه الحقوق محفوظة

اعلى الصفحه
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان