تقرأ الآن
حرب أكتوبر وصدمتهم

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
117   مشاهدة  

حرب أكتوبر وصدمتهم

حرب

” بعد حرب 1967 ظنوا أنهم رسموا خريطة الشرق الأوسط للمائة عام القادمة.”
هذه القول نقله الكاتب الإنجليزي إيدجار أبلان عن المشير أحمد إسماعيل في كتابة لا غالب ولا مغلوب وهو من أوائل الكتب التي تناولت ما جرى في الحرب.

أحمد إسماعيل علي
أحمد إسماعيل علي

بالتأكيد كانت أحداث الحرب صدمة ليس للمجتمع الإسرائيلي فحسب بل امتدت آثار الصدمة إلى رعاة المشروع الإسرائيلي والمؤمنون به لأسباب دينية واستراتيجية من أصحاب القرار في نيويورك العاصمة المالية وواشنطن العاصمة السياسية والبنتاجون.

الذين عاشوا وهم التفوق الأزلي على العرب هؤلاء القوم المتأخرون في فهم التكنولوجيا الحديثة واستيعاب أسلحة القرن العشرين. حتى جاءت صدمة أكتوبر وأن حققت إسرائيل اختراقات على أرض المعركة لكن هذا لم يخفي الحقيقة بأن المشروع الصهيوني قد اهتز وتصدعت جدرانه، وتحول فجأة جيش الدفاع الإسرائيلي من عملاق فولاذي يقمع أقرانه بسهولة ويسر إلى النملة التي تخشى أن يدهسها جيش سيدنا سليمان عليه السلام.

عزر هذا الاستنتاج لدى الأمريكان تقرير أصدره قسم مخابرات وزارة الدفاع الأمريكية فور وقف اطلاق النار على جبهات القتال جاء فيه:

“في حالة إنهاء الأعمال العدائية بطريقة تجعل كل من الدول العربية وإسرائيل قادرة على البقاء ومتساوية تقريبًا في القدرات العسكرية ، فإن النظرة بعيدة المدى للشرق الأوسط ستكون استمرار العداء السياسي والاندلاع المتقطع للصراع المسلح، العرب مخلصون للهدف النهائي المتمثل في تدمير دولة إسرائيل. فقط القدرات العسكرية الإسرائيلية المتفوقة بشكل كبير هي القادرة على ردع الجهود العربية المستمرة لتحقيق هذا الهدف بالقوة، يشير المسار الحالي للأعمال العدائية إلى أن الإسرائيليين لم يعودوا يمتلكون الدرجة المطلوبة من التفوق.

في الواقع ، قد يحدث تغيير مهم في ميزان القوى بين العرب وإسرائيل. بغض النظر عن مدى نجاحهم في الخروج من الصراع الحالي، لم يعد بإمكان الإسرائيليين أن يكونوا واثقين من تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة في المستقبل. ومع ذلك، في المخطط الحالي للأشياء، تبدو القدرة على تحقيق مثل هذه الانتصارات ضرورية لبقاء إسرائيل ضد عدو مصمم على عدد أكبر بكثير من السكان ، وزيادة الثروة ، والدعم العسكري السوفيتي الذي لا ينتهي على ما يبدو.”

حتى إلى العام الماضي فإن الحرب ظلت هاجس يؤرق دوائر القرار في أمريكا، حيث ورد في تقرير للكونجرس صدر في 16 نوفمبر 2020، أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل منذ إنشائها بلغت 146 مليار دولار سواء عسكرية أو إقتصادية، في ذات التقرير  ص9  هامش35 ذكر التقرير أن أمريكا سارعت بمساعدة إسرائيل لإعادة بناء قواتها العسكرية بعد الحرب مع مصر وسوريا في 1973، وفي أعقاب الحرب صدر قانون المساعدات الأمنية العاجلة 1973، والذي منح امتيازات وتسهيلات لإسرائيل في عمليات شراء السلاح لم ولن تمتح لأي دولة أخرى.

وليس غريباً أن من أوائل قائمة طلبات التي حملتها جولدا مائير الرئيس الأمريكي في اللقاء الذي انعقد في واشنطن في 1 نوفمبر 1973 وهو اللقاء الأول بينهم منذ إندلاع حرب يوم كيبور، أن تكون هي الحرب الأخيرة

والحوار الذي دار في هذا الشأن كالتالي:

جولدا مائير: “المهم الآن هو ألا يحصلوا على نصر لم يحصلوا عليه في ساحة المعركة، لكن يجب أن تكون هذه هي الحرب الأخيرة.”

رد عليها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون: “تكمن المشكلة الآن في المضي قدمًا نحو الهدف الذي حددته – إنه هدف يريده العالم بأسره. الهدف ليس خوض حرب أخرى. كان لديك بالفعل أربعة. بالنسبة لبلد صغير، حتى الانتصارات يمكن أن تكون كارثية.”

هذا جزء من الحوار الذي دار بين رئيسة وزراء إسرائيل والرئيس الأمريكي

فقد ظهر تخوف كلا الطرفان من نشوب حرب جديدة، خاصة بعد أن فقدت الولايات المتحدة الثقة في قدرة إسرائيل على ردع العرب وتكرار سيناريو حرب الأيام الستة أو حتى المفاخرة بتفوقها على الكم والكيف العربي.

( مما لا ريبة فيه أن مخطط تدمير الجيوش العربية وتفكيكها ليس بعيدا عن هذا المطلب، ذلك أن ذاكرة أعداءنا صلبة وقوية ولا تنسي قتالها ضد الجيش المصري والسوري والعراقي في تلك الحرب).

وأصبح هنري كسينجر ذاكرة إسرائيل وشاهداً على تلاشي اعتبارها شريك في صنع القرار فيما يتعلق بسياسات الشرق الأوسط، وتحولها إلى مجرد كائن طفيلي ليس في مقدرته التفوق على اعدائه بل لا يستطع العيش بدون الدعم الامريكي المباشر.

هذا ما صرح به كسينجر لفريق عمله فور وفق إطلاق النار حيث قال لهم نصاً:

” تعرف إسرائيل أنهم لا يستطيعون البقاء بدوننا. إنهم يعرفون أنهم كانوا سيخسرون هذه الحرب إلا بنا، كانوا على ركبهم في 13 أكتوبر ولم يتمكنوا من التعافي، إذا قطعنا دعمنا الدبلوماسي ، فسوف يموتون، لا يمكنهم الصمود في موقف أميركي سوفيتي مشترك في مجلس الأمن. لذلك لدينا أساسًا كل النفوذ الذي نحتاجه، أنا قلق من تأثير ذلك على العرب. ”

وفي اللقاء المباشر أثناء القتال وأثناء استقبال جولدا مائير لكيسنجر في مكتبها في 22 أكتوبر 1973، أعربت له بالفرحة والسرور ” بدونك ، لا أعرف أين كنا سنكون”.

لكن كيسنجر حذرها من أن قواتها غرب قناة السويس ليست كبيرة وقد تنهار.

حتى بعد مرور العقود وتداول الأحداث من وجهة النظر الصهيونية ظهر كسينجر في الذكرى الأربعين للحرب وقال في فيلم وثائقي بعنوان “الحرب الملغُاة” -علقت عليه صحيفة هارتس- “أمريكا أنقذت إسرائيل خلال حرب 1973.” وحتى يومنا هذا ترسخت عقدة حرب يوم كيبور لدي المدني والعسكري في إسرائيل، ذلك بوعد قادة هذه الدويلة المستمر بأن ما حدث في تلك الحرب لن يتكرر!!!

حرب أكتوبر
حرب أكتوبر

ومما لا شك فيه أن حرب العاشر من رمضان- يوم كيبور مصدر حزن وألم للإسرائليين ودليل على تصدع أحلامهم وتفوقهم المطلق، هذا ما رصدته صحيفة نيويورك تايمز في صدر صفحتها الأولى في عددها الصادر في 26 سبتمبر 1974 في الذكرى الأولى للحرب بالتقويم اليهودي.

والتاريخ يخبرنا بأن في حياة بعض الأمم والشعوب حروب تحاول أن تمحوها ذاكرتها وتخشى تكرار تجربتها مثل حرب فيتنام بالنسبة للشعب الأمريكي، والروس غزوهم لأفغانستان، وحرب اليمن للشعب وصانع القرار المصري، وحرب العاشر من رمضان والتي وتعرف لدى الغرب والصهاينة بحرب يوم كيبور.

بإستقراء بعض المراجع الأجنبية عن الحرب ومشاهدة البعض من الأفلام الوثائقية يتبين محاولتهم التخفيف من أثر الصدمة وتشويه نتائج الحرب على الأرض والإدعاء كذباً وبهتاناً بأن الجيش المصري تم دفعه لغرب القناة أو أن الجيوش المتحاربة رجعت لخطوط ما قبل التناطح العسكري ومواجهة الدبابات والطائرات وإستيلاء المصريون على أقوي خط دفاعي عرفه التاريخ العسكري (خط بارليف).

ولم يذكروا أن الجيش الصهيوني هو من انسحب، وأن مصر استعادت كرمتها وأصبح جيشها ندا للصهاينة، يخشون رده فعله وقدرته على ردعهم وإنزال الخسائر بأرواحهم وكرماتهم.

في دراسة صادرة من مركز بيجن-السادات للدراسات الإستراتيجية في 27 سبتمبر 2020، للجنرال الإسرائيلي جرشون هاكوهن بعنوان “حرب يوم كيبور أكثر بكثير من الفشل الإستخباراتي”

توصل لنتيجة تكرس آثار الصدمة التي تلقاها الجيش الإسرائيلي وهي:

” في أعقاب حرب يوم الغفران ، طمأن الجيش الإسرائيلي نفسه بفكرة أن مصدر الفشل قد تم تشخيصه، وكما هو الحال مع العطل الميكانيكي ، بمجرد إجراء التصحيحات اللازمة ، ستعود الشؤون الأمنية للبلاد إلى مسارها الصحيح، لكن من منظور مهني مختلف يأخذ بنظرة أكثر شمولاً لتحديد أسباب الفشل – يقدم صورة مقلقة لواقع عام 1973 (والذي قد تجد العقلية الإسرائيلية الحالية أنه من المستحيل تقريبًا هضمها)، من هذا المنطلق ، يمكن بالتأكيد أن يتكرر فشل منهجي بالحجم الذي شهدته إسرائيل في حرب يوم الغفران على الرغم من جهود الجيش الإسرائيلي في التصحيح”.

قد تدعي إسرائيل أنها أنتصرت مستندة على تحقيقها لإختراقات للجبهة المصرية والسورية لكن وقائع الأحداث تكشف أنها أنهزمت بل أنكسرت عسكرياً وإستراتيجيا ًوفقدت بريقها وهالتها في عيون رعاتها قبل أعدائها، وإذا كان الصهاينة قد حاصروا الجيش الثالث بإن إسرائيل كانت تحت حصار بحري شديد، جعلها تطلب من أمريكا العمل على رفعه وإنهائه قبل أي إنسحاب أو تسوية.

إقرأ أيضا
كورنيتا جدة

وأستشهد بما ذكره ستيفن ت. روزنتال في كتابه “إختلافات لا يمكن التوافق عليها، شحوب علاقة الحب الأمريكية اليهودية مع إسرائيل” الصادر في 2001، حيث أوضح:

أن تداعيات الحرب كانت مقلقة لليهود الأمريكيين، حيث أن عدم قدرة إسرائيل على تحمل الهجوم المفاجئ والعدد الكبير في الضحايا وتداعت أسطورة الرجل العسكري الإسرائيلي الخارق، وكانت التداعيات السياسية أكثر إثارة للقلق، فالدول العربية مدفوعة بتضامن إسلامي قررت حظر البترول مما جعلها تتحكم في أسعاره، وأن أمريكا أستغلت الحرب للسيطرة على إسرائيل.

بالفعل انتصرت مصر تكتيكيًا بعبور قناة السويس وتثبيت خمس فرق مشاة على الجبهة الشرقية لقناة السويس وانتصرت استراتيجياً بتغير المعادلة وكسر نظرية التفوق الإسرائيلي ذلك الهدف الأساسي من الحرب كما صدر في التوجه الاستراتيجي الذي وقعه السادات لشن الحرب.

وتدور أسئلة في رأس المطلع على الوثائق والمراجع

السادات في مركز 10 خلال حرب أكتوبر

وماذا كان سوف يحدث لو أن الجيش السوري صمد أمام الهجوم الإسرائيلي يوم 8 أكتوبر 1973؟

ماذا لو نفذ حافظ الأسد الهجوم المخطط له من قبل القوات العربية (السورية والعراقية والأردنية) يوم 23 أكتوبر 1973؟

ماذا لو لم يطلب السادات وفق إطلاق النار الذي استغله العدو لحصار الجيش الثالث؟

ماذا لو تشدد السادات في مفاوضاته مع كيسنجر بدلاً من الكرم المفرط الذي أبكى المشير الجمسي  وأخرج محمد حسنين هيكل من جريدة الأهرام؟

ماذا لو أمر السادات بتصفية الجيب الإسرائيلي غرب القناة؟

ماذا لو كان هناك تنسيق مصري سوري موحد ومتزامن بشأن المفاوضات بعد وقف إطلاق النار؟

في النهاية استرشد بقول الأستاذ هيكل بأن ما حدث يوم 6  أكتوبر 1973 عاهة مستديمة على الوجه الإسرائيلي مهما حاولوا تجميلها.

إقرأ أيضاً

بدو سيناء .. كلمة السر في حرب أكتوبر “مواقف وحكايات”

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان