تقرأ الآن
حينما أفطرت مع صديقتي المسيحية

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
79   مشاهدة  

حينما أفطرت مع صديقتي المسيحية

رمضان مع مسيحية

  • رئيس تحرير سابق لجريدة الحسينية المحلية وخريجة صحافة الزقازيق ومعهد السينما وتكتب فى مجلة سينمائية فصلية اسمها scene

  • رئيس تحرير سابق لجريدة الحسينية المحلية وخريجة صحافة الزقازيق ومعهد السينما وتكتب فى مجلة سينمائية فصلية اسمها scene

إنها المرة الأولى فى حياتى التى تصطحبنى فيها فتاة مسيحية إلى طعام الإفطار، ورغم معرفتي بها التي قاربت السنتين لم نرى بعضنا بعضا إلا مرات قليلة كل عام في خروجات خاصة بالمتاحف أو معارض الزهور أو مهرجانات السينما .. إنها خروجات فصلية عادية من الخروجات المرتبطة بمناسبة كل 3 شهور مثلا .. ورغم أن رمضان مناسبة دينية تخصني وجدتها أكثر المتحمسين لمشاركتى خروجاته بل وأجواء إفطاره أيضًا.

اقرأ أيضًا 
الديانات السماوية إسمها إبراهيمية.. ومش تلاتة

قررت الخروج يومها في دهاليزي الجيزاوية التي أحفظها عن ظهر قلب والتي لطالما شاركتني ترفيهي عن نفسي وسط لهاث العاصمة فذهبنا لجنينة الحيوان كانت مغلقة وذهبنا لجنينة الأورمان كانت مغلقة وحاولنا الذهاب لإحدى متاحف المنطقة كان مفتوحًا طوال أيام الأسبوع ماعدا الثلاثاء اليوم الذي خرجنا فيه مغلقا أيضًا .. هناك يد استعمارية عرفت أننا سنخرج بهذا اليوم وسنفطر فأغلقت كل شيء في وجوهنا لتفرق بين عنصري الأمة ولكن هل نستسلم للأجندات الخارجية .. لا ممكن أبدًا بصوت القصري وبدأنا في سير ضاحك عبر حواري شارع مراد نتأمل أسماء الشوارع ونضحك منها .. تتذكر ذكرياتها مع كنيسة المكان وتقاوم البوح وأنا أشاركها بقوة الذكريات أن تمحو قديمها وتؤسس معى ذكريات جديدة فتنسيها القديمة .

بداية شارع مراد
بداية شارع مراد

لم يظلل أى خروجة لنا قبل خروجة رمضان أية أحاديث دينية بل كانت جميعها أحاديث فنية وإنسانية تلقائية ولكن ربما لأن الخروجة مصبوغة بالدين .. كانت لدى نيرفانا مقاومات لبوح يكمن فى كل صدور فتيات مصر تجاه طقوسنا الإسلامية ومخاوفها .. كانت تتحدث عن رعبها ورعب أهلها في أحداث نجع حمادي في يناير 2011 وطبعا إنفجار كنيسة القديسين فى الإسكندرية قبلها بخمسة عشر يوما ليلة عيد الميلاد لم يكن حدثا يمر مرور الكرام على أمان المسيحيين في مصر في كنائسهم وبيوتهم ؛ كانت رجة عنيفة فى أعصاب كل المصريين ولكن كان دويها لاشك أعنف على كل شخص مهدد بالموت فقط لأنه ليس يحمل الديانة الرسمية للبلاد .. كيف يمكن لهذه الفتاة أن تتصالح مع كل هذا وتصر أن تعزمني على الإفطار .. حتى زجاجة المياه لم تتركني أدفع ثمنها. . كانت تفعل ذلك حبا بي لا أشك للحظة في حبها وقوة تمسكها بي في حياتها ولكن كان هناك سبب آخر شعرت به لأول مرة ونحن نشرب قهوتنا البندقية التى رشحتها لها وأعجبتها .

رمضان بالمصري
رمضان بالمصري

كانت نيرفانا مثل الجميع تحب مصر وتحب المسلمين ولا تريد أن يهتز هذا الحب بداخلها مهما كانت مسبباته قوية وعميقة وغارقة فى كراهية فصيل لفصيل آخر .. كنت أكره فكرة دفاعي عن الإسلام ونصوصه وتعاليمه وتصحيح صورة ذهنية بائسة لا شأن لنا بها نحن المسلمون البسطاء وكنت أعرف أنها لا تتحدث معي لأدافع أو كي ترى الإسلام بصورة أفضل .. كانت ترانا كذلك بالفعل ودومًا تفعل لولا تلك المنغصات السخيفة وكانت تريد مني ومن كل مسلم يمر في طريقها أن يمنحها بعض الطمأنينة .. أن لا ينظر إليها أنها ليست على خلق لأنها لاترتدي حجابًا أو أنها قد تكون معرضة للمضايقة والحصار بسبب كونها على ديانة أقلية وطبعًا كونها معرضة للتهديد بموتها تلك قصة أخرى ومستوى بشع من مستويات التطرف التي أرقني حديثى فيها وأنا أحاول التوضيح تارة والتفهم تارة لما تقول ولكن ما كانت تريده نيرفانا مني احتوائها فقط بمخاوفها بقلقها بانتمائها لي وللمكان الذي جمع بين لون بشرتنا وشعرنا وعيوننا فقلت مازحة: يابنتي كلنا في مصر كنا ديانة واحدة لحد ما جت ديانة جديدة فاللي مشي في الطريق الجديد مشي واللي كمل في القديم كمل .. كان ممكن أهلك يمشوا وكان ممكن أهلي يكملوا لكنها أقدار تنوع البيئة الجغرافية اللي ربنا اداها القدرة العجيبة على تجميع كل الناس ياكلوا من زرعها ويشربوا من نيلها فيبقوا مصريين وتتلغي ما بينهم أي اختلاف آخر وسط التفصيلة الكبرى .

كانت كعادتها حين تقتنع بكلماتى .. تشد على ذراعي أكثر وأكثر لتقربني أكثر منها وانا أكمل محاولات التمويه على واقعنا السخيف بحقائق تاريخية كي أخرج بها من هذه المنطقة الكلامية ولم يعد بصدرها أي شيء يؤرقها .. وكنت أكره فكرة أننا نتحدث كشخصيات تنتمى لأشياء مختلفة رغم أن ما يجمعنا كصديقتين أكثر بكثير مما يفرقنا .. حتى فكرة هذا المقال الذي أردت فيه توثيق لحظة إنسانية مميزة عشتها ترددت في كتابتها وتمنيت وأنا أستأذنها أن ترفض كتاباتي ولكنها وافقت .. وجاءتنى الفكرة بصورة ملحة بعد ذهابنا للحسين وانبهارها بالأجواء الدينية هناك وتفاعلها مع ذلك وهي تشتري البخور .

منال محي الدين
منال محي الدين

لكن جاء معاد حفلة منال محي الدين عازفة الهارب فى قبة الغوري وذهبنا لنحضرها قبل أن يلغوها هي الأخرى وكانت بمثابة أجمل مصالحة هدهدتنا طوال يوم طويل من النقاشات الدينية والسعي في خروجة تلهينا .. والسخرية في الشوارع الفارغة .. كانت الحفلة بيان توقيع بالطمأنينة لتوتراتنا وحضن استقبال جميل بعد كل الأماكن التي أغلقت الباب في وجوهنا .. وقبلة تسامح على جبيننا تسكت التنمر المخنوق بداخلنا تجاه ما يحدث في شوارع بلادنا.. كانت باختصار عبارة هشششششش الشهيرة للسقا وهو يهمس بكلمة شاعرية رومانسية .

منال محي الدين التى كانت تعزف على الهارب منذ كان طوله ضعفها وهي بعمر العشر سنوات وطولها أقصر من أصغر أوتاره .. أمسكت بيدينا معًا وأدخلتنا في سحابة سحرية غلفتنا من أقدامنا حتى رؤوسنا .. طرنا مع كل نغمة حلوة وكل عزف رقيق .. لم يبق منا عقول تفكر تهاجم وتدافع ولا أجساد تتوتر وتتنمر لكن فقط قلوب تنبض بالجمال وشهيق وزفير بطىء يخرج من كمامتنا خوفًا من أن تمضي اللحظة الساحرة سريعًا فنبطىء تنفسنا لاستيعابها .

إقرأ أيضا

كانت منال نفسها نغمة حلوة تداعب أنغامها تضحك لها وتغمز لها وكل مافيها محتضنًا الهارب أخذ من إيقاعه السحري فأصبح منغمًا .. كانت والهارب كأنهما جزء واحد لا ينفصل حتى أنني تعجبت حين انفصلت عنه فى نهاية الحفلة كيف لم يمسك بذيلها خارجًا معها .. كانوا كيانا متوحدا لدرجة تشعر بالنشوز إذا ما إفترقا .. كنا نبحث عن شىء يوحدنا فوحدتنا الموسيقى بضغطة وتر .. طار بنا بخفة على إسماعيل فى غرام فى الكرنك مع حلاوة شمسنا بنغمات شديدة العذوبة مما حفظناها بكلماتها .. وشدنا بليغ من ملابسنا ليهوى بنا إلى بئر عميق من النغمات الصعبة الدسمة التى ترجعنا لعصر التخت المهيب والطرابيش المطروبة مع ماتتنغم به .. وطبعا العظيم عمر خيرت لم يكن من الممكن الا نتشارك معه تيمته الخاصة للحب. . ودلفنا إلى سحابة إحسان منذر مع لحن أغنية كلمات لماجدة الرومى والحق يقال أن هذه الموسيقى زرعتنا بالفعل بإحدى الغيمات التي يصعب مغادرتها إلى عالمنا القميء مجددًا .. وختمنا أخيرا بألحان سيد درويش كي نستطيع الخروج قليلا لإيقاع الجدران الحجرية وندءات السوق الشعبي خارج القبة ويبدو أن منال شعرت بجمهورها شديد التشبث بها بقوة لدرجة فعلت هذه الحيلة كي تتركه يفلتها ولو قليلا إلى أجواء تشبه موسيقاها ولم يكن هناك شىء يخرجنا من حرارة الإيقاع لبرودة القاع سوى العبقري سيد درويش .

لم يكن الثلاثاء يوما رمضانيا عاديا فى دفترى ودفتر نيرفانا ولكنه كان يوم تعلمنا فيه الكثير والكثير من الدروس التي لايمكن لشيخ الأزهر أو البابا توحيدنا بها بوضع أيدينا معا لنقف أمام فلاش كاميرا مزيف للضحكات بل أنه يمكن لكل شيء في مصر أن يفرقنا نفسيا وإجتماعيا ودينيًا لكن الفن سيلملم كل شتاتنا في لحظة ويعيد إلينا انسانيتنا وهي الوحيدة التي لن تتمزق فينا أبدًا وستظل دائما وأبدًا تنتمي لكل رسالات الحب والخير والجمال بهذا العالم .

الكاتب

  • رئيس تحرير سابق لجريدة الحسينية المحلية وخريجة صحافة الزقازيق ومعهد السينما وتكتب فى مجلة سينمائية فصلية اسمها scene

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
3
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slider


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

Scroll Up
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان