تقرأ الآن
طقطوقة حفل النادي الأهلي 1944..قصة حياة ثومة كوكب الشرق (13)

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
311   مشاهدة  

طقطوقة حفل النادي الأهلي 1944..قصة حياة ثومة كوكب الشرق (13)


 

أهلا بكم أعزائي القراء في الحلقة الحادية عشرة من قصة كوكب الشرق الآنسة أم كلثوم إبراهيم، ومنذ الحلقة السابقة ونحن نتحدث عن أم كلثوم بعد أن انتقلت من الريف إلى المدينة الواسعة، إلى القاهرة أرض الآمال والأحلام والطموحات، ربما لم يكن ليتناسب مع تلك الموهبة الفذة التي أبهرت كل من سمعها أن تظل حبيسة قرية صغيرة بمحافظة الدقهلية أو حتى في المراكز والمديريات المجاورة وما كان يليق بها سوى أن تسمع الناس من منبر القاهرة الذي ستنطلق منه للعالم كله، والحقيقة أن أم كلثوم كما وقعت في فخ ما كان شائع من الأغاني القديمة الخفيفة ذات الكلمات الركيكة كما ذكرنا في الحلقة السابقة والتي استطاع أحمد رامي أن يتدارك الموقف بشأنها إلا أنها حرصت كذلك على أن ترتقي بذوق مستمعيها فقدمت لهم العديد من القصائد القيّمة والتي كان للشيخ أبو العلا محمد كل الفضل في أن تخض غمارها منذ نعومة اظافرها، ومن بين هذه القصائد، قصيدة مرت بثلاث مراحل تلحينية وهي من بواكر تسجيلات أم كلثوم على الاسطوانات.

 

 

 

حفل ثومة في النادي الاهلي
حفل ثومة في النادي الاهلي

 

 

 

الغريب في الأمر أنه ربما بعد مطالعة تلك الحلقة عزيزي القاريء ستكتشف أن ثمة حوادث وصراعات قد واجهتها كوكب الشرق أم كلثوم في مطلع العقد الثالث من القرن العشرين كادت أن تودي بمستقبلها الفني كله وربما ما كانت أم كلثوم، إلا أن القدر كان رحيما بنا، وشاء الله أن يكافيء تلك الموهبة الفذة التي ما خلقت إلا لتصير أم كلثوم التي عشقها العالم كله، فبينما كانت أم كلثوم تستعد لمواجهة الجمهور بنجاحات حققتها، كانت الأكمنة تنصب لها، بين تنمر وسخرية وتهكم ومكائد مدبرة عبرت أم كلثوم مخلفة ورائها حسادا وحاقدين ما كانوا ليفكروا في تجاوزها بالموهبة أو الاستعداد ولم يملكوا من المقومات سوى العجز والحسد.

 

 

 

أم كلثوم والحروب والصراعات الفنية

 

 

 

بحسب ما ذكرت الدكتورة نعمات فؤاد في كتابها عن ثومة كوكب الشرق وهو ما أخذته عنها الدكتورة رتيبة الحفني في كتابها أيضا، ولزاما علي أن أذكره أنا الآخر في هذه السلسلة أن أم كلثوم وسط الصراع الفني الصاخب في الفترة ما بين 1920 و1930م لم تكن طرفا بارزا فيه أو على الأقل في أوله، فأم كلثوم كانت لا تزال مطربة ناشئة صغيرة لا تلاحظها العين آنذاك .

 

 

 

في عام 1918م أخذ جلساء المطربة فاطمة قدري والتي كانت مطربة ذائعة الصيت ولها ما لها من شهرة يتحدثون عن فتاة مسكينة اسمها أم كلثوم، فأخذوا يقولون أنها فتاة صغيرة تغني ولكنها لا تغني كما يغني الناس بل تولّد للنبي صلى الله عليه وسلم وتنشد الأناشيد في موالد الريف وتلبس ثياب الصبيان، بل وصل بهم الأمر أن جعلوا من أم كلثوم مادة للسخرية والتنمر والتسلية.

 

أقرأ أيضًا….

شعبين منصهرين فأين تذهب هذا المساء؟..عن مواهب سودانية أثرت سينما مصر

 

تارة يطلقون النكات على اسمها وتارة يتسائلون عن سر العقال، وتارة يتسائلون عن الجبة التي تلبسها وتزعم أنها بالطو، وهل هي بنت أم ولد، وترتفع الضحكات والقهقهات مهما كانت النكات سخيفة كما تقول الدكتورة نعمات، وبينما هم يضحكون إذ طلعت عليهم مطربتهم فاطمة قدري فهبوا وقوفا مؤديين التحية لها، وبعد أن اطمأن بهم المجلس، أكملوا الحديث عن أم كلثوم، فتسائلت فاطمة قدري: من أم كلثوم هذه؟ فقصوا عليها قصتها من جديد، فارتسم على وجه المطربة الكبيرة تعبير من تتذكر شيئا سمعت عنه من قبل، ثم قالت: نعم سمعت بها من قبل ولا مانع عندي من أراها، وسرعان ما تطوع المطيباتية بإحضار أم كلثوم التي جاءت تتعثر في خطواها منكسرة انكسار مساكين الريف فقالت لها فاطمة قدري: قربي، فاقتربت أم كلثوم منها إلا أنها لم تجد ما تقوله لست الحسن والجمال، وانصرفت أم كلثوم تاركة للمجلس مادة جديدة للتهكم والسخرية منها.

 

 

 

والحقيقة أن المظاهر كثيرا ما تجعلنا ننخدع في الأشخاص، لذلك من الحكمة أن نجعل المضمون معيارا للحكم لا الشكل، فكثيرا ما ننبهر بالشكل لنصعق في النهاية بمضمون أجوف لا قيمة له، وقد عانت أم كلثوم كثيرا في بداياتها بسبب تلك الفكرة السخيفة، فكرة النظر لها على أنها البنت القروية الفلاحة ذات الملابس الغريبة، فقد جاء في مجلة مصر الحرة عام 1929م عن أم كلثوم أنه حدث ذات مساء أن صعدت سيدة إلى المسرح قبل أن تغني أم كلثوم تطلب مقابلتها.

 

 

 

وتصادف أن كانت ثومة كوكب الشرق نفسها هي أول من قابلت تلك السيدة فقالت لها: عاوزة أقابل أم كلثوم، فسألتها ثومة: عشان إيه، فقالت: نفسي أشوفها وابوسها، فردت ثومة: عمرك ما شوفتيها؟ فأجابت: لا بس معجبة بها من صوتها في الفونوغراف ونفسي أشوفها، فقالت لها أم كلثوم: طيب يا ستي أنا أم كلثوم بوسيني بقى واخلصي، إلا أن السيدة لم تصدقها وقالت: حضرتك بتضحكي عليّ، هو أنا مجنونة عشان أصدق إن أم كلثوم مفعوصة كده؟، ورأت أم كلثوم من عيني السيدة أنها بالفعل غير مصدقة فقالت لها: صحيح أنا كنت بهزر أنا خادمة أم كلثوم، فسألتها: إذا فين أم كلثوم؟ فأجابتها، في غرفتها بتلبس عشان هاتطلع تغني بعد خمس دقايق، وأظن حضرتك ترجعي تقابليها بعد ما تغني الوصلة الأولى، وانصرفت السيدة على ذلك، ثم رفع الستار وظهرت أم كلثوم على المنصة تغني مع التخت، ورأتها السيدة وعرفت أنها أم كلثوم ولست الخادمة، ولكنها لم ترجع، فقد خجلت أن تقابلها مجددا واكتفت برؤيتها عن بعد.

 

 

إقرأ أيضا

أم كلثوم وصراع مع منيرة المهدية

 

من الأصوات التي أحبها وأعبر عن ذلك بشكل شخصي جدا، هو صوت سلطانة الطرب منيرة المهدية، وبعيدا عن المواقف الشخصية والصراعات غير المحمودة داخل الوسط الفني، لا أستطيع تقييم الفن بشكل مجرد بعيدا عن النفس البشرية ذاتها أيضا، هناك دائما ارتباط ما بين الشخصية المجردة والفنان، ينطبع بشكل أو بآخر على التصرفات ومن بينها العلاقات الدائرة داخل الوسط، وأم كلثوم حين أتت من الريف إلى القاهرة لم يكن طريقها للمجد مفروشا بالورود ممهدا للصعود للقمة، بل كان مليئا بالعقبات ومن بين تلك العقبات منافسة المطربات الكبار على الساحة الفنية وقتئذ.

 

 

 

ومن بينهن كانت منيرة المهدية التي أحست بعد ذيوع صيت كوكب الشرق أن عرش الطرب قد بدأ يهتز من تحتها، وعن ذلك يقول مصطفى أمين في إحدى الليالي ارتدت منيرة المهدية ملاءة لف سوداء ووضعت على وجهها برقعا وارتدت شبشبا في قدميها، وصحبت معها الممثل محمد بهجت وذهبت لمسرح رمسيس حيث كانت تغني أم كلثوم، واشترت منيرة تذكرتين في أعلى التياترو وهي أرخص مقاعد المسرح وجلست تستمع إلى أم كلثوم.

 

 

وشهدت سيطرة ثومة كوكب الشرق العجيبة على المستمعين وهي تتحكم فيهم بصوتها الساحر وتجعلهم يتمايلون ويرقصون مع غنائها ويهبون واقفين مصفقين لها، ولم تحتمل منيرة أن تحضر أكثر من الوصلة الاولى، فتركت المسرح ساخطة غاضبة على غباء الجمهور وجحوده من وجهة نظرها، وعادت إلى عوامتها في النيل وهي تكاد أن تجن سخطا وغضبا، وأخذت تفكر كيف تقضي على هذه الفتاة الصغيرة التي تهدد عرشها ومكانتها.

 

 

وفي ذلك الوقت كانت تصدر مجلة فنية اسمها المسرح، وكانت من أوسع الصحف انتشارا وقتئذ، وكان صاحبها شاب اسمه محمد عبد المجيد حلمي وكان ناقدا فنيا معروف بجبروت قلمه وحدته فقررت منيرة أن توقع هذا الشاب في غرامها “والعهدة في هذا الكلام على الراوي مصطفى أمين”، على أيه حال استطاعت أن توقع به في شباك حبها وبالطبع بدأ يسلط قلمه على أم كلثوم حتى ترضى عنه منيرة.

 

 

وبدأت مجلة المسرح تهاجم ثومة كوكب الشرق، حيث جاء فيها في السابع عشر من شهر يناير 1927م: ( أم كلثوم لها مئات العشاق ولا أدري ماذا يحبون فيها، فهي ليست على شيء من الجمال أو خفة الروح أو سلامة الطبع)، وفي الحادي والثلاثين من ذات الشهر جاء فيها: ( إن أم كلثوم نجمها قد غرب)، (إن أم كلثوم وهي صغيرة قد قدمت لمحكمة السنبلاوين شكوى مؤداها أن شابا من القرية قد اغتصبها) ووعدت المجلة بنشر نص الحكم، إلا أنها لم تنشره بالطبع لأنه كان خبرا كاذبا مختلقا، وكاد هذا الخبر أن ينهي مسيرة أم كلثوم ويعيدها إلى قريتها، فقد قرأة الشيخ إبراهيم البلتاجي والدها وأقسم ألا تبقى ثومة في القاهرة يوما واحدا، إلا أن أصدقاء الأسرة وتوسل أم كلثوم نجحا بالكاد في إقناع والدها بالرجوع عن تلك الفكرة التي كانت ستحرمنا من معنى عظيم من معاني الجمال.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان