تقرأ الآن
عبَدَة الترافيك

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
384   مشاهدة  

عبَدَة الترافيك

عبَدَة الترافيك
  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي وتجديد الخطاب الديني

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال


يأتي عَبَدَة الترافيك دومًا مع الكلام عن تدنّي المستوى الفني وهو مستمرٌّ من قديم الأزل، وجرت العادة أن كل جيل يتهم اللي بعده أنه جيلٌ تافه وبيقدم كلاما فارغا، ومع الوقت يتحول الكلام الفارغ “الصاعد” إلى ذوق سائد.. ثم إلى قاعدة بديهية راسخة.. ثم كلاسيكيات بتقابلها موجة من الانحطاط بيقدمها شباب الجيل الجديد.. وهكذا دواليك.

لمّا الإنسان يخرج نفسه بره خناقة الأجيال دي، هيشوف أن دي حركة الزمن الطبيعية، أو زي ما بيقولوا: “صراع الأجيال” أو “قانون الإزاحة”.

في أواخر التمانينات انضميت لصفوف المراهقين وبقيت منحاز لإزعاج الجيل الجديد المتمثل في (لولاكي) علي حميدة و(ميّال) عمرو دياب.. وتوزيعات حميد الشاعري بشكل عام، وشعبيًّا كنت من جمهور مجدي الجندي وعبد الباسط حمودة، والبرنس.. رمضان البرنس، حصل بعد كده أنني غرزت فترة مش قليلة في محمد حسان وفوزي السعيد ووجدي غنيم ومحمد عبد المقصود وما شابه.. بس دول مش موضوعنا، إنما موضوعنا هو صعود جيل من “الدوشجية” ليحتل صدارة المشهد الغنائي في المنطقة.

اقرأ أيضًا 
بين إسماعيلية رايح جاي والفن السابع “اتنين عصير فراولة”

نجوم السينما قدروا يصمدوا فترة أطول من أمثالهم في عالم الغُنا، ففضل عادل إمام ونادية الجندي وجْهَين -رجالي وحريمي- لنفس ذات العملة، وفين وفين على ما ظهر فيلم (إسماعيلية رايح جاي) أواخر التسعينيات عشان يعمل هزة في عالم السينما.. ويظهرلنا نجوم مختلفين من نوعية محمد هنيدي، كمؤسس لكوميديا جيل جديد.. وأحمد السقا رشق في وظيفة “الجان” اللي بيمشي على الحيطان.. ثم جاءت منى زكي ولعبت دور المُزّة الشابة التي لا يبوسها أحد، رافعة شعار (السينما النظيفة)، وطبعًا السينما النقيضة مش اللي بتقدم كلام فارغ أو أفلام تافهة إنما اللي فيها بوس.

طوال الفترة دي فيه ناس إتنبح حسهم في قضية انحدار الذوق العام، وناس تانية دافعت باستماتة عن إيقاع وذوق وشخصية العصر، وأنا عن نفسي كنت طول الوقت من جمهور معسكر التجديد.

بس دلوقتي ولما بقيت من الجيل القديم وظهر جيل جديد بيقدم منطق وإيقاع مختلف لقيت نفسي مرتبك بشكل يستحيل إنكاره، أو حتى محاولة إخفائه، من كوني رجل على أربعيني ينفع الإشارة له بوصفه (دقة قديمة)، والأخطر أني بقيت مُنزعِج فعليًا من أغلب أبناء الجيل الجديد ومن اللي بيقدموه.

– التكنو علينا فرض

موسيقى إلكترونية
موسيقى إلكترونية

بداية صدامي مع الحديث كانت مع ما يسمى “موسيقى إلكترونية”، ودي ماقدرتش أسمعها ولا حتى أوصفها إنها مزيكا، طبعًا التكنو انتشرت بشكل رهيب وليها جماهيرية مش سهلة في هذا الكوكب، وواصلت الانتشار والتطور وربنا كرمها وبقت “هاوس”، لكن فضلت في نظري مجموعة من الشباب الأهوج الأرعن اللي بيلعب في الفيوزات.. وهيموتوا متكهربين.

– الهيولية التشكيلية

الموسيقى والفن التشكيلي
الموسيقى والفن التشكيلي

تزامن مع التغيير ده في الموسيقى تغيير لا يقل ضراوة في عالم الفن التشكيلي، وظهرت موجة جديدة واجه كتير من التشكيليين نفسهم أزمة في فهمها، فما بالك بمتلقي عادي زي حالاتي، وكتير من التشكيليين أتكلموا وكتبوا عن تمويل عدد من المؤسسات الثقافية لمدارس فنية بعينها، بهدف تفريغ الفن من أي معنى، وكلام كبير كان بنفس صعوبة الأعمال الهيولية على قدراتي العادية على الفهم.

– المهرجانات
كل اللي فات قدرت أشوفه في ضوء نظرية “صراع الأجيال”، بس مع ظهور المهرجانات بدأت أحس أن فيه مشكلة، وماقصدش هنا مشكلة إفراز الشعب المصري للمهرجانات والجماهيرية الكبيرة ليها في الأماكن الشعبية والعشوائيات، إنما اللي شوفته كمشكلة هو احتفاء عدد من المثقفين والقائمين على إدارة أماكن فنية وثقافية مستقلة بالمهرجانات.

اقرأ أيضًا 
عن موسيقى المهرجانات و الأندر جراوند وإعادة تعريف الجمال في الفن

طبعًا مبسوط أن الشباب دي قررت تعبر عن نفسها باستخدام الفن، همة صحيح كلهم بدأوا بجملة مزيكا واحدة، ومش متأكد هي جملة أساسًا ولا لأ، بس أهو اختيار أفضل من اختيارات تانية كتير، لكن سعادتي دي مش ممكن تقنع وداني إنها ماتنزعجش من الجملة المتكررة وكأني في حلم طويل.. ومزعج، أو تقنع عقلي بتقبل الأفكار المحافظة اللي بيقدموها.

فبقى عندي مشكلة مع المحتفين بيهم، السادة القائمين على المراكز الثقافية-الفنية عذرهم جاهز وهو الإقبال الجماهيري يعني التذاكر ورواج المكان في حد ذاته، أما الكُتاب/النقاد فعجزت أفهم بيعملوا كده ليه، وحاولت أقنع بعضهم أنهم في الأساس من المفترض في معسكر فكري مضاد للأفكار اللي الشباب دول بيقدموها في كلامهم، فلو كانت الكتابة عنهم ضرورية يبقى لازم نشاور على سلبياتهم عشان مايتمش تصديرهم كنموذج.

اقرأ أيضًا 
المهرجانات اكتساح .. اكتساح

بس الحمد لله ماحدش اقتنع بكلامي وبقى النهارده فرق المهرجانات بتلعب في أغلب الأماكن اللي من الفترض إنها ملعب للفنانين المستقلين اللي بيقدموا أفكار مغايرة للسائد في المجتمع، والعجيب أن فرق المهرجانات كونت جماهيرية داخل الأوساط دي، والجمهور العميق اللي بيشرب قهوة على صوت فيروز وبيشتم السبكي كل تلات.. بقينا نشوفه وهو بيرقص بنفس طريقة الشباب اللي بينتقدهم وبيسمع نفس الأغاني اللي بيسمعوها، وبيحفظ أجزاء مش قليلة من أغاني أفلام السبكي اللي بيشتمه. باختصار بقى عندنا جمهور حافظ قصيدة “حين كنا” لنزار قباني لما غنتها دينا الوديدي وفي نفس ذات الوقت حافظين مهرجان بنات الجامعة اللي كتبه سيمو الفنان وأداء فيفتي وآخرون.

– التفاهة كتوجه

السوشيال ميديا
السوشيال ميديا

مع انتشار وتوسع فكرة “السوشيال ميديا”، قامت تقريبًا كل المؤسسات الإعلامية باقتحام هذا العالم، شبه كده شركات الإنتاج لما بقت بتقدم أفلامها للجهات اللي بتدي منح لدعم الفنانين المستقلين، في عالم السوشيال ميديا والإنترنت بشكل عام، فإن عدادات نسب المشاهدة أوضح من نظيرتها في القنوات الفضائية، وفي زمن قياسي بقت الدنيا بتتحسب بعدد المشاهدات واللايك والشير، ولأن السيد المُعلِن همه الوحيد أن إعلانه يتشاف، فأكيد تركيزه الأساسي هو هيحط إعلانه على موقع أو صفحة بيدخلها كام نفر.

ولجل عيون السيد المعلن بقت المواقع بتستهدف رفع معدلات مشاهدتها بشتى الطرق والكباري، فمافيش مانع يصطادوا خبر كاذب، “إشاعة يعني”، من على مواقع التواصل الاجتماعي ونشره بوصفه خبر، وعلى قد سخونة الإشاعة على قد الشير والترافيك اللي هيحققه الخبر المضروب، زي مثلًا وفاة أحد المشاهير، وبعد شوية وبسبب الانتشار الواسع، فالشخص بيطلع ينفي الخبر، فبسرعة نفس الموقع اللي روّج الإشاعة ينشر تكذيب الخبر اللي هو نشره من شوية، وبرضه هيحقق نفس الانتشار، مهنيًا دي قلة أدب، أما ترافيكيًا فده نجاح، فبقى شعار أغلب المواقع الإخبارية “المجد للترافيك في الأعالي”.

إقرأ أيضا
عبدالحليم حافظ والضباط الأحرار

– البيض شعار المرحلة

بيض
بيض

مع زيادة تحكم العدادات العميا في سوق الميديا، بقى عندنا ظاهرة هاسميها “النجومية السلبية”، يعني مثلًا، مذيع أهبل مش عارف يتكلم، ويترفع فيديو لأكتر جزء هو بيهوهو فيه، فـ الفيديو ده ينتشر كالنار في الهشيم؛ صحيح كل اللي بيشيروه بيتريقوا على المذيع، بس المعلن مايهمهوش إلا أن إعلانه يتشاف، فهنا يتحول المذيع الفاشل إلى “نجم سلبي”.. مش كده وبس إنما كمان تتحول الهوهوة دي لبضاعته الرائجة “الشوية بتوعه”، فتبدأ المواقع والقنوات تتخاطفه عشان يهوهو عندها، فالجماهير الغفيرة تدخل تشتمه أو تتريق عليه، فيرتفع الترافيك والإعلانات تهل ع الموقع. وهي نظرية ترويجية عتيقة ومستهلكة، مذكورة بالنص في فيلم معبودة الجماهير، بس إحنا اللي عندنا عيوب في التلقي.

والتوجه ده أنتج لنا شخصية عامة “الشوية بتوعها” الشتيمة والألفاظ البذيئة، وعندنا إعلامي “الشوية بتوعه” الكلام الأهبل وغير المتماسك، وكوميديان “الشوية بتوعه” إنه أوليت و.. و.. إلخ. ولأن سياسة “اللي تكسب به.. العب به” مالهاش آخر، فدخلنا في أسوأ مراحل صناعة الميديا، ألا وهي مرحلة “صناعة القبح”.

اتجهت بعض المؤسسات الإعلامية لتجديد مخيف وقاتل في عملية “التبني”، فبدل ما تعمل في البحث عن النماذج الفنية المبشرة وتمنحها فرصة للظهور في نطاق أوسع، بقت بتعمل العكس تمامًا، فالجميل يُمكن جدًا الخلاف حوله، بالتالي غير مضمون الترافيك، أما القبيح فمضمون إجماع نسبة كبيرة من البشر على كونه قبيح، فبقت عملية التبني تتجه ناحية القبيح.

وأصبحت بعض المواقع تتابع مواقع التواصل وأول ما ينتشر شيء ما بوصفه شديد القبح، فورًا تتجه له هذه المواقع لصانع هذا القبح وتتعاقد معاه على إنتاج فيديوهات خاصة، طبعًا المتعاقد معاه عارف أن المطلوب منه هو “الشوية بتوعه”، آه عارف إنه هيتشتم وهيتمسخر من المشاهدين، بس ده بيجيب فلوس.. يعني بيكسب، فمش بس هو هيوافق إنما كمان هيبقى نموذج لآخرين يسلكوا نفس الطريق الأسهل والأضمن في المكسب.

– أوقف الشيير يا حزقيل

عبَدَة الترافيك
الشير

من المستحيل إقناع المُعلن أنه يحط إعلانه على المنتج اللي له قيمة جمالية مش حسب العداد، ومستحيل إقناع المواقع دي بأهمية صناعة الجمال وليس القبح، لأن الهدف الوحيد هو المكسب، وده بيتوغل في بنية المؤسسات دي لدرجة إن الكادر الشاطر دلوقتي هو اللي عينه تقدر تلقط النموذج الأكثر قبحًا.. اللي مضمون يعمل ترافيك عالي، وطبعًا يستحيل إقناع شخص فاشل الدنيا كلها بتشتمه إنه يرفض عرض بتحويل الشتيمة دي لفلوس.

يبقى الحل الوحيد اللي في إيدينا هو التوقف عن الشير السلبي، ونرجع بذاكرتنا كده لفيلم “هجرة الرسول” ونتبنى جملة الفنان حسن البارودي الخالدة -لكن بتصرف يناسب الموقف- ليصبح شعارنا في مواجهة القبح وصناعه هو “أوقف الشير يا حزقيل”.

الكاتب

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي وتجديد الخطاب الديني

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
2
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

Comments are closed

"

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان