تقرأ الآن
عن صراع الثنائيات في مسرحية إيزيس لتوفيق الحكيم .. هكذا تكلم النص

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
112   مشاهدة  

عن صراع الثنائيات في مسرحية إيزيس لتوفيق الحكيم .. هكذا تكلم النص

مسرحية إيزيس

  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .


لم يُعرف المسرح العربي بمفهومه الواسع إلا متأخرا، نتيجة اتصال العرب بالحركة الأبية الأوروبية في القرون الأخيرة، هذا ما جعلهم يعرفون فنونا جديدة وأشكالا نثرية لم يعرفها العرب بمفهومها الفني الحالي كفن القصة والرواية والمسرح .

والحقيقة إن فن المسرح المصري والعربي ما كان ليبلغ شأنه الحالي لولا الجهود الرائدة التي قام بها الكاتب الكبير «توفيق الحكيم»، الذي استطاع أن يُقدِّم نصوصًا مسرحية ناضجة تُناقِش قضايا عصره السياسية والاجتماعية، وتبتعد عن الشكل الذي كان سائدًا في المسرح الغنائي، فاستحق أن يُلقَّب ﺑ “أبو المسرح العربي”، ونحن بصدد  تحليل ونقد أحد روائعه وهي مسرحية ” إيزيس” ، لا سيما توضيح صراع الثنائيات التي اعتمدت عليها الرواية بشكل أو بآخر .

أولا مفهوم الثنائيات الضدية 

يشكل مفهوم «الثنائيات الضدية» عصب المدرسة البنيوية، وهذه الثنائيات مدخل مهم وضروري لتحليل مسرحية أيزيس، إذ أنها مليئة بصراع الثنائيات؛ الصراع بين الخير والشر ، صراع الحضارات صراع الكراهية الكامنة في نفس الحكيم بالنسبة للمرأة وغيرها من الثنائيات سنتناولها بالتفصيل خلال البحث .

 

ينحدر  مفهوم الثنائية الضدية من دراسات” ليفي شتراوس” حول الأساطير ، وهي تستخدم الكلمات والمفاهيم، وتقاليد النص ورموزه لتكشف عن البنية المتحكمة في النص، إذ لا تتم معرفة الأشياء في ضوء خصائصها الأساسية فقط، وإنما يتم ذلك في ضوء تمايزها.[1]

 

وتعدّ فرضية الثنائية (Binary Assumption) من الموضوعات التي أثارت دهشة الإنسان في مسيرة تاريخ الفكر البشري، فثمة طرفا ثنائية متضادان في الكون، مثل: زيادة/ نقصان، ذكر/ أنثى، سلب/ إيجاب… ويرى بعضهم أن هذه الأضداد يبحث الطرف منها عن طرفه الآخر؛ ليتحدا معاً مكوّنين الوحدة الأصلية، ويرى آخرون أن هذه الأضداد تقوم على صراع أبدي بعضها مع بعض ويرون أن هذا الصراع مصدر الخلق، والتوليد؛ لاستمرار الحياة.

كما تشكل كل ثنائية منظومة علائقية أسطورية بدءً بأساطير الخلق، والمعتقدات القديمة، وصولًا إلى الفلسفة والأدب والسياسية وعلم الطاقة، وتنتج الثنائيات ثنائيات جديدة، فالثنائيات الضدية تندرج في مقام واحد.

كما أن الثنائيات الضدية من الظواهر الفلسفية أساسًا تمّ سَحْبُها على النقد الأدبي، وأول من طبّقها على الأدب البنيويون، ويعدّ هذا المصطلح مفردة من مفردات الثقافة الغربية، يمثّل أسسًا فلسفية بالدرجة الأولى، له أبعاد إيديولوجية وفلسفية موغلة في القدم، ولفهمه بأبعاده كلها لابد من العودة إلى أصله الفلسفي؛ ليتضح معناه، ثمّ يتعيّن على ذلك دراسته في حقل النقد الأدبي الذي استفاد من اصطلاحات علم الاجتماع، وعلم النفس.

ثنائية الواقع و الأسطورة

إن مزاج الفنان كالطائر الطليق يحلق على أغصان الفن لا يمكن قصر تحليقه ذلك على معالجة موضوع معين في وقت محدد، وقد تكتفي هذه الحقيقة  وحدها كافية لتُبين سبب تأخير توفيق الحكيم في نشر مسرحية إزيس ، وكانت إرهاصات أسطورة إيزيس قد ظهرت متفرقة في بعض أعمال الكاتب إلى أن خرجت بشكل مفصل عام 1955م.

وأسطورة إيزيس و أوزريس في الواقع يكتنفها بعض الغموض شأنها شأن الأساطير الأخرى، فذكرت هذه الأسطورة متفرقة في كتاب الموتى أو ما يعرف بنصوص الأهرام القديمة، أو في كتاب « ايزيس و أوزوريس» وهو من آثار القرن الأول الميلادي .

والواقع أن أسطورة إيزيس من خلال نشيد الموتى يكتنفها غموض كبير لكن توفيق الحكيم تأثر تأثر شديد بهذا الكتاب فمثلا في عتبة نص « عودة  الروح» نراه يخلد الموت فيقول :«عندما يصير الزمن إلى خلود، سوف نراك من جديد، لأنك صائر إلى هناك، حيث الكل في واحد».

كما استقى الأسطورة من مطالعة كتاب « ايزيس وأوزريس لبلوتارك ، وعلى أية حال لا يمكن أن نثق تمامًا في هذا الكتاب كون المؤلف يوناني وكون تأخر زمن الكتاب واعتبارات أخرى ، هذه الاعتبارات جعلت الحكيم حرًا طليقًا يتحرك بين جنبات الأسطورة يأخذ ما هو مناسب لمعالجة عمله القصصي وخدمة البناء المسرحي الذي اتبعه.

إن شخصية أوزوريس  كانت شخصية ثانوية طوال أحداث المسرحية ، لكنها هي المحرك  الأساسي للصراع  الناشب بين طيفون أخيه من جهة وبين زوجته إيزيس وابنها حورس من جهة أخرى، صوره ” الحكيم”  في المسرحية بأنه مخترع ولولاه لحل الجدب  على المحروسة ، فهو مخترع  المحراث، والشادوف،  ومشيد الجسور،  والقناطر ولولاه لما قامت الحضارة المصرية [2].

ومع تتابع الأحداث  وتصاعد العمل قفز أوزوريس من مجرد مخترع إلى رمز للعلم والمعرفة .

ففي حديث إيزيس مع الغلاف الذي شاهد الصندوق الذي به زوجه في النيل ، تتحدث عن فضائل زوجها :”الغلام):  ببراءة) فيه لي!

إيزيس: هو جوهر يضيء للناس … ويكشف  لهم ما ينفعهم ..واأسفاه …[3]

هذا هو محرك الصراع؛ وشخصية أوزوريس تتفق تماما مع ما جاءت به الأساطير المصرية واليونانية القديمة فهو” مثال الزوج الشهم  و الأب الكريم والحاكم العادل.. مؤسس  الحضارة ورسول السلام والإنسانة ”

يقول بلوتارخوس:” وما إن استوى أوزوريس على العرش حتى انتشل المصريين من حياة الحرم.

ان والتوحش ، فعلمهم كيف يزرعون الحب، وسن لهم القوانين ، وعلمهم تبجيل الآلهة …”

ويقول ” فريرز ” في كتابه الشهير ” حين حكم أوزوريس الأرض ” ” خلص المصريين من الهمجية  ومنحهم القوانين  وعلمهم عبادة الآلهة ، وإذا كانت أخته إيزيس  من اكتشفت القمح والشعير فإن زوجها أوزوريس هو من علم شعبه  هاتين الغلتين ..”[4].

وتوفيق الحكيم لم يجاوز القصد ، حيث جعل أوزوريس رمزا للعلم في المسرحية ، فقد استمد ذلك من روح الأسطورة كما هو مبين ، لكننا لا ننكر أنه بالغ في انصرافه عن الحكم ، وترك التصرف لأخيه طيفون ، وجاء هذا على لسان توت و مسطاط”

توت : نعم مع الأسف… طيفون هو المتصرف الحقيقي.

مسطاط: وحده الذي يدير من قصره كل شؤون المملكة ، بينما شقيقه  الطيب حاكمنا أوزيرس …

توت : مشغول عن الحكم باكتشافاته واختراعاته ….[5]

تيمة العلم والمعرفة سيطرت على شخصية احداث المسرحية، وتغلبت عليه هذه التيمة حينما اشتراه ملك ببلوس باعتباره عبدا رقيقا فعمل على نماء الأرض الذي عاش فيها مع إنه ليس وطنه هو مجرد عبد في هذا المكان بعد أن كان ملكا…!

وحين وصفه أهل تلك البلاد  قالو على لسان حراس القصر  حينما ذهبت إيزيس للبحث عن زوجها”

الحارس الثاني: أنت من بلاد الغرب ؟!

إيزيس:  نعم… لماذا الدهشة ؟

الحارس الثاني: عندنا رجل  من الغرب…. يحبه أهل بلادنا كثيرا ..

إيزيس:( باهتمام)  لماذا يحبونه ؟…

الحارس الثاني : لأنه صنع أشياء عجيبة  ما كان أهل بلادنا يعرفونها ..[6]

ويتكرر هذا المشهد في مكان آخر وعلى لسان شخوص أخرى ليؤكد تيمة العلم الملازمة له طوال أحداث العمل .

ثنائية الخير والشر في مسرحية أيزيس الحكيم

تعتبر  مسألة الخير والشر مادةً في المناقشات الفكرية والبحوث النفسية، وتباينت الآراء والتفسيرات بشأن ما يحمله الإنسان من نوازع خيّرة أو شرّيرة، ولم يزل السؤال قائمًا حول أصل هذين النقيضين في طبائع هذا المخلوق المُلَغز الذي أشكل على ذاته.

ويرى بعض الفلاسفة أنّ الأصل في الإنسان هو الخير لكن المجتمع يُفسده، بينما يرى غيرهم أنه لولا وجود وازع قانوني وديني لانفلت منه الشر، لأنَّ هذا الطبع الشرير متجذّر في أعماق الكائن البشري، وربما كان الصراع المُتشكل في  أسطورة أوزوريس ترمز إلى الصراع بين الخير في شخصية أوزوريس إله الخصب والنماء ، وبين الشر في شخصية أخيه ست الإله المستغل الجشع طمعا في الحكم ، كما ترمز لفكرة البعث وبخاصة بعث الخير.

وتوفيق الحكيم في مسرحيته لم يستبق في مسرحيته شيء من الخوارق الأسطورية كما قلنا مثل الرمز للبعث مكتفيا بتصوير الصراع بين أوزوريس وزوجته إيزيس من جهة وست الذي يطلق عليه الاسم اليوناني القديم طيفون.

بدأ الصراع في المشهد الأول حينما جعل طيفون شيخ البلد يعامل الناس بقسوة ليسوأ صورة أخيه أمام رعيته..

توت : كتبنا وما من أذن سمعت

مسطاط: لأنها لم تصل إلى الأذن التي يجب أن تسمع! انت تعلم ذلك يأتوت ، إنها لا يمكن أن تقع اليوم إلا في يد المسكو، و أنت تعلم أيضا من هو المتصرف الحقيقي في البلد اليوم…!

توت: نعم مع الأسف.. طيفون هو المتصرف الحقيقي

مسطاط: هو وحده الذي يدير من قصره كل شئون المملكة بينما شقيقه الطيب حكامنا أوزيريس ..مشغول عن الحكم باكتشافاته و اختراعاته…[7]

هذا الحوار الثنائي وضحا كيف كان طيفون وكيف كان أوزيريس، برغم أن توفيق الحكيم كما ذكرنا بالغ في فكرة انشغال أوزيريس عن الحكم …

ولم يكتفي طيفون بتشويه صورة أخيه وجعله حاكم مستبد أمام رعيته، بل حاول التخلص منه كما ذكر الحكيم ، وهنا يمكن القول أن الحكيم خالف الأسطورة في مشهد موت أوزوريس،  والحقيقة إن مخالفة الأسطورة هنا في تلك المشهد من المسرحية ساعد على تطور الحدث الدرامي ، فرأينا حزن إيزيس وألمها لغياب زوجها وهي تشكو لتوت و مسطاط في حوار كشف عن الكثير ، كشف عن وفاء الزوجة حينما نفضت عنها كل القوة المعروفة عنها وذهبت إلى توت تريده أن يصنع تعويذة لعودة الزوج الغائب قالت إيزيس حينما استعجب توت عن لجوئها للسحر  مثل باقي الفلاحات:

وأي فارق بيني وبينهن ؟! ألست منهن؟! إني امرأة مثل الأخريات ، عندما نفقد شيئا عزيزا فإنا نلتمس المعجزة حيث تكون. [8]

ولم تكتفي أيزيس بذلك بل راحت تجوب القرى بحثا عن أي أثر  زوجها المختفي[9]، ولما كان الليل رمزا لسكون، ويمكن أن يُصنع الشر في هذا الوقت من اليوم، استغل طيفون هذا ويحذر شديد وفي هيفاء الليل الحالك خرج هو وشيخ البلد وأربعة من رجاله الأقوياء حاملين أخيه أوزريس ليتخلصوا منه في مياه النيل حيث يكثر الغاب و البردي [10]

ولم يكتفي طيفون بذلك كرمز للشر ، بل حاول التخلص من إيزيس بأن جعل شيخ البلد يجوب القرى يحذر من امرأة مجنونة تبحث عن زوجها، وجعلها رمزًا للشؤم!

شيخ البلد: الآن جئت إليكم أخبركم وأحذركم: تجوب القرى اليوم امرأة مجنونة ساحرة، تزعم أنها تبحث عن زوجها ، فلا تصغو إليها! سدوا آذانكم عن مزاعمها وأغلقوا أبوابكم في وجهها فإنها حيث حلت تجر في أذيالها الشؤم والنحس. قولو معي الطرد للمجنونة!

أهل القرية : الطرد للمجنونة!…

ثم يظهر من بعيد طيفان للخير في مسرحية الحكيم متمثل في الخير الفطري، أو نزعة الخير الطفولية حينما، دلّ الغلام الصغير إيزيس على مكان غرق زوجها المزعوم، برغم من الكره الذي تعرضت له إيزيس من أهل القرية …

وتساءل بكل براءة

الغلام: إنك ساحرة ، كما يقولون عنك..

إيزيس : لست ساحرة

الغلام : لا تغضبي ..إني أصدقك ..واطمئن إليك…لقد طردوك من القرية بسببي … إنك لم تأتي بالنحس إن النحس هبط على القرية في الليل ساعة أن غرف صديقي … وأنت لم تهبطي القرية إلا في الصباح أنا وحدي الذي أعرف أنهم ظلموك..

إيزيس : ما أطيبك أيها الغلام … [11]

وعن الطيف الآخر الذي مثّل تيمة الخير حاكم مملكة ببلوس  الذي أكرم إوزوريس، حينما نزل لديه، وأكرمه هو وزوجته حينما عرف حقيقة شخصيته وأنه ملك  وله بلاد وأرض تناديه .. ويمكن تلخيص خير هذا الملك حينما تحدث مع إيزيس عن زوجها قائلا:

الملك: ثقي أيتها السيدة أني عندما قلت إني لأفرط فيه لم أقصد أنه مملوك لي… بل قصدت أن حياته عزيزة وعلينا وأنا لن نضمن سلامته في بلاده التي لفظته نحن أولى به…إلا أن يكون هو قد ضاق بنا أو زهد فينا أو ناله أذى في بلادنا دون علم منا ..[12]

ومع تصاعد أحداث العمل المسرحي كانت المواجهة بين الشر المطلق المتمثل في طيفون وبين الخير المطلق المتمثل في حورس الممتد من خير إيزيس وأوزوريس الخير المطلق، ومشهد النزاع بينهما بمثابة كشف الغطاء وإفصاح الصراع ..

طيفون: (هازئًا ) عحبًا … من هذا الغلام الجريء؟!.

حوريس: ستعرف فيما بعد، أما الآن فإني متعجل إلى انتزاع قلبك الدنس بسن رمحي … دافع عن نفسك..!

طيفون… أيوجد في مملكتي من يقول لي هذا الكلام !

حوريس: الآن يوجد، اسرع رمحك![13]

هذا المشهد ودنو الأحداث نحو النهاية أفصحت أن الخير دائما ما ينتصر حتى لو طال الزمن كما طال زمن معرفة حقيقة طيفون واستمرت نحو 18 عامًا[14]

إن صراع الخير والشر لم يكن مطلقًا إلا في بعض شخصيات الاسطورة، لكن هناك صراع صاعد وهابط بين تيمة الخير والشر في الشخوص الثانوية كشخصية مسطاط و توت كشخصية أهالي البراري الذي عاش بينهم حوريس وإيزيس بعد وفاة زوجها، شخصية حارسي مملكة ببلوس الذي ظهرا في المشهد الذي ظهرا في المشهد الأول من الفصل الثاني هذا النوع من الصراع الداخلي للفرد هو ما تقوم عليه الحياة في الحقيقة، ليس الخير المطلق أو الشر المطلق .

 

ثنائية صراع الفنان بين قضايا المجتمع والصراعات السياسية

لا يحيد الفنان الحقيقي عن القضايا المطروحة في مجتمعه، يحاول أن يلتزم بقضايا الجماهير ويساعدهم على مجابهة مشاكلهم، وهذا يدفعه إلى التورط  في قضايا حياتهم اليومية وصراعاتهم السياسية الاجتماعية، أو أن ينعزل عنهم في برجه العاجي, كما لو كان يجافيهم ليعرفهم.

 

هذا الصراع  نشب ضمن أحداث مسرحية إيزيس وشكلت ثنائية توت و مسطاط هذه الثنائية  فهما يتجاوبان مع  هذان النوعان من الصراع في المسرحية على نحو يجعل منها ضفيرة مزدوجة،  تجمع الصراع الأساسي بين أوزيريس و طيفون.

والصراع بين توت و مسطاط تشكل منذ البدايات الأولى للعمل، حينما صاح مسطاط: حان وقت الشروق ، واليوم يوم السوق، ونحن نرقص في الطريق بين ظالم ومظلوم ، وسارق ومسروق.[15]

إقرأ أيضا
فتحي سعيد

تلك كانت الكلمات التي حاول بها مسطاط بث الطمأنينة في نفس الفلاحات المقهورات ظلما وعدوان من شيخ البلدة، ثم يظهر توت  يحاول فك طلاسم عقلية المجتمع الذي يعيش فيه، هذا المجتمع الذي لجأ للخرافات وصنع التعاويذ لمجابهة الحاكم الظالم.

يدور حوار بين مسطاط وبين توت عن جهل شعوبهم ..

مسطاط: أيعجبك يا توت هذا الذي يحدث من شيخ البلد؟!

أكان يحدث مثل هذا من قبل؟!

توت: ليس هذا من شأننا …فلنلحق بإخواننا ، لنرفه عن  أهل السوق بمزاميرنا !

مسطاط: أهل السوق ليسوا في حاجه إلى مزاميرنا إنهم في حاجة إلى معونتنا ، ونحن نختبئ هنا خلف هذا الغاب ، وتهرب ممن ينادينا .[16]

ثم ينتقل الصراع بيث توت ومسطاط من معالجة مشاكل الرعية إلى الحاكم، والسؤال  الجذري الذي طرحه مسطاط الكاتب على نفسه، وهو يحاور زميله توت:

(الآن اتضح لي كل شيء،  إن لم يستطع طريق شريف كطريق أوزيريس أن يوصل إلى الحكم، فما هي النتيجة؟ ما هو المصير؟!

توت: دعك الآن من هذه الكلمات السامقة، لتقصر الوصف على واقع الأمر، إن إخفاق أوزيريس معناه، بصورة أبسط، أن العلم والعمل لخير الناس ليسا بأفعل الوسائل المؤدية إلى الحكم.

مسطاط: ما هي أفعل الوسائل إذن؟

توت: ربما وسائل طيفون!

هذا الحوار بين الفنانين مثل نهاية حتمية كاشفًا في الوقت نفسه عن نهاية الصراع بمقتل أوزيريس الذي يتصدى له طيفون ويقتله قتلا بشعًا.

ثم تأخذ الأحداث منحنى آخر منحنى انعزال توت عن الحياة، ولما كان الفنان عليه أن ينحاز وأن يختار حينما يواجه تقاطع الطرق وتصارع الاتجاهات التي لابد أن يتخذ موقفًا منها، ويصل توت إلى إدراكه الجديد بوظيفة الفن في الحياة حين يصطدم بالأحداث ويتفاعل معها، وذلك على النحو الذي يؤدي به إلى التخلي عن فكرته،  ويعي أن عليه أن يتخذ موقفاً إيجابياً من المشكلة التي كانت تواجهها إيزيس،  والتي كان عليه أن يواجهها معها.

 

وفعلاً يختار توت طريق المقاومة، ويساعد إيزيس بقدر طاقته، وعلى الرغم من أن مسطاط يختلف معهما، عندما تتفق إيزيس مع شيخ البلد، فإن (توت) يواصل الطريق إلى النهاية، ويتصدى لطيفون مدافعاً عن حوريس، كاشفاً للشعب الحقيق، وفي ذلك كله ما يجعل من توت نموذجًا للكاتب الأمين الذي يتخلى عن موقفه السلبي عندما تتضح أمامه الحقيقة، وهذا ما حدث حينما كان توت هو المتحدث بلسان حوريس أمام الشعب[17]

الفنان الحقيقي هو من يعبر  عن القضايا المطروحة في مجتمعه، يحاول أن يلتزم بقضايا الجماهير ويساعدهم على مجابهة مشاكلهم، هذا ما اصنعه توفيق الحكيم من خلال مسرحيته حاول أن يكون جزء من مجتمعة وأن يسقط مشاكل المجتمعة على أحداث العمل، كفقر المجتمع للعلم، تسلط الراعي على الرعية، صراع الخير والشر  الكامن داخل نفوس البشر ، وخلاف المسرحية فإن توفيق الحكيم هو رائد في معظم الفنون التي كتبها …

مصادر ومراجع 

[1] : محمد عبد المطلب بناء الأسلوب في شعر الحداثة ، ط/2، القاهرة، دار المعارف، 1955 صـ 27

[2] :توفيق الحكيم، إيزيس،  صـ 17

[3] : السابق، صـ 42

[4] فريزر، حين حكم أوزوريس الأرض، صـ 32

[5] : توفيق الحكيم : إيزيس ، صـ 15

[6] : السابق:  صـ 53

[7] توفيق الحكيم، مسرحية إيزيس صـ 15

[8] : السابق ،18/ 19

[9] : السابق ، 27/ 29

[10] : السابق 25

[11] توفيق الحكيم ، مسرحية إيزيس، صـ 40، 41

[12] توفيق الحكيم ، إيزيس، صـ 50

[13] : السابق، 90 / 100

[14] : السابق 118

[15] : توفيق الحكيم  مسرحية إيزيس ، صـ 15

[16] : توفيق الحكيم، إيزيس، صـ 14

[17] توفيق الحكيم ، مسرحية إيزيس، صـ 105 / 120

الكاتب

  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان