همتك معانا نعدل الكفة
147   مشاهدة  

كيف تكون الحياة بعد الموت؟

الموت
  • إسراء سيف كاتبة مصرية ساهمت بتغطية مهرجانات مسرحية عدة، وبالعديد من المقالات بالمواقع المحلية والدولية. ألفت كتابًا للأطفال بعنوان "قصص عربية للأطفال" وصدر لها مجموعة قصصية بعنوان "عقرب لم يكتمل" عن الهيئة العامة المصرية للكتاب بعد فوزها بمسابقة للنشر، كما رشحت الهيئة الكتاب لجائزة ساويرس.

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال



رغم أنني فارقت الحياة، مازال هناك حجر راكد على صدري لن أستطيع التخلص منه سوى بدخول أقرب بوابة لروح طيبة تستطيع أن تقصص رؤياها على أكبر قدر ممكن من الناس.

 اللحظات الأخيرة تجعلك أكثر تخبطًاً، تنظر لكل شىء حولك يبدو كلا شيء! الكلام عن شريط حياتك الذي يمر أمامك كفيلم سينمائي صحيحًا. النفق الأبيض الطويل، قطع الثلج واللوح الزجاجي كلها أشياء أراها الآن بوضوح.

 مرت حياتي كلها أمامي في لمح البصر، لم أقدر على الاستغاثة. لم يدم الألم طويلًا، لحظات قليلة وكانت روحي فارقت جسدي، و بوضع مريح ربما لأنني قبَّلت آدم بالصباح.

 رأيت كل مراسم دفني من مكاني، يبدو أن ابنتي تركت عملها في نصف اليوم أخيرًا، فلا توجد حالة طارئة أكثر من موت الأم. الجميع يبكي بحرقة وعلى عكس المتوقع لم يُعجبني هذا أبدًا، رغم أنني تمنيت أن يؤثر فيهم موتي، ولكن ليس كل ما نتمناه يطمئننا.

بحثت بين كل الحاضرين عن آدم. انزعجت عندما فهمت أن أمه قد انصاعت لرغبته كي يحضر مراسم الدفن. لن يتحمل المسكين هذه الحقيقة في هذا السن الصغير، فالموت حقيقة لا يستوعبها الكبار ما بالك بهذا الطفل البريء؟…

حمدت الله أنني على فيض الكريم، فلن أحب أبدًا مشاهدتهم يتنازعون على المال، وإلا لو كانوا ينوون النزاع على فتات.

قرأ المقرئ ما تيسر من سورة مريم على قبري وكأنه يعرف مدى حبي لهذه السورة، بعدما دعا  لي كثيرًا  بالرحمة.

 لا أعلم مصيري إلى الآن بعد الموت. أتمنى من قلبي الذي تحمل صعاب هذه الحياة ولو مربعًا صغيرًا بالجنة مع زوجي الذي تركني بمنتصف الطريق تائهة ووحيدة.

 بدأ الكل في الانسحاب بعد الموت عدا حفيدي آدم، رأيت أمه تحاول إقناعه بأن وقت الرحيل قد حان، فلم يستجب لكلامها البتة.  همست له بأن (تيتا دلوقتي عند ربنا ولازم نسيبها تستريح)  فلا يستمع إليها، وددت ألا يتركني لمصيري المجهول، ولكنني لا أرتضي له الحزن. له ضحكة مميزة لا تخرج سوى لجنى بنت الجيران.

 أظن أن هذه القصة لابد لها من نهاية سعيدة يومًا ما، غير قصص الحب الطفولية الأخرى، أتمنى أن يجدا طريقًا آخر غير القصص التي تحدث في صغرنا ونتناساها مع الزمن.

آدم من جعلني أُدمن اللاب توب.  في البدء علمني استخدام الهاتف المحمول، ومن ثم الدخول لهذه البلورة السحرية المسماة  (إنترنت).  طمعت بعده في المزيد، فاشتريت حاسوبًا محمولًا سميته بعد ذلك (صندوقي اللعين) حرمني التواصل مع أولادي وجهًا إلى وجه.

اكتفوا جميعهم بـ(تعليق) هنا وهناك كنوع من أنواع التواصل في نظرهم. مع الوقت وبعدما كنت أسخر من أشكالهم وهم مطأطئون رقبتهم في ذل لهذا الصندوق أصبحت مثلهم تمامًا، حتى أنني ظننت أن آدم علمني كل هذا كي يجعلني ألحق بدربهم في إدمان مواقع التواصل الاجتماعي ولا أشعر بالاغتراب!

أصبح لي  كل شىء قبل موتي. كانت تتركه أمه عندي بعد يومه الدراسي كي تستطيع استكمال يومها بالعمل. كنا نأكل سويًا، ويثني على طبيخي كل يوم بنفس الطريقة:

-تسلم إيدك يا تيتا..أنا عارف ماما مطلعتش زيك ليه؟

يتغير لونه إلى أحمر وردي عندما يصادف جنى بنت جاري على السُلم. كنت أراقبه من بعيد وأبتسم، كما يراقبني أثناء مشاهدتي لمسلسلي المفضل بنفس الابتسامة.

تضحك الدنيا كلها عندما يضحك على حكاياتي التي أعيدها مرارًا ولا يمل منها أبدَا. أشبع حين يشبع، وترتوي عروقي عندما يعجبه عصير البطيخ الذي اخترعته خصيصًا لأجله.

كانت تتركه أمه أحيانًا ليبيت معي، وكان يخجل أن يفصح عن خوفه من الظلام، فيعبر عن هذا بحبه للنوم بسريري واحتضاني لأن هكذا أفضل لي وله.

تتهمني أمه بأنني أكبر مساهمة في تدليله. فأتهمها أنها أصبحت جافة بالفترة الأخيرة ولا تعير أحدًا منا الاهتمام.  سمعته ذات يوم يتحدث إلى أحد أصدقائه عنها، وتألمت لكلامه بأنها لن تحضر حفل اشترك فيه بالمدرسة لانشغالها بعملها.

 أصارحه بما أسمع ضمن محادثاته التليفونية مع الأصدقاء، فيصارحني بما يسمع مني أثناء حديثي مع الله ودعواتي اليومية قبل الليل، سألني ذات يوم:

-لم تدعين دائمًا بألا يطيل الله عليكِ أيامك بالدنيا؟…مش هاوحشك يا تيتا؟

أتلعثم حينها دون إجابة، وأنظر إليه بنصف دمعة معلقة تأبى الظهور أمام أحد سواه. كنت أخاف، بل أرتعد بمجرد التفكير بالمرض والوحدة حينما يغيب عني آدم لأيام قليلة، كما أخاف أيضًا أن أُنُسى كأني لم أكن.

ذات ليلة بعد لعبه بمسبحتي ومحاولة تقليدي أثناء الذكر عليها، عطرته كما اعتاد بمعطر خمس خمسات. ولم أكد أحكي له قصة جديدة حتى خلد إلى سبات عميق، بعدها مباشرةً شعرت بشيء كضيق في التنفس، لم أعطِ للأمر أهمية. فكرت في أن أوقظه، ثم توصلت أن هذا وارد مع سني ولا يستدعي إيقاظ ملاك مثله؛ الملاك الوحيد الذي يعرف كيف ينام جيدًا كما يستثمر المرح.

إقرأ أيضا
مسرحية الخال فانيا

مرت الليلة بسلام، واستيقظ آدم وفطرنا سويًا. واستودعته الله الذي لا تضيع ودائعه كعادتي قبل ذهابه للمدرسة، تراجع خطوات قبل غلق باب الشقة وسألني:

-يعني إيه يا تيتا أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه؟

-يعني لو جرالي أي حاجة هكون مطمنة إني سبتك في حماية ربنا.

اقرأ أيضا…زفة عصافيري على شباكي

انصرف الجميع من الجنازة ونسى البعض أمري في التو واللحظة، فيما طلب آدم من أمه أن تتركه على قبري وحده لدقائق معدودة وسوف يلحقها على الفور.

تحمست كثيرًا لما سيفعل أو يقول في هذه اللحظات الخاصة  بيننا، فربما تؤنس كلماته وحدتي. نام آدم على قبري لدقائق وسمعت صوت بكائه وكدت أتذوق دموعه المالحة المنهمرة بعد الموت.

 لم يتوقف عن البكاء سوى عندما أخرج مسبحتي ووضعها على قبري وقام بتعطيرها بمعطر خمس خمسات وقال باكيًا:

-تيتا…أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.

الكاتب

  • الموت إسراء سيف

    إسراء سيف كاتبة مصرية ساهمت بتغطية مهرجانات مسرحية عدة، وبالعديد من المقالات بالمواقع المحلية والدولية. ألفت كتابًا للأطفال بعنوان "قصص عربية للأطفال" وصدر لها مجموعة قصصية بعنوان "عقرب لم يكتمل" عن الهيئة العامة المصرية للكتاب بعد فوزها بمسابقة للنشر، كما رشحت الهيئة الكتاب لجائزة ساويرس.

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال






ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان