تقرأ الآن
” ماجبش سيرتي” وأسئلة حائرة تجيب عنها الموسيقى

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
308   مشاهدة  

” ماجبش سيرتي” وأسئلة حائرة تجيب عنها الموسيقى


  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات


هناك بعض الأغنيات صنعت لتبقى في ذاكرة المستمع للأبد، قطع أصلية نادرة لم يصنع مثلها من قبل، وصلت إلى ذروة الاكتمال الفني، وهذا ما قد لا نراه عند الكثير من الفنانين والبعض يمكن أن نلخص تجربته في عدد قليل لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، لكن عندما نتحدث عن أنغام فنحن أمام مطربة تمتلك الكثير من القطع الأصلية النادرة.

من أهم أعمال أنغام أغنية “ماجبش سيرتي” التي يمكن أن نضعها ضمن أفضل خمس أغنيات غنتها في مشوارها الغنائي الطويل، بل ممكن أن نقول أنها الأكثر اكتمالا على الإطلاق من بين أغنياتها.

كتب كلمات الأغنية الشاعر “بهاء الدين محمد” وهو من القلائل الذين يمتلكوا القدرة على تفكيك العلاقات العاطفية والخروج منها بتفاصيل مدهشة وحالات مختلفة بسرد متقن وكأنه يحكي قصة على هيئة أغنية وليس مجرد كلمات مرصوصة، ورغم أنه لا يلجأ في المعتاد إلي الصور والتراكيب الشعرية العميقة إلا أنه هذا غالبًا ما يكون في صالح الفكرة، حيث يمتلك القدرة على أن ينتقي المفردات التي تحكي في كل مرة قصة مختلفة رغم أنها تندرج تحت بند الغناء العاطفي،وله أغاني كثيرة حفرت في الذاكرة كونها كانت تحكي قصص عاشها الكثيرون ولم تكتب في أغاني مثل “عشت سنين” لأنغام و “عمال يحكيلي عنها” لهشام عباس”أنت وأنا ” لأصالة” “ما تقولوا ليه” لجورج وسوف.

الفكرة ببساطة تتلخص في علاقة عاطفية أوشكت على الانتهاء لكن مازال بها بعض المناوشات والتفاصيل التي قد تفتح بابًا لإحيائها من جديد أو تغلقه لتكتب الفصل الأخير فيها،يدخل بهاء الدين محمد عقل امرأة تطرح أسئلة حائرة دون أن يعطينا إجابات صريحة تخمد ثورة بركان عقلها، فهي وبرغم البعد لاتزال تبحث عن حبيبها متسائلة.

ماجبش سيرتي .. ما قالش حاجة .. ماكنش نفسه يقولي حاجة.

هذا التساؤل يشير إلي هذا الباب الموارب بينها وبينه، فحتى أن لم يسأل عليها فهل في قرارة نفسه كان يود السؤال.

حب ولا لسه .. ما اظنش سهل ينسى .. سأل عليا بأيه .. بكلامه ولا عنيه .. بس اوعوا تكونوا قلتوله سألت عليه.

تكملة المذهب يعكس تخبط المرأة وحيرتها فهي تواصل التساؤل هل وقع في غرام امرأة اّخرى، ثم يظهر كبريائها ليعيدها إلي نقطة الصفر بخوفها أن يعلم أنها مازالت تسأل عنه.

في الكوبليهات يواصل بهاء الدين محمد التأصيل للفكرة الأساسية، دون أن يتطرق إلي تفاصيل جانبية أو يحكي لنا تاريخ العلاقة وأسباب البعد، ليبحر في عقل المرأة التي تفضحها مشاعرها بأنها الحواجز قد تزول يومًا ما ويعود إليها 

ممكن في يوم في يومين .. ممكن بنظرة عين .. نرجع سواء حبيبين .. ماحصلش بينهم أي حاجة”

في الكوبليه الأخير تتواصل الأسئلة الحائرة التي يحاول عقلها الإجابة عنها، ليطفئ النار المشتعلة ما بين كبريائها وغرقها في الحب.

“وأن كان محبش بعدي صارحوني وقولولي ..وأن كان حصل أنسوا وبلاش أوعوا تقولوا لي”

يأيتها عقلها بإجابة قد تريحها لفترة بأن الباب لازال مواربًا بينهما، لكن تظل الأوضاع كما هي دون تغيير.

“لسه في حاجات كتيرة مابقتش ماضي .. شوقي حاسس إن حضنه لسه فاضي”

لتعود مرة أخرى إلى أسئلتها الحائرة دون أن تجد إجابات واضحة وصريحة.

لحن الأغنية واحد من أعظم الألحان التي وضعها الراحل “رياض الهمشري” وهو يوضح مدى إدراكه لقيمة الكلمة، ويعرف كيف يبني لحنًا متماسكًا يشرح ويصف الحالة بشكل عبقري ولافت، لم يصب الهمشري اللحن بشكل تقليدي في قالب واحد، تتكرر أفكاره في الكوبليهات، بل نوع أفكاره اللحنية حسب الحالة التي تكون عليها الكلمات، وصنع لحنًا من أربعة أفكار لا تتشابه الجمل الموسيقية فيه سوى في جملة السينو فقط، فلو قسمنا الكلمات إلي أربع مقاطع ما بين مذهب وسينيو وكوبليهين فنحن أمام أربعة ألحان مختلفة في كل منهم.

اختار في البداية مقام النهاوند العاطفي في المذهب والكوبليه الأول والذي جسد حيرة البطلة وتساؤلاتها، ثم انتقل إلى مقام الراست في الكوبليه الثاني كي يعطينا دفقة شرقية تعكس كبرياء البطلة، ثم يعود مرة أخرى إلي النهاوند في السينو الذي يتكرر معنا، تلك الأغنية تعكس مدرسة الهمشري التلحينية التي تعتمد في المقام الأول على قوة الجملة اللحنية فهو ملحن جملة وليس تيمة، وتحمل غالبية ألحانه قوة وتماسك  وفي نفس الوقت حلاوة وخفة تجعلها قريبة من أذن المستمع.

كان لابد من اختيار موزع موسيقي قادر على التعامل مع هذا التنوع من الأفكار في اللحن فوقع الاختيار على المايسترو طارق عاكف، والذي أضاف ثراء وبعد أخر  للجمل اللحنية.

اختار عاكف أن يبني موسيقاه الخاصة على لحن الهمشري فبدأ مبكرًا بإدخالنا في أجواء الحيرة بجمل وتريات موترة من تأليفه مكونة من خطين يردان على بعضهما بجمل موسيقية مختلفة من مقام النهاوند المقام الرئيسي للأغنية، يعقبه بدخول من البيانو المعزوف بالكي بورد اّلته المفضلة الذي يعزف جملة جديدة تمامًا ليرد عليه في النهاية وتريات معزوفة بتكنيك البيزيكاتو  أو النقر بالأصابع على الكمنجة، ليسلم أنغام الغناء بكل سلاسة.

إقرأ أيضا
صفر الكورونا والأردن

يبدأ الغناء بتساؤلات سرعان ما يبدأ عاكف بالرد عليها موسيقيًا باّلة الكي بورد ثم يضغط الإيقاع في جملة “ماكنش نفسه” كنوع من لفت الانتباه للجملة، ثم يعيد المذهب ولكن هذه المرة يستخدم خط الوتريات التي تحاول أن تجيب على تساؤلاتها، ثم يتغير الإيقاع بداية من جملة “حب ولا لسة” لتبدأ الوتريات زحفها خلف صوت أنغام الحائر.

في مدرسة طارق عاكف التوزيعية دائمًا ما يكون الكي بورد هو الاّلة الرئيسية في الفاصل الموسيقي بالتبادل مع الوتريات، لكنه هنا اختار اّلة البزق التي سوف تعزف جملة الفاصل الغير مستنسخة من أي جملة أخرى سبقتها ترد عليها الوتريات،  ثم تعاد نفس الجملة ولكن بالوتريات التي ترد عليها اّلة البزق، ثم ينهي الفاصل بنفس جملة الكيبورد التي سلمت الغناء لأنغام في بداية المذهب، وهي الطريقة المعتادة منه في الفواصل الموسيقية والتي تحمل بصمته الخاصة في أغلب توزيعاته.

الفاصل الموسيقي الثاني جاء شبيهًا بالأول مع اختلاف شديد العبقرية في أخره، حيث جملة الكي بورد المختلفة تمامًا عن مثليتها في الفاصل الأول، والتي سيعيدها مرة أخرى بالوتريات حيث مهدت بشكل عبقري لتغيير المقام إلي الراست في الكوبليه الثاني، حيث تتسلم أنغام الغناء بكل سهولة، ليعيد ما بدأه في السينو “سأل عليا” حتي قفلة الأغنية بالبيزكاتو من مجموعة التشيللو.

اقرأ أيضًا 

ماذا لو عاشت المطربة ذكرى في زمن محمد القصبجي

أحساس أنغام باللحن كان قمة النضج، أداء سلسل جدًا لم تجد صعوبة في التنقل بين الجمل المتنوعة والنقلات المرهقة ونجحت في توصيل الحالة بصوت يتأرجح بين البنت البريئة والمرأة المكتملة الأنوثة.

 ظهرت تلك التحفة الفنية في ألبوم “ليه سبتها” الصادر عام 2001، في الفترة التي كانت الأغنية المصرية تعيش هجرة جماعية نحو الغرب، وأتت “ماجبش سيرتي” كتيار مغاير موسيقيًا تنتصر فيه للجمل اللحنية القوية والتناول المختلف للأفكار التقليدية، ثم التوزيع الموسيقي الذي يعطي درسًا في كيفية التعامل مع تلك الألحان الصعبة، وأداء تطريبي محض من مطربة مصرية كانت وقتها رأس الحربة الوحيد الذي وقف أمام الطوفان الهادر من الأصوات النسائية الراقصة التي لا تهتم بصنعة الغناء .

ضع سماعتك وانطلق معنا في تلك الرحلة الممتعة.

الكاتب

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
7
أحزنني
0
أعجبني
2
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
4
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان