تقرأ الآن
ماذا فعل اليهودي الأخير في بيت الشيخ؟

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
836   مشاهدة  

ماذا فعل اليهودي الأخير في بيت الشيخ؟

اليهودي

كان نحيفاً محني الظهر، مقوس الأنف، جاحظ النظرات، كما لو أنه خارجٌ لتوه من كتب التراث، وبجواره تعريف ملبتس عن «اليهودي».

يقولون إن إبراهيم بن نعّوم، كان آخر سلاسلة اليهود في البلده، علمه أبواه التوارة والقرآن والانجيل، وفي ساعات الليل – يقول الناس – إن الوالدين يعكفان مع الصغير على فك شفرات «كنز النبي يوسف» عبر تمائم حملوها من اليمن إلى «المحروسة»

 

*

قبل مائة وخمسة وسبعين عاماً على الأقل، خرجت عائلة يهودية، مكونة من أب يدعى سمعان من نسل الحاخام سالم بن يوسف الشبيزي،  وأم من بيت «ذماري» اليمني، وثلاثة أطفال: راحيل الشبيزي، وسامر الشبيزي ونعّوم الشبيزي.. عائلة يهودية صغيرة، كان في قلبها حلم، وفي يدها مخطوطة قديمة تعود للقرن السابع، تتحدث عن تابوت العهد الذي فقده موسى.

خرجت العائلة – على ما تقول الرواية – من مدينة شرعب اليمنية، إلى مركب صغير أقلهم عبر البحر الأحمر إلى صعيد مصر، ليصلوا إلى محافظة سوهاج، مركز سقالته، ومنه إلى الشمال، حيث حطت بهم الرحال بجوار بحيرة قارون بالفيوم، فبنى الأب كوخاً للعائلة، وفقدت الأسرة في رحلتها، وليدها سامر الذي قضى بسبب مرض عجيب، حاول الأب مداوته بالتراتيل، لكن شيئا ما كان قد تعفن قد جسد الصبي.

تقول الأسطورة، إن اليهود الذين جائوا بحثاً عن الكنز، لم يلتفتوا – في بداية الأمر- إلى «دار الرماد».. الحي/ القرية الكائن وسط الفيوم القديمة، حيث كان الجميع بين إغرائين قويين، الأول يخص «كنز قارون» نفسه الذي قيل إن البحيرة ابتلعت خزائنه الذهبية، وبين كنز النبي يوسف، الذي يضم – في أحسن تقدير – قليلاً من الكتب العبرانية القديمة، وعصا موسى، وتابوت العهد الذي تاه طويلاً.. كان الخيار صعباً، على مجموعة من النازحين لا يرون فرقا كبيراً بين النبي يوسف والمليونير قارون.

**

بخلاف أسر كثيرة من اليهود، كانت حسابات الشبيزي تتعلق بسبب خروجه إلى مصر.. وقرر أن ثمة طرق يجب أن يسير المرء فيها للنهاية.. حزم أمتعته القليلة، وسار مع من تبقى من بيته ليصل إلى مدينة الفيوم، ويجلس في آخر الزاوية، أمام حقل ضخم ينتظر الفيضان.

يقول الراوي، أن الفرصة جاءت الشبيزي من السماوات مباشرة، ففي أغسطس (موعد الفيضان)، كان الشبيزي، يسترجع تاريخه كرجل تعلم القراءة والكتابة والحساب، وشيئاً ما عن علاج البهائم.. وحين أتى الفيضان، هرع الناس إلى الخلاء والمناطق المرتفعة، فيما تلون النهر بلون الدم المتخثر، ليجد الشبيزي نفسه، محط أنظار أحد أهم رجال الدولة في الفيوم كلها.. سليمان الكاشف.

كان الكاشف، مندوباً للحكومة يختص بكل ما تختص به الحكومات من هيبة ونفوذ وصلف.. رجل شركسي، أحمر الخدين، يكره الناس، ويتبادل معهم العذاب والمراوغة.. قبل شهرين من الفيضان، كان الكاشف (وهو المسئول الميداني عن الأرضي الملكية وغيرها)، قد اشترى لزوجته الجديدة، هدية تسمح له بأن يطلب منها «وصالا»، طال انتظاره، ووريثاً فشل في العثور عليه في أرحام ست نساء تزوج بهن قبل أن يبلغ عمره وقت الفيضان، الخامسة والستين.

هدية الكاشف، كانت بغلة شامية، مبرقشة من جهتي الظهر والبطن، بما يشبه الوحمات البنية الدقيقة.. كانت «بغلة» نادرة، اعتبرها الفلاحون «مهر العيل»، واعتبرها الكاشف تقرباً وزلفى لزوجته التي خصته بها الدائرة الملكية.

كانت البغلة تسرح في الأبعدية وسط الفيضان، ولم يقو أي من الفلاحين على جرها بعيداً.. كان الخطام في عنقها، مزينا بسلاسل رقيقة من الفضة، والبردعة ظهرها، لم تحتك سوى بجسد زوجة سليمان الناعم.

احتار الفلاحون في الطريقة التي يصعدون بها للبغلة من الأراضي المنخفضة حول ترعة بحر يوسف، إلى مناطق أكثر ارتفاعا وأقل خطراً.. هل يجرونها من رقبتها السمينة؟ فماذا لو عرف الكاشف أنها انجرحت؟ بالتأكيد سيعلق ثلاثة بيوت على «العروسة»، وستبكي عشر نساء على رجالهن العرايا يتلقون الكرابيج.. وحين علم سليمان بالواقعة، أنتفض كمن مسه البرق، وخرج وسط سبعة من حراسه السودانيين، ليبحث عن هذه البغلة الطائشة التي تتحدى الفيضان.

جاء الحراس ليخبروه:«انكسرت ساقي البغلة، ويبدو وثمة دماء تخرج من فتحتي أنفها»، ضرب الكاشف كفا بكف، وبينما الجميع صامتون، جاءت فرصة الشبيزي، ليكون حلقة الوصل إلى بغلة الباشا:«علاجها عندي».

دهش الجميع من جرأة هذا الغريب، وافق الباشا، ونجح الشبيزي، لينال مكافأة، وطدت له بيتاً في حي دار الرماد.

اقرأ أيضا

حوارات “الشحم” والميني جيب: عن كارمن التي من الدويقة ..وريم التي من الملبن

**

لم يعيش الشنبيزي طويلاً، توفي في محاولة لسرقة البلح من نخلة عاصية، وخلفه نعوم تزوج سريعا أنجب إبراهيم، الشاب ذو الأنف المقوسة والعيون اللصة والسمت الحاخامي الخالص.

من سمعان إلى إبراهيم، انتقلت الوصية:«على هذه الأرض كنز أجدادك الذي ضيعه الأنبياء في لحظة طيش».

**

إقرأ أيضا
العلاقات الاقتصادية بين مصر وفرنسا

عرف الناس إبراهيم، باسم «السحار»، فالشاب الذي وجد كنوز المعرفة الروحية الممتدة من العهد القديم إلى عصرنا الحالي، عرف أن تغطيه أبوه وجده على «المهمة» الأصلية (البحث عن الكنز عبر التعاويذ)، بادعاء امتهان الخياطة أو تجبير الكسور، لم تعد تجدي.. قرر إبراهيم أن يكون صريحاً بدرجة ما، يغري الفلاحين بشيء غامض، ويعتبره الناس «ساحراً»، فيتدفق النقد إلى صندوقه.

رغم النجاح الذي حققه إبراهيم، إلا أن شيئاً عقيماً كان يكبل بدنه المحني..تذكر أنه حتى الآن لا يستطيع – رغم كل سحره – أن ينقل أي شيء إلى أي أحد.. فهو باختصار، أشهر عقيم في البلد، سيترك خلفه «معرفة» لن يتذوق حلاوتها أحد.. وكنزاً سيهديه لرجل من خارج السلالة.

**

كان إبراهيم يعلم  أن اقترابه من «الشريف»، لن يكون مقبولاً.. عرض الأمر على نفسه وتبادل بعض الأفكار من أصدقائه من الجن حتى وصل للحل.

حفر إبراهيم، أساساً جديداً لمنزل جده، وتعمد أن يراه عمال الشريف جابر (كان يناديه الناس باسم الشيخ أيضاً).. كان يحفر كمن يبحث عن كنز.. خمسة عشر متراً في حفرة عملاقة، لا يتوقف العمل فيها ليلاً أو نهاراً.. توترت البلدة كلها، شعر الناس باقتراب النبوءة.. سألوا «ولد نعّوم»، عن السبب، فابتسم وواصل العمل.. ألحوا في السؤال، فأجابهم «أجدد البيت».. إجابته التي خرجت بلا حماسة، جعلت الناس متأكدين من هواجسهم، وبعد تسعة أيام من العمل، كان الفضول يلتهم قلب جابر، وهو يخبر نفسه:«ثمة شيء ما هناك في حفرة هذا (الكلعون)، ثمة شيء ما يفوتني».

كانت رصاصة الحفرة العبثية، قد اخترقت قلب جابر حتى النخاع.. ذهب لإبراهيم وقدم عرضه:«سأشتري البيت».. تمنع إبراهيم في البداية، حتى وجد البريق في عيني جابر، ويده الضخمة، تمتد لتسحب البندقية ذات الروحين من على كتفه.. أدرك إبراهيم أنه قد وصل إلى مراده.. طلب ثلاثة أيام يجمع فيها أشيائه.. اتفق الطرفان، ومقابل ثلاثة عشر جنيها، وست وخمسون قرشاً، أصبح البيت على شفا حفرة من جابر، وبدأ إبراهيم يضع لمساته الأخيرة.

 

**

يقول جابر:«لم يره أحد سوى طفل صغير، وهو يدفن أشياءاً في الأرض.. كان يجلس بالساعة والساعتين أمام الحفرة ليتمتم ثم يدلي شيئاً ما من يده بحبل.. حتى رحل «ابن نعّوم»، وقد ردم الحفرة، وضيع ملامحها أصلاً، في شهر يوليو، وحين بدأت الحفر من جديد، كان الفيضان التالي، يغرق الأرض.

بعد سبعين عاما، يجلس جابر على ناصية الشارع، وينظر للبيت الذي تغير كثيراً:« سبعين سنة، بدور على كنز كنت بدوس عليه بجزمتي كل يوم».

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان