تقرأ الآن
محمود السعدني .. روح مصر الطيبة التي لم تغادر أبدًا

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
500   مشاهدة  

محمود السعدني .. روح مصر الطيبة التي لم تغادر أبدًا

محمود السعدني
  • إسراء سيف كاتبة مصرية تخرجت في كلية الآداب، عملت كمحررة لتغطية مهرجانات مسرحية، وكصحفية بموقع المولد. ساهمت بموضوعات بمواقع صحفية مختلفة، وتساهم في كتابة الأفلام القصيرة. حصلت على الشهادة الوظيفية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من الجامعة الأمريكية وألفت كتابًا لتعليم اللغة العربية للأطفال بالدول الأوروبية.

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


محمود السعدني لم يكن مجرد كاتب استثنائي نجح في الإبداع بكل ألوان الأدب تقريبًا، ولكنه عمنا الذي نستشعر دائمًا قربنا منه من خلال كتاباته التي  إن عدت قرائتها عدة مرات فلن تكل منها أبدًا.

عمك الذي تربطك به قرابة مختلفة عن قرابة الدماء،  تسببت في هذه القرابة فكرة وقلم وبعض من الأوراق ومشاعر صادقة أتت على عجل وأحيانًا بعد طول تفكير، ولكن بالنهاية كان مصيرها واحدًا “قلبك” الذي يحمل الحب والفضل لرجل شجاع اعتز بالكلمة وبالكرامة ولن يتكرر أبدًا.

عمنا الذي كان يرتدي الجلابية مهما بلغ من المناصب وفضل دائمًا راحته وشجاعته عن كل شيء. ولبساطته هذه عدة أشكال أستعرضها معكم بالفقرات القادمة.

السعدني الذي أحب الصياع!

“مصر في نظر المحترفين هي سلسلة طويلة من الأمراء و الملوك والسلاطين، ولكنها في نظر العبد لله مجموعة متصلة من الأجيال والصياع وأصحاب الحاجات ”  والمتشردين نسأل الله أن يبعدنا عن أيدي العسس، وأن يحيينا صياعًا ويميتنا صياعًا، ويحشرنا يوم القيامة في زمرة الذين هم على باب الكريم

الفقرة السابقة من مقدمة عمنا السعدني لكتابه “مصر من تاني” يصف مصرنا بأنها ليست مصر الملوك والسلاطين، ولكنها مصر الصياع وأصحاب الحاجات؛ هكذا كان يرى السعدني مصر.

محمود السعدني
الكاتب الكبير نجيب محفوظ مع عمنا العظيم محمود السعدني

وقد كان يكرر السعدني في كتاباته ووصفه بندواته كلمة “الصياع” كثيرًا، وقد قرنهم في مقدمته بكتاب مصر من تاني بمن هم على باب الكريم.

فالصياع في نظر السعدني هم من يتجولون بأرض الله وهم على بابه ويكونون فلسلفة بأنفسهم عن هذه الحياة من رحم المعاناة وتجاربهم الخاصة ، وعلى قدر فقرهم وبساطتهم تكون تجاربهم العميقة التي تحتاج لمراقبة ورصد، وهذا ما كان يفعله عمنا السعدني.

السعدني ورشاقة كلماته

فقد عاش محمود السعدني من أجل الفقراء وكان دائم السخرية _خاصة بكتابه مسافر على الرصيف- من هؤلاء الذين يتشدقون بالكلام لإظهار ثقافتهم.

فعلى قدر ثقافة السعدني كان تواضعه، وعلى قدر عبقريته في الكتابة كانت بساطة كلماته.

وكان لايخجل أبدًا من الكتابة عن سنوات الفقر بطفولته وبحياته، وكأنه يقول لكل فقير يمسك كتابه “أنا منكم وأشعر بكم”

رضوى عاشور كاتبة استثنائية سافرت بقرائها عبر سطور من الدهشة

ويكمن إبداع عمنا السعدني أنه كان يستطيع التعبير عن أي شيء بكلمات رشيقة تصل من القلب للقلب.

يستطيع الكتابة عن سيرته الذاتية بنفس رشاقة كتابته عن أجعص المشكلات السياسية.

يستطيع أن يخطفك من أول صفحة حتى تنتهي من الكتاب دون أن تشعر، وهذا لاختياره كلمات بسيطة ومزجه للعامية بالفصحى بشكل عبقري غير مبتذل.

فتجده يصف نفسه بتواضع المحب لقرائه دائمًا بالعبد لله، ويستحخدم كلمات من العامية المصرية ويكتبها كما هي دون اللجوء للفصحى ككتابته لكلمة الكرة بالواو “الكورة”

واستخدامه لكل الأمثال الشعبية بأسلوبه الساخر والصلاة على النبي مثل قوله “اللهم صلي على أكرم نبي”

فيشعر كل بسيط أنه لا يمتلك كتابًا عاديًا، بل قعدة من قعدات القهوة التي تجاور منزله ويتخذها ملاذًا وركنًا هادئًا يفصله عن العالم، تمامًا كقهوة عبد الله التي كان يرتادها عمنا العظيم.

عمنا الكبير والتفاؤل

بإحدى الدول العربية طُلب من عمنا بندوة ما الحديث عن ظرفاء العصر، فوصف الحياة نفسها وقال ” الحياة نفسها ظريفة وبتعمل حاجات ظريفة والناس العاديين في منتهى الظرف أيضا

لمن يعرف عمنا فلم تكن حياته مليئة بالورود، بل كان ينتهي من ابتلاء ليدخل في الآخر، وكأن الله كان يختبر صبره حتى يطهره بالمعاناة التي جعلته يستوعب كل المشاعر الإنسانية ويتقبل الآخر ويلتمس له الأعذار حسب ما عانى بالحياة.

ورغم كل تجربة مر بها أرهقت روحه كان يحارب الضغوط بالتفاؤل والسخرية. لا تمسك له كتابًا سوى أنه جعلك تقهقه بصوتٍ عالٍ وكأنك أمام كومديان كبير يعرف كيف يفرش للإفيه بشكل متمكن ولكن بكلمات مميزة.

بل أنه كان يرى أن الضحك يتناسب طرديًا مع حجم معاناة الإنسان، وأن كلما زاد الرجل من الشكوى تعرف أنه ليس على درجة نضج عالية، وكلما ضحك الرجل عرفت أن خلفه ابتلاءات متلاحقة، فقد قال في كتابه “الموكوس في بلاد الفلوس”

” أنا لا أعرف رجلًا يضحك إلا وخلفه مأساة”

محمود السعدني يشبهنا ويشبه مصر

ستعثر دائمًا على شخصين لكل منهما مزاج وهواية وعقيدة وسلوك معين في الحياة شخصان مختلفان تمام الاختلاف، يتكلمان أحيانًا ويتخاصمان أحيانًا ولا يتفقان على الإطلاق، إحدهما نال جائزة التمثيل، والآخر نال جائزة الدين، والاثنان لهما اسم واحد.

محمود السعدني من كتاب الولد الشقي

عمنا الكبير يشبه ملامح شخصية مصر التي تجري في دمائها خفة الدم. تحارب  مشكلاتها مع نزعة دينية متأصلة فيها؛ تمامًا كما وصف نفسه بكتاب مذكرات الولد الشقي حينما تحدث عن طفولته وعن جائزتي التمثيل واللتن التي حاز عليهما بالمدرسة.

فشخصية مصر الأصلية هي هذه الشخصية التي تحمل في جيناتها تمسكها بالنزعة الدينية والفن معًا.

وقد قال يومًا الفيلسوف ألبير كامو “إن طريق الحياة وعر وشاق بدون مساعدة الدين والفن والحب

وقد توصل لهذا عمنا السعدني الذي حارب كل هم بالنكتة والفن ونزعته الإيمانية والود والألفة التي زرعها في قلوب تلامذته وقرائه، وتقبله للجميع مهما كان حجم الاختلاف.

هل ثمن المعرفة الموت؟ عن رواية أحمد خالد توفيق مثل إيكاروس

ومن فرط بساطته كان يتمنى لو عاد للمنوفية وامتلك قطعة من الأرض يربي فيها الحمام والأرانب ويرتدي الجلابية والطاقية _كما فعل بسنواته الأخيرة- وأن يعيش حياة بطعم الحرية والبساطة، فقد قال بنهاية كتابه “الولد الشقي الجزء الأول”

“لقد كتبت حتى الآن عشرة كتب وثلاث مسرحيات ومئات البرامج الإذاعية ومقالات تكفي عشرة دكاكين تبيع في اللب وإلى عدة قرون. ولكن أمنيتي التي لا أزال أرجو تحقيقها هي العثور على قطعة أرض في بلدنا، فدان أقيم عليه بيتًا ، وأطلق فيه عدة أسراب من الوز والحمام وفصائل الأرانب، وأزرع حوله عيدان الملوخية، وأضع حوله عشرة بلاليص بها جبنة قديمة ومخلل. وأرتدي جلبابا أبيض وطاقية فوق راسي، وامشي حافي القدمين، واستحم إذا شئت في ماء  “لترعة

إقرأ أيضا
اتكلمي

صاحب صاحبه

“وأرجو من الله ولا يكتر على الله ألا يميل بي الهوى أو يميل بي القلم، وأن يوفقني إلى ما يرضي الحقيقة ويرضاه. وإذا سقطت أسماء أو ضاعت في زحام الذاكرة أحداث، فأرجو أن يغفر لي الموتى وأن يسامحني الأحياء”

الكلمات الحنونة السابقة من كتاب عمنا السعدني “مسافر على الرصيف” تحديدًا من مقدمة الكتاب.

وقد خصص هذا الكتاب من أجل الحديث عن كتاب لم يأخذوا حقهم من الحياة.

وكان دائم الإخلاص لأصدقائه ويصف بعضهم بأنهم أكثر منه شطارة بالأدب والكتابة ولكن لم تنصفهم الحياة.

لن تشاهد لقاء له على سبيل المثال دون ذكر الكاتب وصاحب التراث الشعبي الكبير “زكريا الحجاوي

وبالكتاب تستطيع الإبحار مع قلم عمنا الكبير حول حياة أدباء كثر مثل؛ عبد الحميد قطامش، عباس الأسواني، زكريا الحجاوي، أنور المعداوي ومحمود شعبان وأخرين.

عمنا محمود السعدني مع أخيه النجم الكبير صلاح السعدني

فلم يكن السعدني كاتبًا يهتم بمشروعه الخاص وفقط، ولكنه كان دائم الحرص على ذكر كل أبناء جيله من المبدعين في ندواته وفي كتبه.

كان يقدر كل كلمة صادقة تخرج من صاحبها، وكل مجهود مبذول من شاب يتحسس طريقه بعالم الأدب.

لم تغلبه أبدًا أنانية الفنان الذي تصيب البعض بعض تحقيق النجاح والشهرة، بل كان يعي جيدًا أن سر من أسرار وصوله للجميع هو تواضعه وحبه للحق.

وتتعجب كيف لإنسان القدرة على التصالح مع عيوبه بهذا الشكل، فيتحدث عن عيوبه بسلاسة ويعتذر عن أخطاء فعلها ببرنامجه “حكايات السعدني” وكأنه مازال بقهوة عبد الله يفضفض مع أصدقائه.

توفى عمنا السعدني وتشعر أنه كان يمتلك حواديت لم تحُك، فدائمًا ما كان يحمل في جعبته الكثير من الحكايات التي لا تمل من قرائتها أكثر من مرة.

ملك الحواديت والروح الطيبة رحل عن العالم ولكن لم يرحل أبدًا عنا بأثر كلماته والونس الذي يسببه لنا بقصصه.

رحل عنا الكاتب الكبير محمود السعدني ولكن ترك لنا عدة مبادىء تعلمناها منذ طفولتنا على يديه منها نصرة المظلوم ونصرة الكلمة التي إن حبسها صاحبها مات من الاختناق.

الكاتب

  • إسراء سيف كاتبة مصرية تخرجت في كلية الآداب، عملت كمحررة لتغطية مهرجانات مسرحية، وكصحفية بموقع المولد. ساهمت بموضوعات بمواقع صحفية مختلفة، وتساهم في كتابة الأفلام القصيرة. حصلت على الشهادة الوظيفية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من الجامعة الأمريكية وألفت كتابًا لتعليم اللغة العربية للأطفال بالدول الأوروبية.

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
7
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان