تقرأ الآن
مذبحة الطنطورة بين رضوى عاشور وثيودور كاتس

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
441   مشاهدة  

مذبحة الطنطورة بين رضوى عاشور وثيودور كاتس

رضوى عاشور

مذبحة الطنطورة بين رضوى عاشور وثيودور كاتس[1]

 

ليلة الثالث والعشرين من مايو عام 1948

انقضّت قوات من الكتيبة الثالثة من لواء ألكسندروني من عصابات الهاجاناه على قرية الطنطورة لاحتلالها وطرد سكانها، وبعد مقاومة عنيفة وقعت القرية في أيدي الكتيبة الصهيونية فارتكبوا فيها مجزرة بالعزل من أبنائها لا تقل بشاعة عن مجزرة دير ياسين ومجازر أخرى كثيرة[2].

الطنطورة، إنها تلك القرية الصغيرة التي تقع على الساحل الفلسطيني، وتبعد أربعة وعشرين كيلومتراً إلى جنوب حيفا، بالقرب من بلدة صفورية وقيسارية، إنها تلك القرية التي دُمرت وتغيرت معالمها على يد المحتل الذي محا كل شيء فيها، وأنشأ على الفور فوق أرضها -عقب المجزرة وطرد أهلها عام 1948- مستوطنة كيبوتس نحشوليم الذي سكن فيه مستوطنون قادمون من الولايات المتحدة وبولندا[3]. الطنطورة، إنها تلك القرية التي اتخذتها رضوى عاشور محور أساسي لروايتها الطنطورية.

الطنطورة في رواية رضوى عاشور

رواية الطنطورية إنها تلك الرواية التي تحمل بصمات الأنثى، فالطنطورية هي الشخصية الرئيسية في الرواية نسبة إلى المرأة التي سكنت قرية الطنطورة، إنها رقية الطنطورية التي ولدت وعاشت طفولتها في الطنطورة وطردت منها مع عائلتها وسكان القرية الآخرين وكانت شاهدة على أحداث النكبة ومجزرة الطنطورة. ففي الرواية تأخذنا عاشور في رحلة عبر الزمن لننتقل إلى الحياة المستقرة لسكان قرية الطنطورة التي تطل على البحر وتعتاش من الصيد. تصف لنا عاشور قرية الطنطورة وكأنها تأخذنا في جولة افتراضية داخل القرية، تحكي عاشور في روايتها تفاصيل الحياة اليومية لأهل الطنطورة وتحكي أيضاً عن شجر اللوز، وبئر سكر (بئر من الماء العذب مستقرة بين أمواج المالح)[4]، وشجرة الزيتون، وقصة تقشيرها (أي رقية) لثمار الصبار والجيران والخالة والعمة”[5]. تصف لنا الكاتبة بيئة القرية بدقة فنية لا مثيل لها، وتصف لنا أيضاً العادات والتقاليد التي تميز المجتمع القروي مثل العرس والأهازيج التي تتغنى بها نساء القرية.

لتأخذنا عاشور بعد ذلك مباشرةً إلى قلب أحداث النكبة، فنرى هذه الحياة المستقرة تنقلب رأساً على عقب في ليلة وضحاها فتُطرد رقية مع أمها وباقي أهل القرية، ليذوقوا ويلات الشتات واللجوء، ويقُتل أبوها وأخواها، وترى جثثهم أمام عينيها فوق كومة من الجثث فتعيش صدمة الفقد ممتزجة بمرارة اللجوء والإحساس بالغربة.

ومع قراءة رواية الطنطورية يبدُر إلى ذهن القارئ سؤال مُلِّح ألا وهو: لماذا اختارت رضوى عاشور مذبحة الطنطورة كنقطة إنطلاق تُبنى عليها أحداث الرواية وتطورات شخصيتها؟

بحث كاتس ومذبحة الطنطورة

ظلت مجزرة الطنطورة طي النسيان لسنوات طويلة، ولم تستحوذ على اهتمام الباحثين كما فعلت مذبحة دير ياسين، ظلت مجزرة الطنطورة تعيش فقط محفورة في ذاكرة من عايشوها، يحملونها معهم أينما ذهبوا. بقي الأمر على هذا الحال حتى عام 2000 ، حين تقدم الباحث الاسرائيلي ثيودور كاتس بأطروحته لنيل درجة الماجستير من جامعة حيفا بعنوان خروج العرب من قرى سفح الكرمل الجنوبي في عام 1948:

” (…) وهو تحقيق شامل اعتمد على وثائق عبرية تنشر لأول مرة، وشهادات شفهية من لاجئي الطنطورة الباقين في عدد من قرى الداخل، ممن التقاهم المؤلف في نطاف بحثه الميداني، تكشف لأول مرة حجم الكارثة التي لحقت بهذه القرية الفلسطينية الساحلية في ليلة 22-23/5/1948، وفي صبيحة اليوم التالي، عندما نفذ مسلحون من لواء الكسندروني مذبحة جماعية فيها، راح ضحيتها أكثر من مائتين وخمسين إنساناً كانوا مجردين من السلاح أو أية وسائل أخرى للدفاع عن النفس.”[6]

أثار تحقيق كاتس زوبعة إعلامية كبيرة في اسرائيل، إلا أن أهمية مجزرة الطنطورة تكمن في كونها وصلت إلى المحاكم الإسرائيلية وكانت هذه هي السابقة الأولى من نوعها في تاريخ اسرائيل التي تتم فيها تناول أحداث النكبة داخل قاعة محكمة إسرائيلية، حيث قام فرد من أفراد لواء الكسندروني الذي قام كاتس بإجراء مقابلة معه أثناء بحثه الميداني بمقاضاة كاتس في المحاكم طالباً تعويض يصل لمليون شيكل.[7]

التشابه بين رواية الطنطورية وشهادات الناجين من المذبحة

من يقرأ رواية عاشور الطنطورية يجد تشابه كبير بين ما ورد في بحث كاتس من شهادات الناجين من مذبحة قرية الطنطورة وبين ما روت عاشور في روايتها عن أحداث المذبحة. فعلى سبيل المثال: شهادة أبو محمد الذي إلتقته رقية في أبو ظبي داخل أحداث رواية الطنطورية تتشابه مع معطيات في بحث كاتس، حتى وصف رقية نفسها لأحداث الخروج من الطنطورة يوجد فيه تشابه كبير مع شهادات الناجين:

  • التشابه في طريقة التعامل مع الرجال من أهل القرية

أبو محمد في الطنطورية:

” لا أذكر إلا أننا كنا نقف ونرفع أدينا كما أمرنا. وجهنا للحائط، نكاد نرى ما يجري وراء ظهورنا: البنادق مشرعة في اتجاهنا (…) “[8]

 

شهادة صالح عبد الرحمن من طنطورة في بحث كاتس:

” (…) كانوا يقفون عند الحائط، وجهوهم للحائط (…)”[9]

  • تدخل سكان من زخرون يعقوف لوقف قتل رجال القرية:

أبو محمد في الطنطورية

“لماذا لم يقتلونا عند الحائط؟ البعض يقول إن يعقوب المختار، مختار زخرون يعقوف هو الذي أنقذنا.”[10]

 

شهادة فوزي محمود تانج (أبو خالد) من الطنطورة في بحث كاتس:

” أبو خالد: أخذونا إلى هناك وأقعدونا وصوبوا البنادق ناحتنا وأرادوا قتلنا إلا أن ناس من زخرون أتوا وقالوا: لا تقتلوا هؤلاء، كفاكم ما قتلتم [11]

  • استعانة جيش الاحتلال برجال من الطنطورة لحفر مقابر جماعية ودفن القتلى من أهل الطنطورة

أبو محمد في الطنطورية:

” رأينا بأعيننا أكوام الجثث. بل إن أربعة منا كانوا طلبوا منهم نقل بعض الجثث ودفنها في حفر كبيرة.”[12]

 

شهادة علي عبد الله ديكانش (أبو فهمي) من الطنطورة في بحث كاتس:

“أبو فهمي: شمشون ماشفيتز (…) أعطاني عشر رجال ونقالتين لجمع الجثث ونقلها لمقبرتنا.

أبو فهمي: الشخص الذي كان يرافقني كان يعرف العبرية وسمعهم يقولون إنه ينوون قتل الحفارين بعد أن ينتهوا من حفر المقبرة الجماعية (…) “[13]

  • تعامل الاحتلال مع النساء والأطفال وترحيلهم وسرقة حلي النساء الذهبية

رقية في الطنطورية:

“ساقونا إلى الشاطئ. قسمونا إلى مجموعتين. الرجال في ناحية والنساء والأطفال وبعض المسنين من الرجال في ناحية أخرى. (…) رحن يفتشننا واحدة بعد الأخرى ويأخذن ما يجدن معنا من مال أو حلي”[14]

“بدأ موكب النساء يتحرك. ساقونا في اتجاه المقبرة. في الطريق رأيت ثلاث جثث ثم جثتين آخرين لم أتعرف على أي منهما (…) عند المقبرة كانت شاحنتان في الانتظار. تحت تهديد السلاح طلبوا منا الصعود (…) كنا عدة مئات من النساء والأطفال والشيوخ. ربما خمسمئة أو ستمائة. حشرونا في شاحنتين وبدأت الشاحنتان في التحرك.”[15]

 

شهادة ناجية أبي عمر من الطنطورة في بحث كاتس:

” كاتس: على الشاطئ؟

أبو عمر: نعم، في البداية على الشاطئ.

(…)

كاتس: كل النساء؟

أبو عمر: كل النساء والرجال ثم قاموا بتقسيمهم، النساء في جهة والرجال في جهة ثم ساقونا بالقرب من المقبرة وجلبوا حافلات وأخذوا النساء والأطفال لخارج القرية.

كاتس: في الطريق إلى المقبرة ماذا رأيتِ؟

أبو عمر: جثث القتلى.

(…)

أبو عمر: (…) أخذوا الكثير من الحلى الذهبية من النساء (…)”[16]

إقرأ أيضا
محمود سعد

 

فالطنطورية إذاً هي عمل أرادت له عاشور أن يكون ملاصقاً للواقع قدر الإمكان على الرغم من أن شخصيات الرواية بمسارات حياتهم من وحي خيال الكاتبة، إلّا أن أدركت عاشور بحسها الرافض للظلم أن مجزرة الطنطورة تستحق أن تستحوذ على انتباه العالم، لهذا السبب نعتقد أنها اختارتها كأساس تنطلق منه في روايتها راغبةً في أن تنفض الغبار عن هذه المجزرة المنسية فتعطي أهل الطنطورة صوتاً سلب منهم على مدار سنين طويلة؛ ففي الرواية تأخذنا رقية بطلة الحكاية في رحلة نبدأها معها في الطنطورة لنغرق شيئا فشيئا في التفاصيل والأحداث فنتوحد مع البطلة ونمشي معها الدرب الذي تمشي فيه، وهكذا تجعلنا عاشور نعيش تجربة إنسانية بشرية بكل أبعادها حيث تواصل إرادة الفلسطيني في الصمود رغم كل الصعوبات التي عاشها وما زال يعيشها.

اقرأ أيضا

المرأة في دراما رمضان 2022

[1]  باحث إسرائيلي في جامعة حيفا.

[2]  شوفاني، إلياس. “1948، مجزرة الطنطورة في السياق التاريخي لتهويد فلسطين”. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 11 العدد 43 ص 102.

[3]  نفس المرجع

[4] عاشور، رضوى. الطنطورية، مرجع سابق ص 10.

[5]  محمد محمد إسماعيل قويسي، سارة. الخطاب السردي المعاصر في الرواية النسائية، رضوى عاشور نموذجاً. مرجع سابق ص 136.

[6] من مقدمة الترجمة إلى العربية للجزء الخاص بالطنطورة في بحث كاتس تحت عنوان “الطنطورة: تقرير حول مذبحة منسية” والذي نشر في مجلة الكرمل.

[7] Pappé Ilan, “The Tantura case in Israel: the Katz research and trial”, Journal of Palestinians Studies, Vol. 30, No. 3 (Spring 2001), pp. 19-39.

[8] عاشور، رضوى. الطنطورية. مرجع سابق ص 300.

[9] Pappé Ilan, “The Tantura case in Israel: …”, cit, p 32.

  • قام بابيه بترجمة بعض لقاءات كاتس إلى الانجليزية في ورقته البحثية ثم قمنا نحن بترجمة الأجزاء التي استعنا بها إلى العربية.

[10] عاشور، رضوى. الطنطورية. مرجع سابق ص 301.

[11] Pappé Ilan, “The Tantura case in Israel: …”, cit, p 37.

[12] عاشور، رضوى. الطنطورية. مرجع سابق ص 301.

[13] Pappé Ilan, “The Tantura case in Israel: …”, cit, p 35.

[14]عاشور، رضوى. الطنطورية. مرجع سابق ص 60.

[15] نفس المرجع، ص 61/62.

[16] Pappé Ilan, “The Tantura case in Israel”, cit, p 36.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
2
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان