تقرأ الآن
مصر وشرق المتوسط .. القاهرة تغير قواعد اللعبة في الدائرة المتوسطية خلال 10 سنوات

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
34   مشاهدة  

مصر وشرق المتوسط .. القاهرة تغير قواعد اللعبة في الدائرة المتوسطية خلال 10 سنوات

مصر وشرق المتوسط

برزت ثنائية مصر وشرق المتوسط خلال 10 سنوات، وتحديدًا منذ الاكتشافات الهائلة للغاز الطبيعي عام 2009 محط أنظار القوى الإقليمية والدولية، في ظل تنامي حجم الاحتياطات من المواد الهيدروكربونية والتي تصاعدت من 122 ترليون قدم مكعب وفقًا لتقديرات عام 2010 لنحو 340 تريليون قدم مكعب خلال عام 2017، ما يعني أن المنطقة تحتوي على كنز استراتيجي ومخزون وفير من الغاز الطبيعي يمكن أن يُساهم في تغيير قواعد اللعبة على مختلف الأصعدة؛ إذ تتراوح قيمة هذه الاحتياطات وفقًا لعدد من التقديرات ما بين 700 مليار دولار إلى 3 تريليون دولار.

يؤكد تقرير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أن مصر كانت حاضرة وبقوة في هذا الإقليم بل كانت أحد أبرز الفواعل ومحور التحرك والقيادة في هذه المنطقة، وفي هذا السياق يمكننا تحديد الملامح العامة للتفاعلات المصرية في منطقة شرق المتوسط، والتي أدت بدورها لامتلاك مصر زمام الأمور وعوامل التأثير والفاعلية

الدائرة المتوسطية.. التحول الأبرز

شهدت مصر في العشر سنوات الأخيرة عددًا من التحولات والمتغيرات على الصعيد الداخلي والتي ساهمت بشكل كبير في التأثير على سياستها الخارجية، وقد تسببت بعض التحولات في انحسار الدور المصري الخارجي وغياب عوامل التأثير، خاصة تلك الفترة التي أعقبت أحداث 2011 والتي انصب التركيز فيها على قضايا الداخل وعملية الانتقال والتحول السياسي والدستوري التي شهدتها مصر، والتي اتسمت أغلبها بغياب دور الدولة وهشاشة الأوضاع الأمنية وهي السمة التي سيطرت على الدولة العربية في هذه الفترة، والتي قد تسببت في وقوع عدد من الدول –سوريا، ليبيا، اليمن- في مربع الدول الفاشلة غير القادرة على حماية وتأمين حدودها من الاختراقات والتدخلات الخارجية، لدرجة أن هذه الدول أصبحت ساحة للفواعل الدوليين وأصحاب المصالح المختلفة، ناهيك عن بروز الجماعات والتنظيمات الإرهابية وانتشار صور واشكال الجريمة.

وقد كانت ثورة 30 يونيو 2013 ضمن التحولات الفارقة التي أثرت في مجمل التفاعلات المصرية الخارجية، بعدما نجح الشعب المصري في استعادة الدولة والحفاظ على قوة المؤسسات واستقلالية القرار، وقد كان لهذا النجاح والتحول الداخلي تبعات محورية على صعيد التفاعلات الخارجية، إذ تبنت مصر فيما بعد سياسة خارجية نشطة ومتزنة في عدد من الدوائر سواء العربية أو الافريقية أو الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضًا 
العلاقات الاقتصادية بين مصر وفرنسا .. كيف عززها السيسي وماكرون ؟

وتعد دائرة المتوسط واحدة من أبرز الدوائر التي حققت فيها الدولة المصرية خلال عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي عددًا من النجاحات والتطورات التي انتهت في نهاية المطاف لقيادتها وزعامتها لمنطقة المتوسط، وقد ساهم في ذلك اكتشاف شركة ” إيني” الإيطالية خلال عام 2015 لحقل “ظهر” في المناطق الاقتصادية الخالصة للدولة المصرية، والتي تسبب في تغيير قواعد اللعبة، خاصة وأن حجم الاحتياطي من الغاز الطبيعي لحقل ظهر بلغت نحو30 تريليون قدم مكعب وهو أكبر حقول الغاز الطبيعي شرق المتوسط مقارنة بالاكتشافات التي تحققت في إسرائيل وقبرص. وعليه فقد استحدثت مصر ونشطت بشكل مؤثر شرق المتوسط وذلك من خلال تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة وتحديدًا قبرص واليونان، فضلًا عن قيادتها لعدد من المبادرات وقي مقدمتها تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط.

مسارات تأمين النفوذ

عملت مصر على تعزيز دورها وقيادتها للتفاعلات شرق المتوسط من خلال عدد من المسارات والتحركات المختلفة بهدف الحفاظ على مصالحها وتعزيز نفوذها شرق المتوسط، خاصة بعدما أصبحت المنطقة جزءًا من أمنها القومي، الأمر الذي يمكن تحديده فيما يلي:

اولًا: المسار القانوني، اتخذت مصر مسلكًا قانونيًا في إطار مساعيها لتأمين نفوذها وتعظيم مكاسبها شرق المتوسط، وقد دارت التحركات المصرية وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة للبحار 1982 والتي تحدد سيادة كل دولة وسلطاتها في مناطقها البحرية، وقد تحركت مصر في مسارين: الأول، عبر توقيع الاتفاقية الإطارية لاستغلال الثروات الهيدروكربونية بين مصر وقبرص والذي صدق عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال عام 2014.

وقد بذلت جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة حكمها جهودًا لإلغاء اتفاق ترسيم الحدود بين مصر وقبرص والذي تم توقيعه عام 2003، فقدم النائب الاخواني “خالد عبدالقادر” مشروع قانون –في مارس 2013- يستهدف إلغاء الاتفاق؛ وذلك بهدف الشروع في ترسيم الحدود البحرية مع تركيا بما يخالف قواعد القانون الدولي ويتجاهل الحقوق البحرية لقبرص، إلا أن قيام ثورة 30 يونيو حال دون إلغاء الاتفاق، وعليه فقد ساهم توقيع الاتفاق الإطاري عام 2014 في تعزيز وتنمية العلاقة بين مصر وقبرص ومن ثم شرعنة حقوق مصر في استغلال الموارد في المنطقة.

من ناحية أخرى، قامت مصر بتوقيع اتفاق مماثل لترسيم الحدود البحرية مع اليونان في أغسطس 2020، قبل أن تقره الأمم المتحدة في ديسمبر من العام ذاته، وقد جاء هذا الاتفاق بعد أقل من عام من توقيع الاتفاق البحري بين “أردوغان والسراج” في نوفمبر 2019، والذي تجاهل حقوق جزيرة كريت اليونانية، وعليه فقد ساهم الاتفاق في نزع أية شرعية تحاول تركيا أن تضفيها على اتفاقها مع السراج والتي عملت من خلاله على فرض أمر واقع وإيجاد مدخلُا لشرق المتوسط بغرض تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي.

ثانيا: المسار السياسي والدبلوماسي، على الصعيد السياسي امتلكت القاهرة أدوات التأثير والنفوذ من خلال عدد من التحركات، يأتي في مقدمتها العمل على تعزيز وتفعيل الشراكة في منطقة المتوسط من خلال تدشين آلية للتعامل الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان والتي بدأت نواتها الأولى في نوفمبر 2014 ثم توالت فيما بعد القمم بين هذه الدول وصولًا للقمة الثامنة التي عقدت في أكتوبر 2020، وقد اتخذت هذه القمم طابعًا أشبه بالمؤسسي في ظل حرص الأطراف الثلاثة على دورية الانعقاد، علاوة على دورها في توسيع التعاون في مختلف المجالات والذي دخل ضمن نمط التحالف الاستراتيجي في العلاقات الدولية.

من ناحية أخرى، تدخل تحركات مصر ومساعيها في تشكيل عدد من التكتلات الجماعية شرق المتوسط ضمن محور التأثير، إذ تمكنت عبر جهود دبلوماسية نشطة من تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، بعدما توافقت مصر وقبرص واليونان في أكتوبر 2018، على إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط على أن يكون مقرة القاهرة، وقد ضم المنتدى كل من (مصر، فلسطين، الأردن، قبرص، إسرائيل، اليونان، إيطاليا)، قبل أن يتحول لمنظمة إقليمية في سبتمبر 2020، وساهم هذا التحول في تعزيز مكانة مصر لدى دول المنطقة خاصة بعدما تم إضفاء الطابع المؤسسي على منتدى غاز المتوسط، ما يعني مزيد من التنسيق والتعاون بين هذه الدول في مختلف المجالات.

في السياق ذاته، لا تنفصل الجهود المصرية في الأزمة الليبية عن مساعيها ودورها القيادي لمنطقة شرق المتوسط، خاصة في ظل قدرة القاهرة على تحجيم نفوذ أنقرة بعدما تدخلت عسكريًا في ليبيا بداية من عام 2020، إذ إن النفاذ لغاز المتوسط يعتبر ضمن محفزات ودوافع أردوغان لنقل الميليشيات والمرتزقة للغرب الليبي، ومن هنا يمكننا تفسير ردع مصر لتركيا من خلال الخط الأحمر –سرت الجفرة- ومنعها من التقدم الميداني ضمن تحركات مصر المؤثرة في الحفاظ على مصالحها، بالإضافة لجهود القاهرة في تسوية الصراع الليبي والحفاظ على وحدة الأراضي وبناء المؤسسات والذي بدا واضحًا من خلال اعلان القاهرة – يونيو 2020- لتسوية الأزمة الليبية ، وهذه التحركات تدخل في اطار المسار السياسي والدبلوماسي الذي تقوده مصر في المتوسط.

ثالثًا: المسار العسكري، عملت مصر على الحفاظ على ثرواتها الطبيعية في منطقة شرق المتوسط وتعزيز نفوذها عبر تفعيل المسار العسكري وذلك في إطار عدد من الإجراءات من بينها أولًا: الانتشار العسكري، حيث تمتلك مصر انتشارًا عسكريًا مؤثرًا يتمثل بشكل أساسي في عدد من القواعد العسكري وفي مقدمتهم قاعدة “محمد نجيب” أكبر القواعد العسكري في الشرق الأوسط وقاعدة “برنيس”، وذلك بهدف هدف حماية وتأمين الجبهات الاستراتيجية المصرية

إقرأ أيضا
المصرية

ثانيًا، تعزيز ودعم المقومات البحرية، وذلك من خلال الاستثمار في القدرات البحرية فعلى سبيل المثال نجحت مصر خلال السنوات الماضية في تطويع البحرية المصرية لحماية مصالحها وردع الأطراف المناهضة لمصر وذلك من خلال تزويد البحرية المصرية بحاملتي مروحيات من طراز ميسترال، ناهيك عن الفرقاطات الفرنسية من طراز “فريم تحيا مصر”، بالإضافة إلى الغواصات الألمانية من فئة 902، وغيرها من القطع البحرية، وقد احتلت البحرية المصرية بفضل التحديث والتطوير المرتبة السابعة عالميًا وفقًا لتصنيف المصدر تصنيف “جلوبال فاير بور” 2020.

ثالثًا، عملت مصر على الحفاظ على مصالحها في المتوسط عبر تعزيز الشركات والتدريبات العسكرية مع دول المنطقة وفي مقدمتها اليونان من خلال مناورات ميدوزا المشتركة والتي كانت نواه للتحالف الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان، وقد بدأت الجولة الأولى لها خلال عام 2015، قبل أن تعقد محطتها الأخيرة حتى الآن ” ميدوزا 10″ في نوفمبر 2020، وقد اتسمت المناورات الأخيرة بتوسيع قاعدة الدول المشاركة فيها بعدما كانت قاصرة على اليونان ومصر، بعدما شاركت كل من فرنسا والامارات وقبرص. وعليه فقد ساهم المسار العسكري بجانب الشق السياسي والقانوني في تعزيز نفوذ مصر في المتوسط.

انعكاسات الدور

ثمة انعكاسات يمكن الوقوف عليه من خلال تقييم سياسة مصر الخارجية ودورها النشط في منطقة شرق المتوسط

اولًا: تعزيز القيادة المتوسطية، ساهمت الدبلوماسية النشطة لمصر في تعزيز مكانتها في منطقة المتوسط، بحيث أصبحت محورًا رئيسيًا ورائدًا لكافة التحركات والترتيبات، كما ساهمت تحركاتها في تعزيز فرص مصر في التحول لمركز إقليمي للطاقة، وقد برز ذلك من خلال عدد من العوامل من بينها امتلاكها لأكبر احتياطي من الغاز الطبيعي شرق المتوسط، علاوة على توافر البنية التحتية اللازمة لتسييل الغاز ومن ثم نقله إلى أوروبا، إذ وقعت مصر وقبرص في سبتمبر 2018 اتفاق لإقامة مشروع خط أنابيب بحري مباشر، لنقل الغاز الطبيعي من حقل أفروديت القبرصي إلى محطات الإسالة بمصر، وإعادة تصديره إلى الأسواق المختلفة، ناهيك عن اتفاق مماثل مع إسرائيل، أضف إلى ذلك استضافتها لمقر منظمة غاز شرق المتوسط، كل هذه الأمور تعزيز من فرص ومكانة مصر في المتوسط، ما يدل على نجاح الجهود المصرية التي بدأت منذ أكثر من 7 أعوام.

ثانيًا: الوصول للاكتفاء الذاتي، ساهمت اكتشافات الغاز في خروج مصر من قائمة الدول المستوردة للغاز، بعدم نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي وذلك في سبتمبر 2018، إذ بلغ انتاج الغاز الطبيعي في مصر أعلى معدلاته خلال شهر سبتمبر 2019 ليصل نحو 7.2 مليار قدم مكعب يوميًا، وقد نجم عن إيقاف استيراد الغاز الطبيعي من الخارج توفير نحو ملياري دولار سنويًا، وهو ما يساهم في دعم الاحتياطي النقدي الأجنبي في ظل توفير العملة وتقليل النفقات التي كانت تخصصه الدولة لاستيراد الغاز الطبيعي.

ثالثًا، دعم الرؤية التنموية، يمكن لاكتشافات الغاز والحضور المصري في المتوسط أن ينعكس بشكل إيجابي على الرؤية الاستراتيجية والتنموية لمصر، إذ إن توفير المليارات وعوائد التحول لمركز إقليمي للطاقة يمكن أن يتم توجيهها لدعم عدد من المشروعات التنموية والخدمية والاستثمار في مجال التعليم والصحة وعدد من البرامج التي تستهدف المواطن، علاوة على أن توفير مصادر الطاقة يمكن أن يساهم في دفع عجلة الإنتاج وتعزيز الصناعات المحلية التي ترتكز على الغاز الطبيعي والطاقة بشكل عام كصناعة الأسمدة والاسمنت والحديد والصلب وغيرها.في الأخير، يمكن القول إن الدور المصري شرق المتوسط، تشكل وفقُا لمصالح مصر العليا، وسعيها الدائم للحفاظ على تلك المصالح على اعتبار أن منطقة شرق المتوسطة أصبحت ضمن نطاقات ودوائر الأمن القومي المصري، ويمكن النظر لاستحداث أو تعزيز الدائرة المتوسطية في السياسة الخارجية المصرية باعتبارها أحد أبرز المكاسب والتحولات الذي طرأت على مصر في الآونة الأخيرة.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slider


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

Scroll Up
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان