رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
7٬657   مشاهدة  

معركة مصطفى محمود والشيخ الشعراوي حول الشفاعة .. تاريخ تم نسيانه عن عمد

الشفاعة
  • كاتب صحفي مصري له الكثير من المقالات النوعية، وكتب لعدة صُحف ومواقع إلكترونية مصرية وعربية، ويتمنى لو طُبّقَ عليه قول عمنا فؤاد حدّاد : وان رجعت ف يوم تحاسبني / مهنة الشـاعر أشـدْ حساب / الأصيل فيهــا اسـتفاد الهَـمْ / وانتهى من الزُخْــرُف الكداب / لما شـاف الدم قـــال : الدم / ما افتكـرش التوت ولا العِنّاب !

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


” اعمل اللي يعجبك وصلّي ع اللي يشفع لك ” .. كلمة يرددها أهل مصر كثيرًا .. حتى إن صداها وصل لمسامع رجل في الثمانين من عمره يجلس في غرفته الصغيرة على سطح إحدى العمارات في الدقي .. شَعَر الرجل أن العمر قد بدأ في الاستعداد للرحيل .. فأبى أن يموت قبل أن يترك للجميع قضية شائكة مفخخة لازال الحديث دائر حولها حتى الآن .. هل سيشفع الرسول لي أمام الله ؟ أم أن هذا طمعًا زائدًا في كراماته وأن الأمر ليس كذلك ؟ … “اعمل اللي يعجبك وصلّي ع اللي يشفع لك”  كلمة استفزت الدكتور مصطفى محمود حتى جعلته ينتفض ويكتب “الشفاعة .. محاولة لفهم القديم بين المؤيدين والمعارضين”  .. كتاب جاء كضوء أخضر لبدء العراك في حلبة الفكر والدين .

 

ربما شعر مصطفى محمود بخطورة ما يكتبه فحاول أن يكون رقيقًا بشكل واضح .. هينًا للدرجة التي تحول بين ذبحه ثقافيًا بعد نشر الكتاب، فكتب في المقدمة : ما أقدمه في هذا الكتاب هو (محاولة لفهم) واجتهاد قد يصيب وقد يخطئ ولا أدعي لنفسي كمالًا ولا عصمة وأرى أن من حق كل قارئ أن يختلف معي وأن يفهم القضية على طريقته فقد أرادنا الله أحرارا وأردنا أن نتدبر آياته ونتفهم قرآنه كل على قدر طاقته.  كل هذه الرقة التي أبداها مصطفى محمود لم تستطيع أن تخفف من آثار أرائه في مسألة الشفاعة والتي أنكر فيها بشكل واضح إمكانية الرُسل والأنبياء الشفاعة للعباد مهما وصلت مكانتهم ودرجاتهم عند شعوبهم وعند الله .

 

وكان تكثيف القضية في الكتاب قد لخصه مصطفي محمود في هذه السطور : “أما الشفاعة بمعنى هدم الناموس وإخراج المذنبين من النار وإدخالهم الجنة .. فهي فوضى (الوسايط) التي لا نعرفها في الدنيا .. ولا وجود لها في الآخرة .. وكل ما جاء بهذا المعنى في الأحاديث النبوية مشكوك في سنده ومصدره لأنه يخالف صريح القرآن .. ولا يعقل من نبي القرآن أن يطالب بهدم القرآن ، ولكن المسلمين الذين عُرفوا بالاتكالية قد باتوا يفعلون كل منكر ويرتكبون عظائم الذنوب اتكالًا على نبيهم الذي سوف يخرجهم في حفنة واحدة من النار ويلقي بهم في الجنة بفضلة وكرمه”

واستند الدكتور مصطفى إلى رأي الشيخين محمد عبده و المراغي والذي يتطابق بشكل كبير مع رأيه الشخصي. وهنا اتجه مصطفى محمود لقول الشيخ المراغي في تفسيره :  ما نستطيع أن نقول هو إن الشفاعة ميزة يختص بها الله من يشار من عباده عبر عنها بلفظ شفاعة ولا ندرك حقيقتها .

 

لم تمر أيام على نشر هذه السطور من الكتاب عام 1999 إلا ودخل الدكتور مصطفى مواجهة كبرى مع المدافعين عن فكرة وجود الشفاعة والحكم بها و(وساطة) النبي وثبوته بالدليل القاطع في القرآن الكريم والسنة النبوية.

هنا صدرت كتب للرد على الدكتور مصطفى محمود وكان أحدهم كتاب “إثبات الشفاعة لصاحب المقام المحمود والرد على الدكتور مصطفى محمود” أعده محمود عبده عبد الرازق دكتور الفلسفة الإسلامية بدار العلوم وفيما جاء فيه :

” أحزننا والله ما قرأناه وعلى غير ما عهـدناه من الدكتور مصطفى محمود أن ينكر لصاحب المقام المحمود شفـاعته فى العصاة من المسلمين ويردد بذلك مذهب الخوارج المنحرفين والمعتزلة القائلين بإنفاذ الوعيد والموجـبين على رب العالمين ألا يرحم من شاء من عباده الموحدين وألا يقبل فيهم شفاعة الشافعين حتى ولو كان الشافع هو سيد الأنبياء والمرسلين ، وقد تجاهل سيادته موقف أهل العلم والإيمان منذ أن مات رسول الله حتى الآن ، وتجاهل أيضا المسؤولين المتخصصين فى أصول الدين ، فبدلا من أن يرجع إلي فضيلة المفتى فى هذا العصر أو لجنة الفتوى من العلماء فى مصر أو يرجع إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر لطلب العلم عند اخـتلاط الأمر أو حتى المشورة فربما تمنعه مكانته المشهورة أن يكون طالب علم وهو فى هذه المنزلة ، سلك سيادته بجرأة شديدة ما ذهب إليه أصحاب الضلالات البعـيدة ، ربما دون علم منه بأن ما يردده هو مـذهب الخوارج بعيـنه ، ولكنـه أطلق العنان لاجتهاده المحدود ، وتهجـم على قواعد السنة بلا حدود ، وشكك فى أصح الكتب على غير المعهود من المحبين لسيد الأنبيـاء والمرسلـين وطعن فى صحيح الإمام البخـارى أمير المؤمنين فى الحديث رحمه الله ، ونحـن وإن كنا لا نشكك فى نواياه ، إلا أنه أصبح فتنة لكثـير من الجاهلين المثقفـين الأميــين فى أصول الدين ، وقد كلمنى كثير من إخوانى المسلمين بعد أول مقـالة له  أن أكتب ردا تفصيليا عليه ، فقلت لهم : خير رد عليه ألا نلتفت إليه ، فلا نريد أن نشـغل أنفسـنا بما يستنزف جهدنا وجهـد غيرنا ، ولكن سيادته أعاد الكرة مرة ومرتين وراوغ بعد ذلك فى مقالتين حتى طفـح الكيل وبان الميل وخيم الليل بالجهل على كثير من الأذهان ،ثم فاجئنا بعد ذلك أنه لا ينكر السنة ولكن المفاجأة أن السنة عنده هو ما يراه موافقا لهـواه من كلام رسول الله أما قسم الحديث فى جامعة الأزهر وجميع الجامعات فى العالم الإسلامى فأصبح أمرا مطويا فى سالف الـزمان لا يقبل سيادته منهم أدلة ولا برهان ، فكان لا بد من إظهـار هذه الأمور فى الرد على فضيلة الدكتور

 

وسرد تفاصيل ما أحزنه من الدكتور مصطفى محمود قائلًا :

 

إن سيـادته سلك منهج المعطلين المشبهـين من المعتزلة والمتكلمين عندما عطـلوا الأدلة بحجـة نفـى التشبيـه عـن الله فجمعـوا بين جـريمتي التمثــيل والتعطيل ، ولما حوصروا اضطروا للتأويل بغير دليل ، وطعنوا فى السنة وتدوينها والتشكيـك فى أخـبارها ، وهذا ما حدث من فضيلته عندما خلط الأمور فى مقالته حيث سوى بين الشفاعة عند الله وما يتعلق بأحكامها وبين الشفـاعة التى تحـدث من الرعية لحكـامها ، وقاس بينهما بقياس المماثلة الذى استخـدمه أصحاب الملل الباطلة  فى قيـاس الغائب على الشـاهد ولم يوحد الله ويفرده عمن سواه فى مسألة الشفاعة ، فالشفـاعة عند المخلوق ليسـت كالشفاعة عند الله ، فالمخلوق أحيانا يقبل الشفاعة إلزاما ، إما لوجود مصلحة تسعى إليهـا قرابته ، أو إلزامـا من حـزبه لتبـقى عليه سيـادته ، أو لفضل من المملوك على المالك ، أو قـدرته علي زوال أوصـاف أذن بزوالها الخالق ، أو التحكم فى نقاط ضعفـه بإزاعة أخباره ، وكشـف ما هـو مستور من سوء أسراره ، فيضطـر الحاكم أو المالك إلى قبول الشفاعة من المحكوم ، والتغاضى عن العـدل أو إنصـافه المظــلوم ،راغمًا بغـير إذنه مجـبرا شافعا مكرها لا مخيرا ، وهذه هـى الفوضى والمحسـوبية التى أشار إليها فضـيلة الدكتور لما قاس الخالق على المخلوق وعقـد الأمور .

أما رب العزة والجلال فمن هو صاحب الفضـل عليه ؟ ومن الذى ساعـده فى إنشاء الخلق وافتقر إليه ؟ سبحانه لا شريك له فى ملكه ولا ظهير له فى تدبير خلقه ، إن العقلاء يقبحون الشـرك ويعلمون أن الله على كل شئ قدير وكل شـئ إليه فقـير وكل أمــر عليه يسير لا يحتاج إلى شئ : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }

وفي منطقة إنكار السنة .. فإن الدكتور مصطفى محمود لم يتركها بل أفرد لها فصل كامل في كتابه بعنوان ” ليس إنكارًا للسنة” .. رد فيها على ما سيقال بعد الكتاب حيث قال : القرآن هو خزينة العلم الإلهي القديم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو العمدة في كل حقائق الدين والمرجع الوحيد في أمور الغيب والحساب والقيامة والآخرة .. أنزله الله الذي ليس كمثله شئ فكان على مثاله كتابًا ليس كمثله كتاب .. لا يرتفع ذروة مصداقيته كتاب ولا يبلغ مدى حجيته مقال . أما السنة القولية التي جمعها رواة الأحاديث عن الرسول الكريم فقد جمعها ودونها بشر مثلنا غير معصومين نقلوها عن بشر آخرين غير معصومين في سلسلة من العنعنات عبر عشرات السنين (لم تدون الأحاديث إلا من بعد الخلفاء الراشدين على أيام سلاطين القصور)

” ونحن ما أنكرنا السنة وما أثرنا فتنة وما خرجنا على الإجماع .. وإنما كانت لنا وقفة أمام إشكالية .. والإشكالية حقيقة وليست مفتعلة .. وهي مثار خلاف من قديم”

“كيف تصور المسلمون أن لهم إستثناءات في الآخرة وأن المسلم لن يدخل النار ولن يخلد فيها .. والقرآن يقوم في محكم آياته { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}

وبهذين الرأيين أصبحنا أمام طرفين هم شديدي الاختلاف والتنافر عن بعضهما .. رجل ينكر الفكرة من أساسها ويقول أن لا وجود لإنسان يتشفع عند الله ليخرج آخر من النار إلى الجنة ، وآخرون يتحدثون عن شطح الرجل وجريمته الكبرى في إنكار الصحيح والمُثبت من الدين .. حتى جاء رد الشيخ الشعراوي ، وهو رد إذا صح أن نقول أنه جديدًا على رأي هذا ورأي ذاك .. حيث وضع مفهوم ما يسمى بـ “الشفاعة المٌقننة” أو “الشفاعة المشروطة”

وهنا يشرح الشيخ الشعراوي رأيه باستفاضة حيث يقول :

الشفاعة تقتضي وجود أربعة عناصر وهما :

  • مشفوع عنده (الله)
  • شافع (الإنسان الذي سيتشفع للمذنب عند الله)
  • مشفوع له (الشخص المذنب الذي يحتاج الشفاعة)
  • مشفوع به (نوعية الذنوب التي سيتم الشفاعة فيها من عدمها)

وكان مضمون كلام الشيخ الشعراوي يدول حول فكرة حسن ظن الناس بعضهم ببعض إذ ظنوا في بعضهم أن واحدًا منهم يمكنه أن يشفع للآخر عند الله ، وهذا ما يضفي سلامًا كبيرًا على البشرية ، وضرب الشيخ الشعراوي مثالًا بالرجل الذي ملئ خفه ماء لكلب أصابه العطش فأدخله الله الجنة ، وتسائل الشعراوي : هل كان الرجل ينتظر من الكلب شئ؟ أم حسن الظن بفعل الخير هو ما دفع الرجل بهذا ؟

وأما عن الشفاعة النبوية بالتحديد قال الشيخ الشعراوي أن الشفاعة النبوية موجودة بالتأكيد، وأن هذه الجزئية بالأخص لها فلسلفة خاصة بها ، ذلك لأن حسن ظن العبد برسول الله لكونه شفيعًا له يوم القيامة أمام الله عز وجل، يجعل قلب الناس مفتوحًا لاستقبال أوامر الرسول ونواهيه.

 

وقال الشيخ الشعراوي: أن هناك شروطًا أولها : إذن المشفوع عنده (الله) للشافع(الرسول) ورضاه بالشفاعة (نوعية الجريمة التي أتى بها المخطئ راجيًا الله العفو عنها)

إقرأ أيضا
زبيدة ثروت

وفسر الشيخ أن الإذن بالشفاعة غير الرضا بها ، فربما يعطي الله الإذن للرسول الكريم بالشفاعة عن بعض الناس لكنه أولًا لابد أن يرضى عن نوعية القضية التي جاء فيها المذنب.

 

وتواصل “الميزان” هاتفيًا مع الدكتور أحمد كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر وتحدثنا معه حول هذا الموضوع الشائك .. فقال نصًا : ” لا يوجد خلاف في مسألة الشفاعة من الأساس .. فقد أجمع علماء الإسلام على وجود شفاعة في الآخرة لمن يشاء الله سبحانه وتعالى ويأذن له والشفاعة على أنواع .. هناك شفاعة خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم .. وهي صرف الناس عن إنتظار فصل القضاء ، ويُعرف بـ المقام المحمود .. فلما يطول إنتظار الناس للإذن بالحساب يذهبون إلى سيدنا آدم فيحيلهم إلى سيدنا نوح فيحيلهم إلى سيدنا إبراهيم فيحيلهم إلى موسى فيحيلهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها .. ويسجد تحت عرش الرحمن .

كما أن هناك أنواع للشفاعات من ضمنها أن يشفع الرسول عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر ، ويشفع لإخراج أناس من النار ، ويشفع لإدخل أناس الجنة ، أو لرفع دراجاتهم في الجنة، وهناك شفاعات للرسل الأنبياء في أقوامهم ، وآيات قرآنية محكمة وأحاديث نبوية كثيرة تثبت بالديل القاطع وجود هذه الشفاعات.

 

عزيزي القارئ ، وضعنا أمامك كل وجهات النظر التي قيلت في مسألة شفاعة الأنبياء في أقوامهم .. وإليك “الميزان” التي تزن به الأمور وتخلُص بما قرأت لتفهم ، وما قاله القدامى والجدد وما اجتهد فيه الجميع فقط لترى وتقرأ وتستوعب.. وتجيب عن سؤالك .. من سيشفع لك .. الله أم رسوله؟

 

 

 

 

الكاتب

  • محمد فهمي سلامة

    كاتب صحفي مصري له الكثير من المقالات النوعية، وكتب لعدة صُحف ومواقع إلكترونية مصرية وعربية، ويتمنى لو طُبّقَ عليه قول عمنا فؤاد حدّاد : وان رجعت ف يوم تحاسبني / مهنة الشـاعر أشـدْ حساب / الأصيل فيهــا اسـتفاد الهَـمْ / وانتهى من الزُخْــرُف الكداب / لما شـاف الدم قـــال : الدم / ما افتكـرش التوت ولا العِنّاب !

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
8
أحزنني
2
أعجبني
13
أغضبني
0
هاهاها
1
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


3 تعليقات
  • يوجد اية فى القرءان تقول (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم )وهذا يعنى ان هناك اشخاص من كثرة شرورهم يوم القيام لن يجدو لهم اصدقاء او اى اشخاص يذكرونهم باى اعمال خيرة لانهم ببساط. كانت كل حياتهم فى الشر اما اذا كان الشخص خير فى الدنيا وله اصدقاء راو منة الخير وعطف على اشخاص اخرين وساعد اخرين فى هذة الحالة سيجد من سيذكر هذا الفعل الخير وهذا سيكون نوع من شفاعة البعض للبعض بان يذكرو افعالهم ويقولون لقد فعلو معنا خير كذا وكذا والموضوع اشبة بالفقير الذى ياخذ بيد الغنى الذ.ى تصدق علية يوما ما وكذلك النبى محمد سيشفع لمن عمل الخير وصلى علية بذكر هذا الخير الذى فعلة الشخص كان صلى علية مثلا او كان محبا له مثلا

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان