رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
550   مشاهدة  

“وقائع موت معلن”.. ماركيز يحاكم المجتمع: القيمة أم المصلحة ؟

وقائع موت معلن

Share

أطلق النقاد على أدب أميركا الجنوبية لقبا لم يعمم لكنه يبرز السمة الأغلب على روح نصوصه، وهو أدب “الواقعية السحرية”، لأنه يتكون من المزيج السحري بين المفردات الواقعية، كالجريمة والخيانة والحب والعنف والثأر والكفاح والمقاومة والمشكلات السياسية، وبين المفردات الفانتازية، مثل الموت الذي يتحرك بين البشر كأنه كائن حي والمرض الذي يمشي على قدمين بين الناس.

غابرييل غارثيا ماركيث
غابرييل غارثيا ماركيث

من بين أدباء أميركا الجنوبية لمعت أسماء بين القراء في العالم أجمع، وفي العالم العربي خصوصا، عن طريق الجسر الفلسطيني صالح علماني، الذي نذر حياته لترجمة هذا الأدب الغني للعربية، ومن بين هذه الأسماء على سبيل المثال باولو كويليو وإيزابيلا الليندي وماريو يوسا وخوليو كورتاثر وجابرييل جارسيا ماركيز.

ماركيز تحديدا هو أشهرهم على مستوى العالم، ومن أشهر كتاب الرواية في التاريخ، ويعد ضمن أعظم الأدباء عامة، فهو جمع بين براعة الحكاية وحبكتها وبين حداثة الأفكار والتنويعات على الثيمات المعتادة إضافة إلى المهارة والرشاقة اللغوية.

كأي أديب متمرس في الثقافة سعى ماركيز إلى إبراز الإنسان مجردا، الإنسان كما يرى نفسه أو كما يرى القارئ نفسه فيه، الإنسان بأخطائه ومميزاته، التي يمكن أن تكون واحدة في الوقت نفسه، الخطأ هو الميزة، لذا لم يكن لروايات ماركيز أبطال حقيقيون مثل الروايات الكلاسيكية، بل البطل دائما انعكاس أحد شخوص الرواية على نفسك.

“وقائع موت معلن” رواية ليست طويلة تقع نسختها العربية في 116 صفحة من القطع المتوسط، نشرها ماركيز في العام 1981، أي قبل عام واحد من حصوله على جائزة نوبل، وعلى الرغم من أنها ليست بطول وعمق أعمال سابقة له مثل “الحب في زمن الكوليرا”، فإنها احتلت مكانا عاليا بين الروايات العالمية بسبب كم الغرابة والاغتراب الذي تحمله.

بدأ ماركيز الرواية بجملة صادمة تنسف البناء الروائي المعتاد من مقدمة وحبكة وعقدة وحل، فقد بدأ الرواية من أخر فصولها بل من آخر مشاهدها “في اليوم الذي كانوا سيقتلونه فيه، استيقظ سانتياجو نصار في الساعة الخامسة والنصف صباحا”، ليكمل القارئ طريقا هو يعرف نهايته، لكن المتعة تكمن الطريق ذاته، كما أفرد كويليو سابقا لهذا المعنى روايته “الخيميائي”.

غرابة الرواية وأحداثها أن ليس بها أي غرائبيات، بل هي في الأساس قصة واقعية لجريمة قتل حدثت في مسقط رأس ماركيز في الريف الكولومبي في العام 1951، ورواها على لسان صحفي يتحقق من الأحداث بعد وقوعها، ويجمع خيوط الحكاية من شهود عيان أو معاصرين سمعوا عن أبطالها.

وقائع موت معلن .. ماركيز يحاكم المجتمع: القيمة أم المصلحة ؟

“سانتياجو نصار” شخصية القصة الرئيسية، يتهم زورا أو حقيقة، لا أحد يعرف، بهتك عرض الشابة أنخيلا، التي يكتشف عريسها ذلك ليلة الزفاف، فتعترف لأخويها أن الفاعل سانتياجو، ليقرر شقيقاها “بابلو فيكاريو” و”بيدرو فيكاريو” على الانتقام بقتل نصار سليل أسرة عربية مهاجرة، ويبحثون عنه في كل مكان ويخبرون الجميع بنيتهم بقتله.

السر الأول في قصة وقائع موت معلن هو “سر الصمت الخاص” لماذا لم يدافع سانتياجو نصار عن نفسه، لماذا لم يقل لهم إن أنخيلا كاذبة، هل هو ثقل الحياة الذي سارع بالخلاص منه حين علم بقرب مقتله عن طريق صمته دون دفاع عن نفسه، أم أنه اعتبرها عدالة السماء التي تقتص منه على نزق واستهتار ورثه عن أبيه إبراهيم نصار جعله يتوق لتذوق أي فتاة تتفتح فيها غدد الأنوثة أمامه؟ أم أنه فعلا قد ذاق بكارة أنخيلا؟.

اقرأ أيضًا 
لماذا لم يضحك جورج واشنطن

السر الثاني هو “سر الصمت العام” حيث لم يستطع أحد التدخل للدفاع عن سانتياجو، ولم يتحرك المعنيون بالجدية ذاتها التي يتحركون بها لترتيبات لقاء البطريرك، وهنا يكمن بيت القصيد أو موطن المفارقة التي تصنع المغزى الأبرز من القصة، أن حياة الإنسان الحقيقية لا تساوي عند من يتقربون للرب ولرجاله من أجل نيل رحمة الآخرة شيئا.

إقرأ أيضا
مسلسل وعد إبليس

يوما ما سيعلم الجميع أمام الله في ما أخطأوا وفي من أخطأوا، وسترد المظالم إلى أصحابها، فقط المؤمنون بذلك هم من يتركون عدالة السماء تقتص لهم، أو تقتص منهم، فسر الصمت الغريب الذي اكتنف سانتياجو نصار كان إيمانا منه بعدالة لا بد أن تأخذ حقوق الناس منه يوما ما وأن تأخذ مجراها فيه على مرأى ومسمع من الجميع، بل ما يؤكد هذا الطرح فزعته التي روتها فيكتوريا جوثمان إحدى الخدم للصحفي الذي كان يجمع خيوط الرواية، الذي هو ماركيز بالطبع، حين رأى سانتياجو فيكتوريا تنزع أحشاء أرنب بري حي وتلقي بها للكلاب، قائلا لها: “لا تكوني همجية، تصوري لو أنه كائن بشري”.

وقائع موت معلن .. ماركيز يحاكم المجتمع: القيمة أم المصلحة ؟

نخلص من عدالة سانتياجو التي آمن بها حد الانتحار، إلى عدالة ماركيز، الذي وزع ذنب الموت المعلن في رقاب الجميع وليس القاتل فقط، العروس غير العذراء، الخدم، رجال الدين، حاكم البلدة، إلى آخر الأشخاص الذين لم يتحركوا لمنع الجريمة، فهناك من صنعها وهناك من نفذها وهناك من وقف متفرجا، وهناك من حاول محاولات يائسة لا تجدي نفعا، ولا ترقى لكلمة محاولة، بل كانت أشبه بمن يفكر في المحاولة ولم يفعل، نظير حيرة داخلية دفعته للتردد هل أنقذه أم لا، صاغها اللاوعي في جدلية أثرت على الإيقاع السريع وأفضت إلى النهاية المحتومة التي كتبها ماركيز في أول جملة.

“وقائع موت معلن” أو “قصة موت معلن” تحمل في عنوانها المفارقة ذاتها التي رسخها النص في ذهن المتلقي، وهي إن كانت الحاجة معلنة والكل يعرفها لماذا لم يمنعها أحد، وهذا هو جوهر الواقعية السحرية في قاموس ماركيز الأدبي، حكاية واقعية أغرب من الخيال، تشير فيها أصابع الاتهام إلى نموذج مصغر من مجتمع كبير، يعرف دائما الصحيح من الخطأ، ولكنه لا يتحرك لمنع الخطأ نتيجة صراع داخلي بين المفروض والمفترض، بين القيمة والمصلحة، قيمة إنقاذ حياة إنسان حتى لو كان مستهترا، ومصلحة التخلص منه ومن استهتاره، وبمد الخط على استقامته نجد دائما هذين التفكيرين يحكمان تصرفات الوعي الجمعي لأي مجتمع، أيهما أولى: القيمة الإنسانية أم المصلحة؟

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
Share

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان