تقرأ الآن
ولا زالت أخلاق الحارة موجودة في الواقع الرديء

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
267   مشاهدة  

ولا زالت أخلاق الحارة موجودة في الواقع الرديء

الحارة
  • باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال


(1)
في العصر تحول الهدوء المعتاد في الحارة التي أقطنها إلى صخب، فالحارة هادئة ولا تحدث الجلبة بها إلا نادرًا بفعل لعب الأطفال وأحيانًا سهرة للشباب.

كنت أجلس على مكتبي في غرفتي بالمنزل الكائن في عطفة الصدر المتفرعة من أحد كفور شارع المنصورية وأنا أتابع العمل، وفجأة سمعت كلمات بصوت عال من عم إبراهيم وغير مفهومة «الدخان .. الغاز .. الكهرباء»؛ حسبته يتكلم مع الأطفال ليمنع شقاوتهم، وما هي إلا دقيقتين حتى وصلت رائحة الدخان إلى أنفي.

(2)

حريق العطفة
حريق العطفة

نظرت من الشرفة فوجدت أن أحد مصانع الأوراق أُضْرِمَت فيه النيران نتيجة ماسٍ كهربائي، فقلت لصديق السكن مصطفى مختار أن هناك حريقًا في المنزل المقابل لنا، لم ننطق فتخلى مصطفى عن رفيقه “الهاتف المحمول” وتركت أنا مُسْتَعْبِدِي “جهازي” ونزلنا لإطفاء الحريقة.

اقرأ أيضًا
السمين نوستالجيا وسيكولوجيا “حلويات البهائم وطقوس اللغوصة”

من المؤكد أن مصطفى مختار كان يحركه وازع الشهامة والإنسانية بينما أنا لم أتحرك من هذين الدافعين وإنما لسببين آخرين أولهما لأني جبان جريء !، فأنا لدي عقدة من النيران بدأت منذ صغري فقد كانت لي زميلة أحببتها في الابتدائي وماتت في شهر رمضان وحزنت عليها جدًا وفي العيد توجهت لبيت جدي ثم اندلعت النيران في منزلٍ مجاور وامتدت إلى أن جاءت لخوص البوص الذي أجلس فيه مع أختي وأخي ووجدتني محاطًا بالنيران وأنا أرقبها وهي تقترب مني ولم أحرك ساكنًا من «الخضة» ليس الخضة من الحريق وإنما الخضة من موت زميلة الفصل وكأني أردت اللحاق بها، فنزلت لأكسر جُبْنِي القديم مع النار.

أما ثاني الأسباب فكان التعرف على الواقع، فعلى السوشيال ميديا أحس أن الواقع سوداويًا والدنيا نضب فيها الخير، فأردت أن أعرف هل لا زالت الخيرية موجودة بداخل المصريين ؟، وجدتها في مصطفى لكن أردت أن أراها في أهل الحارة.

(3)

محرر الموقع مع عم إبراهيم
محرر الموقع مع عم إبراهيم

مسافة نزول درجات السلالم كان عم سعيد المؤذن قد تمكن من كسر باب المصنع، أما عم إبراهيم الكهربائي فكان بين نار الحيرة لتدارك الأزمة قبل أن تتفاقم ونار الحريق، فتمكن من فصل التيار الكهربائي عن العطفة بالكامل حتى لا تتأزم الأمور ويدخل الغاز الطبيعي في الماس الكهربائي، ثم قام بفتح منافذ لإنقاذ بضائع المصنع.

كأسدٍ صهور دخل مصطفى مختار إلى قلب منبع الحريق وتحمل سَمُوم النيران وهو يحاول إنقاذ أهم البضائع من الكراريس والكشاكيل صارخًا بأن يأتوه بأي طافئات حريق، لكن دخان النيران كانت أقوى من أن ينصت له أحد وألسنة اللهب التي تخرج باتت سدًا منيعًا، يأس مصطفى مختار خاصةً بعدما أصيب إصابات طفيفة أثناء نقله للمكاتب الخشبية لأنها سريعة الاشتعال مثل الورق.

أما أنا فحاولت التقدم لكن مصطفى مختار صرخ وقال «طلع الحاجات برة» حاولت أن أفعل مثله لكني فهمت مقصده فالنيران تقترب أكثر وأكثر.

كنا 5 بداخل المصنع ومسافة هذا الحوار تحول الـ 5 إلى خمسين بين مصريين وآسيويين من ماليزيا وإندونيسيا بمختلف أعمارهم كل يناول الآخر المئات من كميات الكراريس والكشاكيل في فوضى منظمة لم تدم سوى دقائق قطعها رجال الحماية المدنية.

إقرأ أيضا
قاسم أمين

(4)

حريق آخر للعطفة
حريق آخر للعطفة

لعل هناك 3 أمور غير تقليدية لفتوا انتباهي في هذه القصة العادية أولها أن أغلب الجيران ممن ساعدوا بعضهم لإطفاء الحريق كانوا على خصومة فيما بينهم فهم لا يكلمون بعضهم، لكن خافوا على بعضهم البعض فعملوا كخلية نحل.

أما ثاني الأمور فكان موقف الأطفال الأشقياء المزعجين الذين يسوموني كل يوم سوء الضوضاء، ففجأة تحولتهم شقاوتهم إلى حراك في المساعدة فكانوا يحرسون البضائع التي أنقذناها دون اللعب فيها أو بها.
بينما كان ثالث الأمور فتمثل في نزعة روح الضيافة التي تحلت بها زوجة عم إبراهيم الكهربائي، فبعد أن خمدت النيران وأنهى رجال الأمن تحقيقهم وانصرفوا تاركين رجال الإطفاء يتممون عملهم، ذهبت لمنزلها وأحضرت لهم الشاي والماء ولولا أن الظرف غير مناسب لجهزت لهم العشاء.

الكاتب

  • باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان