
مسلسل معاوية.. بداية غير مبشرة

-
رامي يحيى
شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني
كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال
مجرد الإعلان عن عرض مسلسل معاوية خلال شهر رمضان، أعاد فتح واحدة من القضايا الخلافية بين المسلمين؛ وهي قضية تجسيد الشخصيات الدينية “زي الأنبيا” أو التاريخية اللي خدت بُعد ديني “زي الصحابة”. وهو موضوع طرحته بالتفصيل في تالت حلقات الموسم الخامس من سلسلة الثوابت الوهمية.
أقرأ أيضا التجسيد.. من رسم الأنبيا إلى تقديس الصحابة
أكيد مش هاحكي تاني في موضوع منشور من سنة، إنما عن المسلسل نفسه؛ بالتحديد الحلقة الأولى
بداية غير مبشرة
مفهوم ضمنا إن الأعمال الدرامية مهياش كتاب تاريخ ولا بحث علمي؛ بالتالي فيها مساحة مش لتدخل الرؤية الفنية لصناع العمل[1]، بس كمان ناخد في اعتبارنا إن دعاية قدمته بوصفه عمل تاريخي.
نزيد على ما سبق إن التاريخ العربي/الإسلامي قايم على روايات بعضها متناقض.. وأي واقعة ولا رواية ندور وراها هنلاقي فيها “قولان” وتلاتة وأربعة، وسبق كتبت عن التفصيلة دي تحديدا باستفاضة في مقال عن ذاكرة العرب.
بس رغم كل ده مافيش لا منطق ولا مبرر درامي يخلي صناع مسلسل معاوية يغيروا في وقت الولادة، الحلقة الأولى بتبدء بمشهد ميلاد معاوية بن سفيان.. ومكتوب على الشاشة “مكة العام الثالث عشر قبل الهجرة”، وده تاريخيًا غلط.
أولًا: تم الاصطلاح بحثيا على التأريخ لمرحلة ما قبل الهجرة بقبل البعثة “نزول الوحي” وبعدها، بس هنعديها من باب إن صناع العمل عايزين يبسطوا الموضوع على الجمهور فوحدوا التأريخ بقبل وبعد الهجرة.
ثانيًا: بالرجوع لابن حجر العسقلاني في كتابه “الإصابة في تمييز الصحابة” هنلاقي لواقعة ميلاد معاوية 3 روايات: “ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل بسبع، وقيل بثلاث عشرة. والأول أشهر“، ولما تكون الهجرة -في أشهر الروايات- حصلت بعد عشر سنين من البعثة.. يبقى معاوية أتولد قبل الهجرة بخمستاشر سنة ويُقال سبعتاشر وفيه ناس تالتة بتقول تلاتة وعشرين، والرأي الأولاني هو الأشهر. يعني في كل الحالات مافيش تَلَتاشر.

مآخذ فنية
الحلقة الأولى من مسلسل معاوية يمكن أن يؤخذ عليها بعض النقاط الفنية، واللي في النهاية خاضعة تماما لصناع العمل، زي إن كل حياة الشخصية الرئيسية قبل الإسلام تنضغط في حلقة واحدة فمانقدرش نشوف فترة التكوين وتأثيرها على شخصيته. أو إن يتم المرور بسرعة وخفة على أحداث فارقة في تاريخ الشخصية وتاريخ عيلته والدولة اللي هيقودها مستقبلا.. زي معركة بدر ومعركة أحد.
وبشكل عام ماظهرش نهائي أي ملمح من ملامح الجانب السياسي للصراع بين النبي وأتباعه في مواجهة القرشيين؛ وهو صراع معاوية أتربى في بيت من أهم بيوت صناعة القرار القرشي وقتها؛ فالطبيعي إنه كان له تأثير -لا يمكن إغفاله- على تكوين عقليته السياسية كواحد من أهم السياسيين في تاريخ “دولة الخلافة”.

إسلام معاوية
فيه روايتين لواقعة دخول معاوية الإسلام، رواية عند كل المؤرخين من مصادر كتيرة.. وهي إنه اسلم مع من أسلموا من القرشيين يوم فتح مكة، أو من عُرِفوا تاريخيًا باسم “الطلقاء”.

ورواية تانية مصدرها الوحيد معاوية نفسه، وتم ذكرها في كذا مَرجِع منهم سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي:
“حدثنا محمد بن عمر، حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن عمر بن عبد الله العنسي، قال معاوية: لما كان عام الحديبية، وصدوا رسول الله عن البيت، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرت لأمي، فقالت: إياك أن تخالف أباك، فأخفيت إسلامي، فوالله لقد رحل رسول الله من الحديبية وإني مصدق به، ودخل مكة عام عمرة القضية وأنا مسلم. وعلم أبو سفيان بإسلامي، فقال لي يوما: لكن أخوك خير منك وهو على ديني، فقلت: لم آل نفسي خيرا، وأظهرت إسلامي يوم الفتح، فرحب بي النبي وكتبت له“.
فإذا عَدينا إن أمه، هند بنت عتبة، مارحتش فيها.. وإن أبوه عدا الموضوع، وفوتنا إن الإتنين -بعد إسلامهم- ماحدش فيهم حكى القصة دي لأي حد.. ساعتها هنقدر نتفق مع صناع العمل إن معاوية أسلم قبل فتح مكة.
بس هنرجع نختلف معاهم في تفاصيل تانية:
- إنه أتعلم الوضوء والصلاة رغم إنه أسلم مع نفسه ومافيش حد كان عارف عشان يعلمه.
- إنه ماكنش يعرف بوصول جيش المسلمين، رغم إن تاريخيا جيش المسلمين بات ليلته على حدود مكة، وأبوه نفسه (أبو سفيان) راح قابل النبي في معسكر المسلمين، زي ما ورد في مقال فتح مكة لأمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، د. علي الصلابي.
- لو كان مايعرفش بوصول جيش الفتح.. إزاي ماتفاجأش من مقولة “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن”.
والتفصيلة الأهم هي “أسطرة الشخصية”؛ فتقديم معاوية في صورة الشاب المتشكك في دين أهله منذ نعومة أظافره، وهي حكاية لم ترد عند الأولين ولا الآخرين ولا حتى معاوية جاب سيرتها في روايته عن إسلامه، واختلاق مشهد لا له علاقة بالتاريخ ولا بالدراما ولا بأحداث الحلقة.. عشان البطل الأسطوري يقابل العرافة العميا وتقولّه كلام مسجوع وبلاغي كله حِكم ومواعظ وكله إشارات للطريق اللي الشخصية هتمشي فيه، كل دي خطوات كلاسيكية في سكة خلق هالة أسطورية للشخصية ومصيرها.. حاجة كده من ريحة الملاحم اليونانية القديمة.

ختامًا
من الواضح إن مسلسل معاوية مصروف عليه إنتاجيًا كويس ومتعوب عليه في التنفيذ، لكن تبقى مشكلته الرئيسية هي موضوعه.. شخصية معاوية بن أبي سفيان؛ كأحد أكتر الشخصيات الجدلية في تاريخ الإسلام إذ كان لاعب أساسي في الصراع السياسي المؤدي لانقسام المسلمين حتى يومنا هذا بين سنة وشيعة، بالتالي فتناول حياته من الصعب جدًا أن يخلو من الانحياز السياسي أو المذهبي.. اللي بطبيعة الحال هيأثر على التناول والعرض.
[1]) المقصود بـ “صناع العمل” هو المخرج (طارق العريان) + فريق الكتابة (خالد صالح، محمد اليساري، بشار عباس)
الكاتب
-
رامي يحيى
شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني
كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال
ما هو انطباعك؟







