رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
523   مشاهدة  

أغنيات في الذاكرة : في قلب الليل … عندما تصل الأغنية إلي قمة تطورها.

  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


Share

 “فكرتي ليست محدودة وإنما هي البحث عن لغة وفق ما يرضاه الناس، فأخذ موقعي وقدراتي بهذا بتبسيط ليس به تسطيح يستطيع أن يحدث صدى عند الناس، فأغلب الممارسات الفنية حاليا غير جذابة لا تغتصب المستمع وتشده، واقصد هنا بالجاذبية النوع العالي منها الذي يؤدي إلي تفكير مفيد وتعميق لتفكير جيد، وكل الموجود على الساحة الآن ليس به هذا وأنا أفضل نفسي عن كل الموجود لأن لي شكلى الخاص وليس لي شبيه يقلدني”

تلك كانت كلمات الشاعر عصام عبدالله في مقابلة مع الصحفيان إبراهيم عيسى وعبد الله كمال والتي نشرت في كتابهما المشترك “الأغنية البديلة” عام 1988.

هذه الكلمات تكشف جانبًا كبيرًا عما كان يريده عصام من كتابة الأغنية، البحث عن لغة جديدة وتكنيك كتابة مختلف حتى عند تناول موضوع تقليدي، ومزج كل هذا ببساطة دون تسطيح وتكثيف مدهش لا يشتت المستمع، بل يستطيع لفت نظره كل مرة أو كما وصفه بلفظ قد يراه البعض فظ “تغتصبه”.

لم يكن هذا التصريح مزايدة على شعراء الوسط الغنائي أو يحمل بعض النرجسية وتضخم في الذات، لأنه ببساطة كان قادر على وصف نفسه كشاعر أغنية، واستطاع فرض أسلوبه وتناول المواضيع بشكل جديد ومختلف سواء كانت عاطفية أو إنسانية أو حتى في أغاني الأطفال، ويمكن الرجوع إلى أرشيف أغانيه منذ البداية نلمح التطور الذي أحدثه في الأغنية المصرية وجعله في زاوية منفصلة عن بقية شعراء الأغنية، كان مدرسة جديدة مستقلة لم تكن امتدادًا لمن سبقوه ولم يستطع احد تقليده حتى الآن.

في النصف الثاني من الثمانينات وصل عصام بأغنياته إلي أقصي تطور شهدته الأغنية المصرية، أو كما عرفت فيما بعد بالأغنية البديلة، لكن تبقى الأهم في كتابات تلك الفترة أغنية ” في قلب الليل” التي صدرت في أواخر الثمانينات في ألبوم حمل اسمها.

اقرأ أيضًا

أغنيات في الذاكرة : الشاطر حسن .. ملحمة هشام نور الخاصة

الكلمات:

تتجلى في تلك الأغنية ملامح الثورة التي أحدثها عصام عبد الله في كتابة الأغنية، نحن أمام أغنية تحمل طابع الأفلام السينمائية القصيرة، ربط مدهش بين الزمان والمكان، استخدام الرمزية بطول الأغنية دون أن تتوه في تفسير ما المقصود، والأهم هو اللغة التي مزجت بين الفصحى وبين العامية مع شلالات من المفردات والتراكيب اللغوية البكر التي نراها لأول مرة في أغنية مصرية.

تفتتح الأغنية بشكل كان مزيج ما بين الشعر وبين السيناريو، حيث حدد الزمان وهو “قلب الليل” مع وصف الأجواء المحيطة بإيجاز وتكثيف مدهش.

“في قلب الليل –  وعزف الصمت متهادي  كموج النيل – في قلب الليل – وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل- وما في حد في الشارع – سوى مهر اتربط جازع – في شجرة صنت وأنا والصمت في برد الليل وخوف الليل”

تراكيب لغوية ومفردات تضعك في قلب الحدث، وكأنك تشاهدها لا تسمعها، ومن السهل تفسير أن المهر ما هي إلا فتاة ألقت بها الظروف في طريق الراوي في تلك الليلة الباردة الساكنة تمامًا تمنحك تشويق لما ستفسر عنه بقية القصة.

تبدأ الأحداث في التصاعد في المقطع الثاني مع اقتراب الرواي من المهر المربوط الذي يكسر صهيله صمت المكان.

“وصهل المهر لم أفهم أخوف مني أمتعاجب – سألت المهر لم يفهم كلام مني ولا جاوب – وكان في عنيه بريق مني – كأنه كان بيسألني – وقفت أنظر له ينظر لي وانظر له وينظرلي ولما صار كما خلي – فتحنا أبواب حكاوينا – وتهنا في أغانينا – في برد الليل وخوف الليل وحزن الليل”

يحافظ عصام على نفس النسق بتكنيك صياغة مدهش ومفردات من قاموسه الخاص المدهش جدًا، مع حرية كاملة في تغيير القالب الشعري وكأننا أمام عدة مشاهد منفصلة تحكي لنا قصة واحدة بتماسك شديد.

تبلغ الأحداث ذروتها في المقطع الثالث الذي يعتبر أهم مقطع في الأغنية كلها، بل ومن أعظم ما صاغ عصام على الإطلاق.

“وكان في جيده قيد جارحه –  وقيد في جيدي ما لمحه- لكن حاسه اكيد حاسه- وفجأة لاقينا أحلامنا – وصهل الفجر في عيونا – مسكت قيوده فكتها – صهل بمعاني حستها – وصار يجري و ينساني – وأنا بجري في طريق تاني – في برد الليل وخوف الليل – وحزن الليل”

نلاحظ هنا تكسير لقواعد اللغة في الاغنية التقليدية فنجد تلاعب بألفاظ ومفردات غير مألوفة على الأغنية مع محسنات بديعية من جناس وطباق وكأنه يمتلك شفرة خاصة وأسلوب متفرد، مع الحفاظ على تماسك الفكرة والرمزية في التناول.

يعج هذا المقطع بالرمزية التي تفتح الباب لعدة تأويلات، فالاثنان الراوي والمهر في أسر واحد كل حسب قيده، فالراوي يلمح القيد المعلق في عنق المهر، والمهر يشعر بأن الراوي يعاني من قيد آخر مماثل لم يراه لكنه أحس به، وان ما بدأ في فك القيود حتى انطلق المهر يبحث عن حريته بعيدًا عن من قام  بتحريره الذي اختار أن ينطلق إلى طريق آخر.

كان من الممكن أن تنتهي الأغنية عند هذا المقطع لكن اختار أن ينهي عصام القصة بشكل سلس وبسيط.

“وبعد كتير في ليل تاني – لقيته لوحده من تاني – في جيده و قيده قيد تاني – صهل تاني  ماردتش – وباقي لوحدي أنا بمشي – في برد الليل وخوف الليل – وحزن الليل”

هذا المقطع يكشف عن شخصية عصام الحقيقية التي تعتز بنفسها جدًا ولا تقع في الفخ مرتين، فالقيد هذه المرة لم يكن في الرقبة بل في اليد وعندما همس إليه لم يلتفت إلي المهر واختار الصمت والرحيل، ويتداول بعض أحباء عصام أن الأغنية قصة حقيقية حدثت له بالفعل.

الموسيقى:

إقرأ أيضا

صاغ الموسيقى مودى الإمام والذي كان على مستوى الحدث تمامًا، فصنع موسيقى تممت الحالة وكانت بمثابة شريط الصوت المصاحبة لتلك القصة السينمائية القصيرة.

لحن الأغنية على مقام النهاوند، وهو مقام يسهل تطويعه لما تريده، واختار مودي أن تكون جمل اللحن تعبيرية أكثر منها تطريبية، مع تنويع في الأفكار حيث لكل مقطع لحنًا منفصلًا.

من البداية يدخلنا مودي الإمام في الأجواء مباشرة، مؤثرات صوتية تعمل صوت الرياح، ايقاع يشبه الركض، مع حليات من الكيبورد تعطينا تشويق وإثارة، وصولو من الكيبورد أجاد اختيار صوته الذي يشبه صهيل الخيل، كلها على مقام النهاوند تتصاعد لتصل إلي الذروة ثم تهبط فجأة لتسلم الغناء بسلاسة.

جملة بداية الغناء تشعر وكأنك أمام راوي يصف لنا الأجواء يصاحبه زخرفة موسيقية مكونة من خطين من الكيبورد.

اختار مودي جملة بسيطة في الفاصل الموسيقي بين المقاطع، تتغير تسليمها على حسب جملة اللحن في كل مقطع، جملة اللحن في الفاصل الثاني جاءت رومانسية مطابقة لمضمون الكلمات، تسير خلفها كوردات تشبه الوتريات معزوفة بالكيبورد، الفاصل الثالث جاء بجمل تعبيرية جدًا خصوصًا في التطويل المقصود في جملة “وصار يجري وينساني” مع دخول آلة العود لأول مرة، جملة الفاصل الأخيرة كشفت لنا عن جملة الفاصل الرئيسية أو لزمة الأغنية لكنه قطعها فجأة ليدخل المقطع الأخير القصير جدًا والذي عبرت عنه جملة اللحن بأسي وشجن، مع أصوات من الكيبورد تشير إلى أن المهر كان يستجديه لفك قيده مرة أخرى، لتدخل بعد ذلك جملة الفاصل الرئيسية التي ظهرت بالكامل في آخر الأغنية والمحاورة الرائعة بين الكيبورد والعود تتصاعد الحالة ثم تهبط فجأة ويحل السكون وتنتهي الأغنية.

أخرج مودي الإمام على طريقة اوركسترا الفرد الواحد حيث عزف أغلب جمل الأغنية بنفسه وهي البصمة التي تميز موسيقاه، وحاول على الحجار اقناعه بالاستعانة بعازف عود حتى استقرا على الملحن وعازف العود جمال لطفي الذي شارك في عزف الأغنية بعوده.

أداء على سهل ممتنع، صوته الرخيم القوي جعله راوي أكثر من رائع، وبرغم أن مودي لم يكن في ذهنه على الحجار وقت تلحين الأغنية إلا أن مودي أخرج أحلى ما في صوت على الحجار الذي كان في عز عنفوانه وقوته.

ظلت كلمات الأغنية حبيسة جيب مودي الإمام طيلة ثلاث سنوات، لا يعرف كيف يبدأ فيها وفي ليلة كان يتجول فيها صحبة عصام عبد الله ووقفا أمام أحد أكشاك بيع الجرائد لمح مودي رواية “قلب الليل” للأديب نجيب محفوظ فلمعت فكرة أن يبدأ الأغنية من جملة “في قلب الليل” بدلًا من “الليل حزين” وعرض الفكرة على عصام الذي غير في المقدمة لينهي مودي الإمام من تلحينها في نفس الليلة، ويعرضها على الحجار الذي كان يقطن في نفس العمارة الشهيرة في شارع معمل السكر جاردن سيتي الشهير بعمارة امباير.

ظلت في قلب الليل حبيسة جمهور على الحجار فترة لا بأس بها، حتى ألتفت إليها التليفزيون المصري منتصف التسعينات وقرر تصويرها على طريقة الفيديو كليب فنالت شهرتها الأكبر وحصدت جمهورًا جديدًا ولازالت تحصد حتى الأن ويتداولها الجمهور بنفس الابهار ويعتبرها البعض درة التاج في أعمال على الحجار.

الكاتب

  • محمد عطية

    ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com
Share

ما هو انطباعك؟
أحببته
8
أحزنني
0
أعجبني
2
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان