رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
184   مشاهدة  

أول ثورة اجتماعية عرفها التاريخ

وحدة

Share

كان القدر المحتوم لمصر منذ القدم ان تنهض وتزدهر فى عهد الحكام الأقوياء ثم ينتابها الضعف والوهن حين يضعف الحاكم ولا يستطيع ان يقدر قيمة البلد الذى يحكمه. تكمن قوة مصر فى وحدة شعبها ووحدة حكومتها المركزية التى كانت تمثل وحدة دولة واحدة مكونة من أرضين هما الوجه القبلى والبحرى بالرغم من وجود الفوارق الجعرافية بينهما وان هذه الوحدة الوطنية قد أدت الى ذلك الازدهار الكبير فى حضارة مصر بأكملها.

وبعد ان وصلت الحضارة المصرية الى أوج عظمتها فى عصر الدولة القديمة وهو عصر الأمن الداخلى الكامل حيث تمكنت مصر ان تصل الى قمة مجدها فى علوم الطب والفلك والهندسة وهو عصر بناه الاهرامات.

أنتهى عصر بناه الاهرامات نهاية مأسوية فى أواخر عصر الأسرة السادسة عندما وصل الى عرش مصر ملك طفل اسمه (بيبي الثاني – نفر كارع) كان عمره ست سنوات، جاء خلفا لاخيه الملك (مرى ان رع)، وكانت امه وصية على العرش، وكان خاله ( الامير جاو ) وزيرا للبلاط الملكى وصاحب اليد العليا فى تصريف شئون البلاد.

تعد فترة حكم الملك بيبي الثاني من أطول فترات الحكم فى التاريخ حيث حكم مصر ما يقرب من 94 عاما، ( 2278 – 2184 ) قبل الميلاد، وتوفى عن عمر يناهز 100 عاما.

كان لطول مدة حكم الملك بيبى الثانى وكبر سنه اثره فى عدم قدرته على اخضاع حكام الاقاليم لسلطانه، مما أدى الى زيادة نفوذهم واصبح كلا منهم يعتبر اقليمه مملكة صغيرة مستقلة يديرها كيفما يشاء، فانهارت الحكومة المركزية بكافة مؤسساتها وانعدم وجود الاحساس بفكرة الوطن المترابط الذى يعرف فيه الفرد حقوقه وواجباته.

كما امتنع حكام الاقاليم عن دفع الجزية، وأهملوا القوانين، وطردوا الموظفين من وظائفهم، وأهملوا إصلاحات الآراضى والرى، وفرضوا على الناس الضرائب الجائرة. وانضم اليهم الكهنة خوفاً على أوقافهم، يبيحون لهم كل منكر غير مبالين بالفقراء وما يعانون من فقر وذل وقهر.

وكلما قصدهم مظلوم طالبوه بالطاعة والصبر ووعدوه بحسن الجزاء فى العالم الآخر، وبلغ من الناس اليأس فلا حاكم عادل ولا قانون يسود ولا رحمة تهبط.

كل ذلك والملك الكهل قابع على عرشه تصوّر له بطانة السوء أن الامور تسير على ما يرام.

كان لكل ذلك أثره البالغ فى نفوس المصريين القدماء، مما أدى بهم الى حالة من السخط والغليان، وإعلان العصيان، والتعبير عما يجوش بداخلهم من قهر وذل، محطمين حاجز الخوف بداخلهم إيذاناً باندلاع أول ثورة اجتماعية عرفها تاريخ العالم احتجاجا على الظلم والفساد.

أدى تردي الأحوال فى مصر القديمة إلى ثورة فوضوية غير منظمة أتت على الأخضر واليابس، فعمت الفوضى أرجاء البلاد وزاد السلب والنهب فى غياب الأمن.

وتهيأت الفرصة للشعوب الأجنبية المحيطة بمصر أن تتسلل إلى البلاد لتمارس أعمال السلب والنهب ومحاولة السيطرة على مقاليد الأمور.

ولم تكن ثورة سياسية منظمة طبقاً لمعايير ومفاهيم الثورات الشعبية.

فقد وصفها المؤرخ المصري الكبير “سليم حسن” بأنها كالثورة البلشفية تماماً، فقد حطمت وهدمت كل شىء.

وأفضل ما قيل عنها سجله المؤرخ الحكيم (إيبو ور) فى كتابه (صرخة نبى) إذ وصف حال مصر فى عهد الملك العجوز “بيبي الثاني”، وهو تحفة أدبية كتب فيه يقول:

’ان الناس قد جاعت وماتت من الجوع، ولأن الناس عاجزون عن دفن موتاهم فقد نشطت صناعة الدفن، والعاجزون عن الدفن كانوا يلقون الجثث فى النيل حتى أصبحت التماسيح ضخمة بسبب هذه. ولم يعد يُستورد خشب الأرز من لبنان لصناعة التوابيت، وهجم الناس على قبور الملوك وهجموا على طعام الخنازير، فلم يعد أحد يضحك، وحتى الأمهات لم يعدن ينجبن، والمرأة التى كانت تملك المرايا لم تعد ترى وجهها إلا على سطح الماء، ولم يعد أحد يحترم الكبير ولا العالم ولا رجل الدين ولا أبويه. وكان الناس يقولون “يا ليتنا متنا قبل هذا”، وكانت الأطفال تقول “لماذا أتوا بنا؟”، واللصوص صاروا أغنياء ولم يعد أحد منهم فى حاجة إلى أن يتزوج، ففى فراشه كثيرات من بنات العائلات الغنية من أجل الطعام والشراب والمأوى، ولا أحد يخاف من رجال الأمن ولا النبلاء ولا الكهنة. والأسر المالكة كلها لم يعد لها وجود، إنها تتوارى أو تهرب أو تلقى بنفسها في النيل‘.

وقد استمرت تلك المصيبة الكبرى التى حاقت بمصر القديمة نحو 218 عاماً ( 2258– 2040 ) قبل الميلاد، وبدأ عصر تاريخى غامض سُميَّ بعصر “الاضمحلال الأول” الذى استمر خلال حكم الأُسرات من السابعة حتى النصف الأول من عصر الأسرة الحادية عشر.

وبذلك أسدل الستار عن فترة حاسمة من تاريخ مصر، غير أن مصر الولاّدة دائماً ما تنبت من تربتها الحضارية الخصبة بعضاً من أبنائها الأدباء والحكماء الذين رفضوا أن تصل بلادهم الى ما وصلت إليه، وهم على يقين بأن يوماً سوف يأتى تعود فيه مصر إلى وحدتها وقوتها ويظهر من نبتها حاكم عادل يوحدها ويوفر لها الأمن والطمأنينة فى نفوس المصريين. وكان هناك أرصدة من النضال مهّدت إلى فرض العدالة على نظام الحكم، فلم تكن مبادىء العدالة التي طالب بها الشعب المصرى نبتاً شيطانياً خرج فجأة.

فجاء إلى مصر حاكم عادل اسمه (أمنمحات الأول)، مؤسس الأسرة الثانية عشرة، وكان ينتمى إلى أسرة شعبية ليست من سلالات الملوك السابقين، وقد تولى عرش مصر حوالى عام 2000 قبل الميلاد.

استطاع (أمنمحات الأول) أن يُوحّد الوجهين القبلى والبحرى ويُعيد الدولة المصرية إلى ما كانت عليه خلال فترة زهو عصر الدولة القديمة (من الاسرة الثالثة حتى السادسة)، واعتمد هذا الملك على الشباب فى تحقيق هذه الوحدة وتكوين الجيش المصرى الملكى، وهم الذين أعادوا هيبة الملكية ورسخوا ثانيةً سلطة الحكومة المركزية وكافة الإدارات الإقليمية التابعة لها. وزاد إقبال الشباب على الالتحاق بالخدمة العسكرية للانضمام إلى الجيش المصرى.

وقد طالب المصريون القدماء فى ذلك العصر بإعلاء قيمة الفرد العادي من أبناء الشعب، وأن يكون له الحق فى أن يعيش فى حياته الدنيا كريماً غير مسلوب ولا مقهور، وأن يعيش أيضاً في الحياة الأخرى ليُحاسب على عمله – مثله فى ذلك مثل الملوك والنبلاء – وفقاً لمعتقداته آن ذاك.

إقرأ أيضا
القدر

وشجع الحكماء الناس على المطالبة بحقوقهم بطريقة شجاعة لا خضوع فيها من المحكومين للحكام، ونادوا بأن كل إنسان مهما علا قدره سيحاسب أمام الآلهة على ما جنت يداه، ونصحوا الحكام بألا يظلموا أحداً مهما تواضع شأنه، وأن يسيروا على راحة الرعية وتوفير الخير للجميع.

ولعل من أبرز ما قيل فى هذا الشأن هو قصة “الفلاح الفصيح” التى يرجع تاريخها إلى عصر ما قبل الدولة الوسطى بسنوات قليلة، فقد وضعت بين سطورها أوضح المبادىء لتقنين العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ووصف الحاكم أن يكون خالياً من الشراهة والطمع، شريف بعيد عن الدنايا، مُهلِكاً للكذب ومشجعاً للصدق والعدل، يُلبى نداء المستغيث وأن يقف ضد المغتصب، يكبح جماح اللصوص والمرتشين وأصحاب الدعاوى الكاذبة، وأن يقضى بالحق دون أن ينحاز إلى جانب أو أن يتحزب لشخص ضد آخر أو لجماعة ضد أخرى، وأن تكون مهمته المحافظة على حرمه القانون.

ودخلت مصر طوراً جديداً، وطويت صفحة مظلمة من تاريخها، لكن ظلت هذه الثورة متجذرة داخل وجدان المصريين، ورسخت في وعى أبنائها أعظم معانى الوجود الإنساني .

وأمام هذا المشعل الحضارى الساطع الذى رفعه فلاحنا الفصيح منذ آلاف السنين ليضيء الطريق أمام البشرية نحو الدساتير العادلة التي تحدد العلاقة بين الحاكم والشعب، وتحافظ على قيم الحق والعدل والمساوة، مما يعكس أصالة مصر وتاريخها الحضاري الضارب في عمق التاريخ .

 

إقرأ أيضاً

الخط الهمايوني ومصر .. كيف كان التخلص منه عاملاً في تدعيم الوحدة الوطنية

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
Share

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
6
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان