رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
178   مشاهدة  

الأديان هي اللي بتمارس أزدراء الأديان

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي وتجديد الخطاب الديني

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال


المهدي بن أبي جعفر المنصور، تالت خلفاء العباسيين، تولى الحكم عشر سنين من 775 لغاية 785م، خلال الفترة دي أسس ما يعرف باسم ديوان الزنادقة، وهو عبارة النسخة الإسلامية/العربية من محاكم التفتيش المسيحية/الأوربية، وإن كان للعرب المسلمين الريادة في هذا المجال اللا-إنساني.. حيث تم تأسيس ديوان الزنادقة قبل تأسيس محاكم التفتيش في أوروبا بحوالي 5 قرون كاملة.

تجاوز الجانب الأوروبي تلك الحفرة الزمنية، وأطلقوا عليها “عصور الظلام”، وما زلنا في شرقنا البائس عالقون في العصور الوسطى، ونسمي تلك الفترة البشعة “بعصور العزة”.. ولسه رجال الدين حدانا من أصغر إمام زاوية لحد الإمام الأكبر بيتباكوا عليها ويتمنوا عودتها بكامل رونقها الدموي العنصري.

الماضي يحكم الحاضر

رغم سقوط الخلافة إلا أن إرثها البشع لسه ماسك في تلابيب حاضرنا المُعاش، أو يجوز إحنا اللي متعلقين في حبال الماضي الدايبة، إنما الأكيد أن “ديوان الزنادقة” لسه عايش بينا تحت اسم “قانون إزدراء الأديان“.

قال أبو الطيب المتنبي: وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا.

وكأنه عايش بينا حاليًا وشايفنا وإحنا بنحاول نهندل حياتنا بحيث تتماشى مع قانون من الماضي السحيق.

منطقية الماضي

أي كان مواقفنا من ديوان الزنادقة ومحاكم التفتيش، بس مجازًا نقدر نقول إنهم منطقيين طبقًا لعصرهم ومنطلقاتهم. بعيد عن أن عدد مش قليل من مسلمين اليوم بيشوف محاكم التفتيش حاجة وحشة وديوان الزندقة حاجة حلوة، زي ما بيشوفوا أن دخول شخص للإسلام يندرج تحت بند حرية العقيدة وخروج شخص من الإسلام يستوجب تطبيق حد الردة، بس أنا هنا باتكلم عن نقطتين محددتين:

  • كل واحد منهم ظهر في “دولة دينية”.
  • كانت مهمة كل واحد منهم حماية دين واحد بس، بالتحديد مذهب واحد جوه دين محدد.

بخلاف وضعنا النهارده كدولة مدنية من المفترض إنها بتحترم حقوق المواطنة ومن ضمنها حرية الاعتقاد، دولة مواطنيها أمام القانون سواء لا تمييز بينهم على أساس الدين أو العرق أو اللون.. ألخ.

فكرة هيولية بألوان وردية

في ظل دولة بالشكل ده تصبح تهمة إزدراء الأديان أمر غير منطقي بالمرة، والكلام ده مش من باب حرية الرأي والتعبير نهائي.. إنما من باب عدم أمكانية تنفيذ قانون بالشكل ده في دولة تضمن الحق في الاعتقاد لعدد من الأديان والمذاهب، فالقانون ده بطبيعته غير قابل للتطبيق إلا لحماية معتقد واحد بس.

فكرة “احترام كل الناس لعقائد كل الناس” كويسة نظريًا، والكلام عنها في الخطابات والبيانات الرسمية بيعجب الجمهور، بس عمليا يستحيل تنفيذ فكرة بالشكل ده.

فلو أفترضنا إن “الجميع ملزم” باحترام معتقدات الآخرين وعدم ازدرائها.. بكتابة أو نشر أي كلمات أو مادة إعلامية تسئ ليها. أول ناس هيتحاكموا بسبب القانون ده همه رجال الدين.. وأول ناس هتعترض على القانون ده هيكونوا المؤمنين من مختلف العقائد.

دايرة الإزدراء المفرغة

كل دين شايف إنه هو دين الحق وكل الأديان التانية باطلة، وجوه الدين الواحد هنلاقي مذهب شايف نفسه الصح وباقي المذاهب خارجين عن الدين، وجوه كل مذهب هنلاقي كل فرقة شايفة نفسها الفرقة الناجية وباقي الفرق كلها في النار… وهكذا.

بالتالي كل فرقة جوه مذهب جوه دين.. بتكفر العالم كله، وأدبياتها مليانة تجريح في معتقادات الآخرين، فرفضي لقانون أزدراء الأديان مش بس دفاعًا عن حرية التعبير.. إنما الأهم عشان دماغنا ماتضربش.

لسبب ده محاكم التفتيش مهمتها كانت الدفاع عن المذهب الكاثوليكي المسيحي تحديدا، إنما لما الكنيسة الكاثوليكية ورجالها يزدروا أي مذهب مسيحي أو أي دين غير المسيحية مافيش مشكلة. فدلوقتي ياترى هنطبق القانون ده أزاي وإحنا عندنا أديان بتكفر بعض، وجوه كل دين في مذاهب بتكفر باقي زملاتها في الدين، أو ع الأقل خالص بيوصفوا عقيدتهم إنها فاسدة.

هل هينفع مثلًا نصادر كتب الأرثوذكس ونحبس رجال الدين بتوعهم لو وصفوا الكاثوليك أو الإنجيليين أن عقيدتهم فاسدة؟ طب هنعمل العكس مع المذهبين التانيين؟، طب هنحاسبهم كلهم إنهم شايفين (وبيعلموا أتباعهم) أن نبي الإسلام واحد من الأنبياء الكذبة؟، هل فيه مسيحي هيوافق على الكلام ده؟

طب هل هينفع نطبق القانون ده على القرآن؟ ويتم حذف أو منع استخدام بعض آياته بشكل علني، زي: الآيات (من 72-75/المائدة، 30/التوبة) ودول على سبيل المثال لا الحصر، ده طبعًا غير الأحاديث والروايات اللي بتتكلم عن تحريف التوراة والإنجيل ونفي ألوهية المسيح. وكل ده أزدراء للمسيحية واليهودية. فهل فيه مسلم هيوافق ع الكلام ده؟

الواقع المرير

واقعيًا مستحيل تطبيق القانون على رجال الدين ولا على الكتب المقدسة ولا أي من كتب التراث الديني، إلا لو كنا واضحين وتم إعلان أن القانون مهمته حماية مذهب محدد داخل دين معين. وفي الحالة دي هيبقى القانون غير دستوري.. لإنه ببساطة هيبقى عنصري وطائفي ويتناقض مع المادة 53 اللي سبق وتم ذكرها.

وبما أن الفرضية السابقة دي كمان ماينفعش تحقيقها إلا بإعلان مصر دولة دينية وتسليمها لجماعات الإسلام السياسي تحكمها، فهنلاقي نفسنا أخيرًا قصاد حقيقة الواقع اللي إحنا عايشينه النهارده، إحنا عندنا قانون معيب غير منطقي بالمرة.. وشديد الخطورة.

مصدر الخطورة

وجود قانون بالشكل ده هينتج لنا عشرات المتنطعين معسكرين قصاد الشاشات يدوروا على لقطة في فيلم ولا إعلان ولا كلمة في قصيدة يقدموا فيها بلاغ، وفي نفس الوقت كل واحد منهم يوميًا بيقابل ناس بتطرطر في الشارع ومابيخدش أي رد فعل ضدهم أو لصالح حل أزمتهم.

إقرأ أيضا
المسلمين

الواقع عبر عشرات السنين، منذ أحياء القانون ده في التمانينيات، قدملنا نماذج كتير لمشايخ وبرلمانيين ومحاميين ماعندهمش شغلانة غير اختلاق معارك عبثية    ضد إعلان أو كتاب أو غلاف مجلة أو كوبليه في غنوة.. باسم الدين أو الإله أو قيم المجتمع.

بنات للألم.. والأزمات المفتعلة

بنات للألم ديوان، للشاعرة أمينة عبد الله، صدر من حوالي سنتين، بيتناول معاناة الأنثى عمومًا والشرقية بالأخص، فطبيعي هيتقاطع وأزمات الأنثى في التشريعات الدينية، ولو أفترضنا “جدلًا” أن كلمتها تقع تحت بند الحرمانية.. قشطة هتبقى تروح النار أو ربنا يسامحها، مش قضية أي حد في الحياة.

لكن شائت الصدف أن نسخة من الديوان أو جزء منشور منه على الأنترنت يوصل لشخص علاقته بالشِعر تشبه علاقتي باللغة الصيني.. أو بيدور على صناعة تريند يشهره، أيهما أقرب.

المهم إنه قرر التنطع على مجال واضح إنه مايعرفش عنه حاجة، وإلا كان هيضم لبلاغه أسماء مئات الشعرا من صدر الإسلام لحد النهارده، مستغل هذا القانون غير المنطقي في تقديم بلاغ ضد الشاعرة تحت شعار “الدفاع عن الله”، وهو شعار شديد البؤس والهزلية.. عبرت عنه بدقة أحد التويتات الساخرة.

ختامًا

القانون ده وأي قوانين شبهه لازم تتلغي فورًا، مش بس عشان حرية الرأي والتعبير وحرية الإبداع، إنما عشان الحياة مش ناقصة جنان ولا عطلة.

وإلا مع الوقت هيتزايد عدد مجانيين الشهرة وهيتم شل دولاب عمل النيابة والقضاء والحياة العامة كلها بكم من البلاغات شديدة التفاهة عديمة الجدوى، أصحابها نفسهم مش منتظرين من وراها غير أنهم يبقوا تريند أو حتى يظهروا في الكادر.. أي كادر ولو للحظات.

الكاتب

  • رامي يحيى

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي وتجديد الخطاب الديني

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
5
أحزنني
1
أعجبني
3
أغضبني
3
هاهاها
3
واااو
4
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان