تقرأ الآن
نوستالجيا البتاو المقدس

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
140   مشاهدة  

نوستالجيا البتاو المقدس

البتاو

تعلم أمي أني أحب يوم الخبيز من صغري.. حتى بعد 18 عاما في القاهرة غربة وحرمان من أمي وخبيزها.. لا زالت أمي تتذكر أني أحب هذا اليوم.. ومتى تنسى الأمهات ما يحبه الأبناء؟.

البِتَّاو
البِتَّاو

لكن هذه المرة، وبعد غياب سنين حضرت طقوس خبيز البتاو في بيتنا في البرشا بمحافظة المنيا.. طوال تلك السنوات كانت لا تنسى أمي إرسال طبقات البتاو الناشف لي ولإخوتي في القاهرة.. لكن حضور الكرنفال المصاحب لصنعه أمر أخر بالطبع.. خصوصا بعدما تكبر وتدرك من ضمن ما تدرك عظمة هذا بكل تفاصيله.

خبز البِتَّاو
خبز البِتَّاو

مع استرجاع المشاهد “النوستالجية” قديمًا ليكمل الحنين اللوحة مع رائحة البتاو الطازج الخارج من خشم الفرن الجالسة أمامه أختي الكبيرة “أم رامز” وهي تساعد أمي.

كانت البتاوة الثانية من نصيبي أنا كالعادة القديمة التي تتذكرها أمي أيضا.. البتاوة الأولى دائما تجربة لاختبار نار الفرن ومسح بلاطته من الداخل..البتاوة الثانية تخرجها أختي “ملدنة” أي قبل أن تستوي تماما وتجف.. لترش أمي عليها السكر وهي ساخنة وملعقة سمنة بلدي.. ولو راجل كل.

كنت زمان التهم البتاوة وحدي كاملة.. وتصنع أمي غيرها لأبي وإخوتي.. اليوم لم استطع أكل ثلاث لقمات.. والحقيقة كانت تكفي نصف لقمة لاسترجاع كل تلك الحلاوة واللذة التي كنت أشعر بها وأنا طفل.

البِتَّاو
البِتَّاو

قالت لي أمي وأنا أصور عملية الخبيز مقادير عمل البتاو وطريقة عمله.. لصنع بتاو صعيدي بالمواصفات القديمة.. عليك وضع “تلتة” دقيق قمح على ثلاثة “تلتات” من دقيق الذرة الشامية.. والتلتة وحدة للكيل تساوي كيلو وربع تقريبا..يضاف على الدقيق الماء والملح والحلبة أو “الحياقة” بلغة الصعايدة.. ويتم عجنه وخبزه مباشرة.. بالطبع لا يصلح خبيز البتاو على أفران البوتاجاز.. مؤكد التدخل في تفاصيل صناعته التي ورثناها ستفسد كثيرا من صنعته ونكهته المميزة.. لذلك الفرن البلدي والجلة أو “البسوال” كوقود هما الأنسب للبتاو “الصعيدي الأصلي”.

اقرأ أيضًا 
رغيف العيش الجديد من الأسكندرية وحتى أسوان .. استهلاك مضاعف لمحاربة الجوع

يجب أن تعلم أني صدمت عندما علمت من أمي أن خبيز البتاو في قريتنا أصبح عادة قديمة، الناس بطلتها، واعتمد الأغلبية على “العيش أبو شلن”.. تخيل الفلاح المصري ترك “البتاو” الذي يأكله من أيام أجدادنا المصريين منذ 4 آلاف عام لصالح “رغيف التموين”؟.. نعم “البتاو” أيضا فرعوني.. حتى اللفظ نفسه مصري قديم.. وتعني الخبز المقدس.. وكان أجدادنا يعتبرونه طعام الآلهة.. تخيل نترك طعام الآلهة ونأكل “عيش التموين”.

إقرأ أيضا
تراث الشيخ الشعراوي

البتاو
خبز البِتَّاو

قبل 20 عاما فقط كان الوضع مختلف تماما.. فأنا أذكر أننا كنا لا نشتري العيش أبو شلن إلا نادرا.. فقد كان من العار في الصعيد زمان أن يأكل ميسور الحال “عيش المخبز”  بتاع الفقراء.. وكان لا يخلو بيت من “البتاو” والمنطط والعيش الشمسي والضلي وغيرها من الأنواع.. فالمصريون يعرفون أكثر من 100 نوع من المخبوزات طوال تاريخهم.. لكن الوضع الآن تغير.. مع زيادة الفقر وتكلفة الخبيز المرتفعة والمجهود المبذول فيه.. وقبل كل ذلك زيادة الفقر.. وأصبح الجميع يحمدون ربهم على “عيش التموين” ويدعون ليل نهار ألا تقطعه الحكومة وترفعه من الدعم، كما يسمعون من شائعات كل فترة.

البتاو
خبز البِتَّاو

يوم خبيز البتاو في الصعيد يوم شاق جدا.. يساهم فيه الجميع.. الأطفال والنساء.. وقبلهما الرجل الذي يذهب لطحن القمح والشامي في الطاحون.. تساعد أمي أيضا في اليوم “خبازة” تأخذ في اليوم 150 جنيها و30 بتاوة وقطعة صابون.. ومهنة الخباوة مهنة شاقة جدا.. ولابد أن تكون صاحبتها امرأة قوية البدن وصحتها جيدة.. لتجلس بالساعات تمسك المطرحة كبيرة الحجم، التي تحمل قطعة العجين الصغيرة وتهزها باستمرار لتتسع وتصير بتاوة كبيرة رقيقة تتلقفها أختي منها لوضعها في الفرن لتستوي.. وهناك خلف الفرن تجلس امرأة أخرى تتابع نار الفرن من كوة صغيرة وتلقفه بالجلة ليظل مشتعلا وتقلب بال “باشبوري” النار والرماد لتكون النار دائما في مستوى واحد من الحرارة الدائمة.. والباشبوري هو سيخ حديد طويل يستخدم لهذا الغرض.

خبز البِتَّاو
البتاو

تخبز أمي ثلاث مرات في العام.. تخبز كمية من البتاو تكفينا لمدة 3 أشهر دون أن يفسد.. شرط تخزينها في مكان نظيف جاف مرتفع عن مستوى الأرض.. وتغطى البتاو بالقماش الخفيف.. لكن الحقيقة أن كل مرة لا ينفذ البتاو في الفترة المتوقعة ويفسد القليل منه ليأكله الحمام بعد فركه.. وذلك بسبب اعتماد الأبناء والأحفاد في المنزل على أكل “العيش أبو شلن”.. فلقد تعودنا على “الوحش” وأصبح الحلو بالنسبة لنا أمر غريب وطعمه أغرب.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2020, كافه الحقوق محفوظة

اعلى الصفحه
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان