تقرأ الآن
التسعينيات آخر أيام الزمن الجميل

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
125   مشاهدة  

التسعينيات آخر أيام الزمن الجميل

جيل التسعينيات

منذ بزوخ العقد الأول للقرن العشرين، ترك كل عِقد فيه سمات تتباين عن الآخر، فجيل التسعينيات يختلف في العشرينيات والعشرينيات غير الثلاثينيات والأربعينات تختلف عن الستينيات والثمانينيات تتناقض.

وعوامل اختلاف سمات هذه العقود ليس راجعًا لمجرد تتابع السنوات أو استخلاف الأجيال، لكن ما يميز القرن العشرين عما سبقه من قرون مردوده بالأساس لما ألفه البشر من متغيرات وما صنعه الإنسان من إنجازات وتوسعات في بحار العلم والتكنولوجيا وإثارة الحروب المدمرة.

السينما
السينما

هذا النهم في التطور تمدد إلى نمط حياة البشر في المأكل والمشرب والملبس ونال من شتى جوانب الحياة من سلوك فنون وأسلحة وفجور وسفر، شاشات عملاقة تعرض صور متحركة تسمى سينما، شاشة صغيرة في البيت تسمي تليفزيون تعرض الأحداث والفقرات الترفيهية، سيارات معدنية لا تحتاج لخيول أو عبيد لتحركها، أسحلة فتاكة تبيد شعوب وتحول مدناً لهباء منثوراً في لحظات، ومباريات كرة قدم تجذب هوس وشغف وغضب الشعوب في أنجاء البسيطة المتقدمة منها والمتخلقة.

وأصبح لكل عِقد اختراعه -مرة التليفزيون مرة الفيديو ومرة الدش والكمبيوتر والموبايل- ويصاحبه مرضه المستعصي الذي يقتل ملايين البشر – الإنفلونزا الإسبانية- الإيدز- السرطان.

وفي محطة هذا المقال العقد الأخير من الألفية، العِقد الأمريكي الخالص بعد أن استطاع العم سام كسر عظام الإمبراطورية السوفيتية وإعلان وفاة أخر إمبراطورية تقليدية في التاريخ توسعية اخضعت تحت حكمها دولاً وشعوباً.

بدأت سنوات التسعينيات بحدث فريد لم تعرفه الشعوب العربية منذ نشوء الدولة الوطنية باحتلال دولة عربية لدولة عربية أخرى، بأن قامت العراق بشطب دولة الكويت من الوجود بعد إحتلالها وضمها بإعتبارها جزء لا يتجزأ من الأراضي العراقية، وما تبع ذلك من انتفاض العالم لإعادة دولة الكويت للوجود وتأديب صدام حسين وإخراج العراق من المعادلة الاستراتيجية في المنطقة العربية باعتباره أخر ما تبقى لتهديد إسرائيل.

من أخبار الزلزال
من أخبار الزلزال

وفي العام التالي لعاصفة الصحراء، ضرب مصر زلزال بالتحديد في الثالثة وتسع دقائق عصر يوم 12 أكتوبر 1992، رغم قوته فلم يكن الزلزال مدمراً بالمقارنة لزلازل ضربت دول آخرى، لكنه أرعب المصريين وسببت توابعه في الأيام اللاحقة مصدر خوف وهلع، عند الشعور بالزلزال أن بيتوهم أو مدارسهم تصدت فجأة وسوف تنهار فالحال، مما جعلهم يسارعون في الجري على السلالم بما عليهم من ملابس والبعض قفذ من النوافذ (أو سقالة العمل) وأغلقت المدارس لأسبوعان.

والسبب الرئيسي لحالة الهلع هو عدم معايشة أجيال لهزات أرضية  في مصر بهذه القوة والإنتشار فقد شمل كل أنحاء الجمهورية، لكن سرعان ما تلاشت حالة الخوف والقلق مع الهزات الأرضية التي حدثت في السنوات المتتابعة.

أكمل عِقد التسعينات سيطرة التليفزيون في الثمانينيات، مع وجود تأثر أيضاً للراديو ببرامجه ومسلسلاته، فمواليد الثمانيات خاصة منتصفه وهم من يطلق عليهم جيل التليفزيون، الذين كانوا ينتظرون بلهفة مباراة كابتن ماجد والكرة التي سوف يطلقها كأنها صاروخ نووي في لهيبه وسرعته وقوة تدميره، تلك الكرة التي تستغرق حلقة كاملة من الركض من منتصف الملعب حتي مرمي الخصم مكتسحها في طريقها كل لاعبي الخصم وأرض الملعب وشبكة الحارس طبعاً بعد أن أطاحت به خارج الأستاد، ناهيك عن ذهول المشاهدين في الملعب والذي يستغرق الحلقة كاملة. وكانت تذاع حلقة واحدة فقط أسبوعياً، نعم حلقة واحد، كان جيل راضي بما قسمه الله له، أما مع منتصف بداية العِقد الأول للألفية الثانية ظهرت قنوات متخصصة في أفلام  الكارتون تذيع كامل مباريات كابتن ماجد وأهدافه والإعادة يومياً.

هل تتصور أنه كانت تذاع أربع مسلسلات فقط في رمضان منهم على الأقل مسلسل ديني، هل تتصور أن افتتاح القناة الثامنة استقبل كأنك سوف تشاهد قنوات OSN، التسعينات وما أبسطها ما التسعينات.

التسعينيات تعتبر آخر أيام ذابت فيه الفوارق بين الطبقات أو بالأحرى تواجد فيه على الأقل الحد الأدنى من التقارب بين الطبقات، كانت مرتبات القضاه وضباط الشرطة والجيش تقترب من مرتبات المدرس والمهندس والمحاسب في الحكومة وكانت كل هذه الفئات تسكن في نفس الحي بل في نفس العمارة وقبل بداية هجرة أصحاب الوظائف في الجهات السيادية لمدن أخرى غير التي تربوا فيها. وكان أبنائهم كل هؤلاء يلتحقون بالتعليم في ذات المدرسة الحكومية، والبقية الكل يعرفها. ابن الضابط لازم يبقى ضابط وابن القاضي لازم يبقى قاضي ولو معاك واسطة هتتعين في الجهات السيادية وإذا لم تتمكن من الحصول عليها فمجموعك الكبير وكونك من الأوائل على الكلية لن يحجز لك مقعد على منصة القضاء أو تعلق النسر على اكتافك لأن (أبو واسطة) الفاشل دراسياً سبق وأن استولى على مكانك. أذكر أن أحد أساتذة القانون الجنائي الأجلاء قص علينا في محاضرة بالكلية أنه تم رفض تعيين طالب في النيابة العامة لأن جوز عمته كان عليه أتهم من عشرين سنة في جريمة تجريف أرض زراعية وحكم عليه بالحبس مع إيقاف التنفيذ!!!!

التسعينيات آخر عصر للطبقة المتوسطة قبل أن يقرر نظام مبارك مع نهاية الألفية التخلص من هذا العبث الموروث من العهد الناصري ورفع فئات في كل شئ واستقرار فئات بلا شئ.

في التسعينات كانت آخر عصر لأهمية المدرسة ودور المدرس التروبي قبل التعليمي، كانت المدرسة تكمل ما تنجزه الأسرة من بناء شخصية الفرد، آخر عصر للبنت أم مريلة كحلى، حيث كان زي كل طلاب مصر في المدارس حتي في المدارس الخاصة بين الأبيض والرمادي والكحلي وأحياناً الكاكي.

كان غالباً من يأخذ درس خصوصي هو التلميذ ذو المستوى الضعيف الميسور الحال واحياناً كان يعاير بأنه يتحصل على درس خصوصي بعكس التلميذ النجيب الذي يكتفي بشرح مدرس الفصل.

كانا نطرب لحفلات ليالي التليفزيون وأضواء المدينة وبروز أصوات مثل دينا حداد ونوال الزعبي ورجاء بلميح مع تسيد لمحمد فؤاد وعمرو دياب ومنير وسمير سعيد للساحة الغنائية. قبل ظهور مغنيات الإغراء في بداية الألفية أو الأجهزة التي تحسن الصوت أثناء تسجيل الأغاني والأغاني المسجلة وما على المغني إلا أن يحرك فمه أمام الجمهور متوهما أنه يغني ما على المغنية إلا أن ترقص وتتمايل.

إقرأ أيضا
أعرابي

بعض المشاهد في الأفلام كان يطلق عليها مصطلح “إغراء” أو “ساخنة” وليس “جريئة” كما اعتاد الإعلام وصفها في عصر ما بعد مهرجان نخاسة الجونة.

كان التعرض لسيدة أو آنسة بالقول أو اللمس وأن كانت حالات اللمس نادرة تعتبر عملية إنتحارية يستوجب على فاعلها العقاب الدامي الرادع دون النظر لمبررات هذه الفعله الشنعاء وبغض النظر عن ملبس المعتدي عليها.

وكنا نتابع المذعيين المثقفين مثل حمدي قنديل وراوية راشد وميرفت محسن ويوسف شرف الدين رزق الله قبل أن يتصدر عفارم عليه عمرو أديب قائمة الإعلاميين الأكثر مشاهدة. 

كان لبس الحجاب متناسق مع بقية ما تتزين به المرأة قبل أن يظهر علينا حجاب عمرو خالد شكل مفرغ من مضونة وإعتقاد البعض أن الرؤوس تائبة والمؤخرات مازالت آثمة.

كأن سنة 2000 وما تلاها ساعة الصفر أو كلمة السر لتغيير وجه مصر حتى وصلنا وللآسف لحالنا الثقافي والفني الحالي وتحول التحرش من ظاهرة إلى عادة، وبعد أن كنا نسمع قصص أبلة فضيلة القيمة المقومة في الراديو تحولنا لمشاهدة التفاهات والإيحاءات الجنسية لأبلة فاهيتا في الفضائيات.

هل تدهور التعليم أم فساد الإعلام أم الظلم الإجتماعي أم غزو الأنترنت أم هذا حال الدنيا هو السبب في التدهور الاخلاقي والفني والثقافي والإجتماعي منذ بداية الألفية أم كل ماسبق.

أو كما قال الشاعر
نعيب زماننا والعيب فينا …..ومالزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ….. ولو نطق الزمان لنا لهجانا

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
4
أحزنني
0
أعجبني
3
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان