تقرأ الآن
الخطة السرية لتهريب ورقة وقلم لنوال السعداوي داخل الحبس

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
199   مشاهدة  

الخطة السرية لتهريب ورقة وقلم لنوال السعداوي داخل الحبس

نوال

كانت نوال السعداوي في أزمة حينما سمعت صرير باب السجن يُفتح ، بعد أن دخلت السجن في حركة القبض على الرموزالثقافية في سبتمبر 1981 من عصر السادات ، وذلك بسبب المعارضة ضد معاهدة السلام ، عندما صرخ فيها مأمور الحبس : سأقبل بدخول طبنجة إلى الحبس ، لكني لن أقبل بدخول ورقة وقلم ! .. ركنت نوال السعداوي إلى الحائط لتتذكر ما الذي أتى بها إلى هنا :

سمعت دقة على الباب .. كنت جالسة إلى مكتبي الصغير في غرفة نومي ، مستغرقة في كتابة رواية جديدة . عقارب الساعة تشير إلى الثالثة بعد ظهر يوم الأحد 6 سبتمبر 1981 ، تجاهلت الدقّة على الباب . ربما يكون البواب أو بائع اللبن أو المكوجي أو أي أحد ، وسوف يعود أدراجه إذا لم يفتح أحد . عذابي حين أجلس للكتابة هو تلك المسؤوليات الصغيرة في البيت، أو جرس الباب أو جرس التليفون .استطعت التخلص من التليفون بنزع  الفيشة من الحائط .. لكن الباب .. هل أنزع الباب من الجدار !

هذه الرواية تعذبني . من أجلها تركت كل شئ . تفرغّت تمامًا لها . مستعصية كالحب المستحيل . تريدني بكل كياني بكل عقلي وجسدي ، أو لا تعطيني نفسها على الإطلاق. الكل أو لا شئ . مثلي تمامَا وبقدر ما أعطيها تعطيني . ولا تريد أن يزاحمها في عقلب وقلبي أحد . لا زوج ولا ابن ولا ابنه ولا انشغال في أي عمل ، ولا حتى قضية المرأة .

جاءني في الصوت الغريب : البوليس !

دارت الأرض لحظة ، وتصوّرت أن حادثًا وقع لابني أو ابنتي ، أو لزوجي وهو عائد على الطريق ، لكن الصوت عدواني لا ينم عن حادث

بأصابع مرتجفة فتحت الشراعة ..

اتسعت عيناي في ذهول … عدد كبير من الرجال المسلّحين بالبنادق والسناكي . عيون حادة تنفذ من خلال الأعمدة الحديدية الرفية ، وصوت خشن بلهجة آمرة :

  • افتحي الباب!
  • ربما حلم . الواقع يختلط بالخيال والوعي باللا وعي ، وعقلي مازال لايصدق أنه حقيقة .
  • من أنتم
  • افتحي الباب بالأمر

خيال لا شك . منذ طفولتي حتى اليوم لم يكلمني أحد بهذه اللهجة .  لا أبي ولا أمي ولا أي إنسان دخل حياتي أو طرق بابي . أبي لم يوجّع لي أمرًا طوال حياته . كان يناقشني في كل شئ حتى وجود الله . أما الله فأنا كنت أناقشه . ولا بد أن يقنعني الله بما أقول .

تجمع الغضب في حلقي: أي أمر !

  • البوليس !
  • ملابسكم ليست بوليسية !

تقدّم من خلف الفرقة المسلحة ضابط ، يرتدي بقعة بوليسية ، وسترة بيضاء ، وفوق كل كتف قطعة ذهبية أو نحاسية تلمع ، وأسنانه بيضاء في ابتسامة مؤدبة :

  • افتحي الباب من فضلك
  • لماذا
  • عندنا أمر بتفتيش البيت
  • أريد أن أرى هذا الأمر قبل أن أفتح الباب
  • ليس معنا الأمر الآن
  • لا يمكن أن أفتح لكم دون أن أرى أمر النيابه هذا هو القانون .
  • لا بد أن تفتحي الباب !
  • لن أفتح .. هذا أمر النيابة !

أغلقت الشراعة . جسدي يرتعد . قلبي تحت ضلوعي يدق بعنف . ولكن دقّات الباب أشد عنفًا . ربما كابوس . فتحت عيني لأصحو من النوم ، لكني وجدت نفسي صاحية وواقفة فوق قدمي في الصالة والباب يرتجّ تحت الدقّات العنيفة .

 

التفت حولي فرقة منهم كالسلسلة الحديدية . فرقة أخرى انتشرت في الحجرات الثلاثة .. فتشوا أدراجي . لمحت أحدهم يمسك الرواية من فوق مكتبي . هتفت بغضب : هذه رواية .. اتركها لا تلمسها .. لكنه دسها في حقيبة معه . وصرخت بغضب : هذه جريمة أخرى ! .. كيف تنتزعوا مني روايتي ! لا دخل لكم بها ! .. رجل آخر أخذ يقلّب في مفكرتي الخاصة فوق المكتب . يقرأ فيها ويداه تلعبان في ساعة مكتبي الصغيرة ! ، وسمعت رئيسهم يقول : خذوها إلى السيارة ، وسنلحق بكم بعد أن نُكمل التفتيش !

فتحت عيني ووجدتني جالسة في السيارة وإلى جواري ضابط البوليس ، ومن خلفي ألمح أطراف البنادق تطل من سقف السيارة . عقلي مازال عاجزًا عن التصديق ، خلع الضابط قبعته على ركبتيه . مسح العرق فوق وجهة ورأسه بمنديل أبيض كبير وهو يقول : تعبتينا جدًا يا دكتورة !

سألتني الشاويشة : هل رأيتِ السادات شخصيًا ؟

قلت : نعم

إقرأ أيضا
الرصاص

قالت : كم مرة ؟

قلت : مرتان أو ثلاثة لا أتذكر

قالت : وهل تكلمتِ معه ؟

قلت : كانت اجتماعات كبيرة ، ولم أتكلم معه ، ولكني تكلمت معه في الاجتماع .

تذكرت ذلك اليوم منذ سنين بعيدة ، قبل عام 1970 لأن جمال عبد الناصر كان لا يزال حيًا ، وفي أحد الاجتماعات الكبرى للاتحاد الاشتراكي للحضور ضمن مئات من أعضاء النقابات المهنية . كنت عضوًا في مجلس نقابة الأطباء وجلست في مقعدي مثل الآخرين أنتظر وصول المسؤولين الكبار في الاتحاد الاشتراكي ، لاحظت أن ثلثمائة شخص قد تعطلوا عن أعمالهم في انتظار الكبار من المسؤولين ، وأخبرتهم كيف أن هذا أضاع على الدولة دخلًا قوميًا بسبب تعطل الناس عن العمل .. ووقف السادات يتحدث وتجاهل الحديث عن هذا التأخير والتعطّل !

مذكراتي في سجن النساء
مذكراتي في سجن النساء

معضلة الورقة والقلم

كانت نوال السعداوي في أشد الحاجة إلى قلم وورقة داخل الحبس ، ذلك لأن سيلًا من الأفكار قد راودها ، ناهيك عن جزء غالي من حياتها – وهو السجن – كاد أن يُفقد لولا تدوين ما حدث به ، كان السجن يسمح بدخول أي شئ للعنبر السياسي إلا القلم والورقة ، حتى ورق التواليت تم حرمان الماجين السياسيين منه ، حتى استعانت الدكتورة نوال السعداوي بحيلة لم تكن لتخطر على بال أحد ، وهي أن حاولت تجنيد واستقطاب إحدى المسجونات من عنبر الدعارة ، والتي تُدعى “زوبا” ، تحكي نوال السعداوي عن “زوبا” قائلة : كانت مقهورة قهرًا كبيرًا في حياتها ، وكانت “زوبا” تأتي مع الشاويشة حاملة العيش الذي يعج بالدود والسوس .. فأخبرتتها بسرية شديدة : زوبا .. أريد إحضار ورقة وقلم بشدة .. فأومأت زوبا بالموافقة دون تردد ، لأن علاقتها بنوال السعداوي تم تأسيسها على الود ، ولأنهما نشأت بينهما علاقة صداقة قوية .. وفاجأتها زوبا بإحضار لفافة من ورق التواليت ، وقلم للحواجب .. وأخذت نوال السعداوي تكتب مذكراتها في سجن النساء حوالي ثلاثة أشهر متواصلة .

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
4
أحزنني
0
أعجبني
3
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
3
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان