تقرأ الآن
العدودة (1) .. كيف عبرت المرأة المصرية عن حزنها على مر العصور ؟

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
52  مشاهدة  

العدودة (1) .. كيف عبرت المرأة المصرية عن حزنها على مر العصور ؟

بصوت مرأة مصرية خلال نوبة العدودة : 

لمّا اقول آنه .. استنوا كده .. لما اقول آنه
استنوا عليا لمّا اقول آنه
ألّا ضمايري م الحزن مليانة
وابكي وابكي ع الكل حزنانة
واستنوا كده .. لما اقول آنه

………………………………

آنه : أنا
……………………………..

كان الإنسان المصري وبالأخص منه المرأة ولا زال ، لديه القدرة على التفاعل مع الأحداث المحيطة حوله سواء أكانت أحداث سعيدة أو أحداث حزينة ، وكما كان الفرح يحتل جزءً كبيرًا من تراثنا الشعبي من أغاني وأشعار وعبارات ورقصات ، فإن الموت والفواجع لها أيضًا نصيب من التراث الشعبي وفي القلب منه فن “العدودة” وهو فن البكاء وتوظيف الموت في أشعار وأغاني شعبية تعبر عن التراث الشعبي المصري ، وكان الدكتور أحمد علي مرسي أحد أهم من كتب في الفن المُبهم المبعثر قليل المصادر ، لكن دراساته في “العديد والتراث الشعبي ” لا زالت هي المصدر الأقوى بين المصارد ، وفيه ذكر ملامح كثيرة من تلك الملامح . 

كل يبكي على حالة

الموت في القرية المصرية

تقع قرية الخادمية ضمن حدود محافظة كفر الشيخ، وهي محافظة من محافظات وسط الدلتا التي تقع بين فرعي النيل – دمياط ورشيد- ويحدها شرقًا محافظة الدقهلية ، وغربًا فرع رشيد ومحافظة البحيرة شمالًا البحر المتوسط وبحيرة البرلس ، وتقع المقابر منذ بداية القرية، كما يحكي المسنون، في مكانها الذي تحتله إلى الآن، في الطرف الغربي من القرية تقريبًا ، والمقابر القديمة المبنية من الطوب اللبن ، في صفوف متوازية ، وتتجاور القبور كما تتلاصق البيوت تمامًا ، وهي متواضعة البناء ، ولا تتميز مقبرة عن الأخرى ، وإنما تتشابه جميعًا في الحجم والشكل تقريبًا .

وتعرف كل عائلة مقابرها، فليس هناك مقابر فردية ، إذ يدفن الأب، والأم، والزوج .. إلخ .. في مقبرة واحدة تخص الأسرة كلها، وإلى عهد قريب لم يكن يكتب على هذه المقابر شئ على الاطلاق ، ولا يستخدم أهل القرية كلمة “قبر” أو “مقبرة” أو “مقابر” وإنما يستخدمون كلمة “تُربة” وجمعها “تُرب” للدلالة عن المدفن أو القبر .

لوحة فن الرثاء

عدودة نساء الريف على المتوفي

يتشارك أهل القرية جميعًا في المناسبات العامة كالأعياد ، والخاصة كاحتفالات الخطبة والزواج، أو مناسبات العزاء عند الوفاة، أو في ذكرى الأربعين ، ولا يمكن لأحد التخلف عن تقديم واجب العزاء لأهل المتوفي ، إذ يعد ذلك تقصيرًا كبيرًا ، وخطأ يصعب الاعتذار عنه ، بل إن الغائب عن القرية لظروف السفر أو العمل ينبغي عليه أن يؤدي واجب العزاء عند عودته ، خاصة إذا كان أهل الميت لازالوا في فترة الحداد .

ومنذ اللحظة الأولى التي تحدث فيها حالة الوفاة يعرف أهل القرية بسبب الصرخات التي تطلقها النساء المحيطات بالمتوفي وقتها .. وفقًا لدرجة الجيرة الأقرب فالأبعد والأبعد وهكذا .. وسرعان ما ينتقل الخبر فتبدأ النساء بالتوافد على دار المتوفي محافظين على ارتداء الجلباب الأسود ، ويتم إخلاء غرف دار المتوفي من الأساس لتساع أعداد النساء المتوافدة وتفرش الأرض بالحصر والكليم ، لتبدأ قعدة العديد التي يسبقها صراخ كل مرأة حينما تقترب من دار المتوفي بخطوات ، وذلك إعلانًا عن قدومها ثم تنخرط في البكاء على المتوفي وتبدأ وصلة العدوده ، والتي يقال فيها مثلًا إذا كانت الزوجة تبكي على زوجها  :

الندابة

وراك بانوح .. طالع وانا وراك بنوح
وأنا وراك بانوح .. واوعى تقول لي ..

وأنا طالعة وراك بنوح ..
إوعى تقول لي : ارجعي .. ضروروي اروح
وعلى فين يا مقويني .. رايح على فين يا مقويني
ورايح على فين ؟
دا اياما الزمان بعدك هيرويني

 

وهناك أيضًا وصلة أخرى من العدودة لقبر المتوفي نفسه ، يقول فيها النساء :

تعالي ياختي .. تعالي معايا .. والنبي تيجي
نزور تربة الحبيب سوا
تعالى ياختي نزور تربة الحبيب سوا ..
ونعمل له فيها شباك يجيب الهوا ..

مليحة والنبي .. والنبي تعملوها مليحة
إعملوها مليحة .. تربة الحبيب
وإعملوها مليحة ..

وزوقوها بالورد يجيبله له ريحه .

وسعوها له … والنبي وسعوها له
تربة الحبيب .. والنبي وسعوها له ..
تربة الحبيب .. والنبي وسعوها له ..
دا كان كريم .. وسعوهاله
عشان م تساع طوله
وتساع رفاقته اللي بيجوله ..

 

وإذا كانت الأم تبكي ابنتها .. تقول في العدودة :

حقك عليا .. والنبي أنا ما كنت أعرف
حقك يا غاليه
والنبي ما كنت أعرف حقك عليا
إني ها اسيبك يا بنتي بعد شويه
دانا لو كنت أعرف يا غالية
أنا لو كنت أعرف إن الفراق قرّب ..
أن الفراق قرّب ..
كنت قعدت جمبك لمّا القمر غرّب .

 

إقرأ أيضا
الكلمات المتقاطعة

ما الذي يميز تلك الأغاني الشعبية ؟

يصنف العديد – البكائيات – باعتباره نوعًا من الأغاني الشعبية التي تؤدي عادة في مناسات الموت .. وأهم خصائص هذه الأغاني أداؤها البسيط بواسطة النساء. وغلبة الحزن والتفجّع على الأداء والتعبير . وهذا  العديد جزء مأثور شفاهي قديم ، حيث لا يوجد ذلك المفهوم عن نص وحيد ، أو نسخة صحيحة ، على غرار مفاهيم الأدب الخاص . وبالطبع فإن هذا العديد يؤلف شفاها ، وينقل شفاها خلال المناسبات التي يؤدي فيها .

في القرى المصرية وعلى الرغم من القدرة الهائلة لنساء كثيرات على تأليف أغاني العديد ، فإن معظم البكائيات معروفة لجميع النساء وكإنها إرث ترثه النساء ، ولكن يظل هناك بكائيات محددة أو معاني محددة تظل مخبأة لتناسب حالات شديدة الخصوصية .. مثل موت شاب أو شابة ، فإن هذه البكائيات لا يمكن أن تغنى عند موت رجل مسن أو سيدة أو أرملة عجوز .

 

أداء المعددة

تؤدي المعددة منهن عادة مجموعة من البكائيات دفعة واحدة في بداية العديد ، ثم تتوقف ، وخلال هذه الفترة التي تتوقف فيها عن “التعديد” ترفع أصوات الباكيات ، ويعلو النشيح ، وينادى على المتوفي ويوجه إليه الحديث الذي يتضمن استعطافًا له ، أو الرجاء بألا يرحل ، أو وصف حال المتحدثة بعد رحيله، أو وصف ظروف موته، ثم تعود المعددة نفسها أو تبدأ أخرى في العديد مرة أخرى في العديد وهكذا ، تتوقف النداءات وينتهي الحديث ، ويخفف صوت الباكيات إلا من نشيح مكتوم ، وقد تلتقط واحدة منهن استشارها العديد والحزن، الخيط من المعددة التي تسبقها ، لتبدأ هي بدورها في التعبير عن حزنها وألمها تجاه الموت عامة والمتوفي خاصة .

 

المصدر :

-دراسة في الأدب الشعبي (كل يبكي على حاله)  د. أحمد علي مرسي

– دراسة في العديد (الموت في القرية المصرية) 

الكاتب

Content Protection by DMCA.com
ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2020, كافه الحقوق محفوظة

اعلى الصفحه
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان