رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
1٬306   مشاهدة  

العز بن عبد السلام .. “سلطان العلماء” الذي رفض فرض ضرائب على الفقراء

العز بن عبد السلام
  • محمد الموجي ممثل وكاتب مصري، تخرج من كلية الإعلام جامعة القاهرة، وعمل بعدد من المؤسسات الإعلامية بينهم قناة أون تي في ووكالة أونا للأنباء وموقع إكسترا نيوز وموقع كسرة والمولد، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج.

    كاتب نجم جديد



كان العز بن عبد السلام يتأمل هذا العالم كثيرًا ويسأل أكثر “لماذا تلك الفجوة ما بين غني ربما لا يعرف فيما يصرف أمواله وفقير لا يجد قوت يومٍ.. لماذا وأنا والأطفال الفقراء ليس لنا الحظ من التعليم؟”؛ انتمى إلى أسرة فقيرة؛ والده يحمل الأمتعة وينظف الساحات أمام الدكاكين؛ بحثًا عن القوت الذي لم يجدوه لأيامٍ قد كثرت.

ولما كبر الطفل أصبح عونًا لأبيه في كل هذه الأعمال، لا يفارقه حتى في صلاته في الجامع، وهناك تعرف على الشيخ بن عساكر الذي أعجب بذكائه، حتى مات الأب ولم يقدر الابن على هذا العمل الشاق، فكان ابن عساكر أول وخير من مد له يد العون.

العز عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام السليمي ( العز بن عبد السلام ) ، وُلد عام 577 هجرية لأسرة مغربية الأصل، عاشت في دمشق (سوريا)،  طلب العز من الشيخ فخر بن عساكر، أن يوفر له فرصة عمل ليجد القوت، فساعده على العمل في المسجد الأموي وأصبح واحدًا من العاملين على نظافة هذا المسجد وحراسته، وخُصص له مكان من الرخام لينام عليه، لكنه لم يكن يعلم أنه سيصير واحدًا من أهم علماء الدين الإسلامي فيما بعد.

عاشق العلم

داخل الجامع الأموي، عرف العز العلم واقترب منه؛ كانت دروس وحلقات العلم أكثر ما يجذبه ينصت إلى الشيوخ ويحاول أن يفهم كل كلمة تقال، تمنى لو أن يكون واحدًا من بين هؤلاء، وذات مرة فقد الشاب عز الدين بن عبد السلام وعيه من شدة البرد بالمسجد، وسمع هاتفًا ينادي “هل تريد العمل أم العلم؟” فرد العز “العمل لأنه سيساعدني على العلم”، ولما سأل الشيخ ابن عساكر عن تفسير ما رأى؟ نصحه “هب نفسك وحياتك للعلم”.

يلتزم العز بنصيحة شيخه وأستاذه الأول بعد والده، يدخل إلى المسجد ويجلس بالفعل بين الطلاب في إحدى حلقات العلم، فيعنفه شيخ آخر “كيف تنضم إلينا بهذه الملابس البالية الممزقة؟”، فجرى الولد الصغير وأخذ يبكي حتى رأه الشيخ بن عساكر وعرف حكايته، فوعده أن يسمح له بتعلم كل ما يريد والإنفاق على تعليمه، سريعًا يحفظ العز القرآن ويحسن تجويده، ويزداد إعجاب الشيخ بذكائه وتفوقه، فيقرر ضمه إلى حلقات العلم الخاصة به، وتعلم منه الكثير من بينهم الفقه الشافعي، لكن الولد لم يكتف بهذا فأخذ يطلع على أفكار الهند واليونان والمصريين القدماء، ودرس كل ما قال السلف عن علم الكلام والفلسفة.

كان يتردد كثيرًا على مكتبة الجامع الأموي لينهل من علم الكتب ،أراد أن يفسر القرآن وأن يؤلف كتابًا، لكن رأى أنه لم يحصل على العلم الكافي فأجل هذه الخطوة، ولما سمع عن السهروردي وأفكاره لبس خرقته الصوفية ما يقرب من عام، وعرف عن شيخ عراقي يشيد الناس بعلمه فسافر إلى العراق باحثًا عن الجديد في العلم، وكان كل مرة يعود فيها إلى بيته ومعلمه الأول ويسأله هل تعلمني شيئًا جديدًا، حتى أصبح معلم يدرس للأطفال القرآن، ثم أصبح يعلم أصول الفقه في المذهب الشافعي، وزاد عدد طلابه.

يرفض فرض الضرائب على الفقراء

ذاع صيت العز وهو شاب بين العلماء والعامة، لا في دمشق فقط بل في مصر أيضًا؛ إذ أرسل له الملك الكامل خطابًا يشيد فيه بما يقدم للعلم ويوصي حاكم دمشق (الملك الأشرف) بالاهتمام به وبعلمه، أخذ الناس يستفتونه فيجيب في حذر وبعد بحث طويل، وذات مرة أخطأ في فتوى، فحث طلابه على النداء في السوق “على من أخذ من الشيخ عز فتوى بالأمس ألا يعمل بها فلقد أخطأ الشيخ”، ولم يخجل من الاعتراف بخطأه، لكن العز لم يكن يلتزم بكل ما جاء في المذاهب الأربعة ولم يقدسهم في وقت كان تقديس ما قالوا من العلم هو المتبع بين الكثيرين، كان يفكر في كل ما يقرأ ويبحث ورائه.

من المواقف التي لا تنسى للعز بن عبدالسلام، الذي حث قطز على محاربة التتار، رفضه الشديد لفرض ضرائب على عامة الناس لاستكمال تسليح جيش المسلمين، قال له العز افرض هذه الضرائب عليك وعلى الأمراء والأثرياء منكم وخذ من بيت مال المسلمين ما يجتاجه الجيش للتسليح أولًا، وكان قطز أول من تبرع بأمواله وذهبه.

وعُرف عن العز بن عبدالسلام أيضًا الزهد والكرم والشجاعة والتصدق بأمواله، فهو الذي وزع الأموال التي كان سيشتري بها بيتًا جديدًا به بستانُ على الفقراء لما شعر أن الأمة في ضيق، وأقنع زوجته “لن نشتريه في الدنيا بل سنشتري بستانًا في الجنة”.

شيخ لا يخشى حتى الملوك

هاجم العز الفاسدين والمرتشين وكان ينزل الأسواق بنفسه، ويعلن رفض جشع واستغلال التجار ويواجههم بذلك، ومن فتاوى العز أنه لا طاعة لمن يرى فسادًا ومنكرًا ويتجاهله، ثم يصعد إلى المنبر ويدعو الناس إلى العمل الصالح بينما هو يتجاهل آخرين يفسدون الأرض، وتربص به عددُ من الطلاب اختلف معهم ذات مرة في خطبة، بعد سؤالهم “ما رأي الدين في عالم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر” فعنفهم وطردهم من المسجد وحرم عليهم دخوله مرة أخرى “تريدون أن تثيروا الفتنة فقط”.

أراد الطلاب منع العز بن عبدالسلام من التدريس، وطالبوا ملك دمشق الملك الأشرف بذلك، لكنه رفض، وكيف يفعل ذلك مع الرجل العالم الذي يرفض هداياه وعطايا أخوه الكامل، بل أن الملك الكامل ملك مصر، أصدر قرارًا بتخصيص حلقة علم للعز بن عبدالسلام داخل المسجد الأموي ليدرس فيها، وكان هذا أعلى منصب للعلماء في دمشق حينها.

وكان الملك الأشرف -قليل العلم- يلتف حوله عدد من العلماء جامدي الفكر المتعصبين المنافقين، هاجمهم العز بن عبدالسلام أكثر من مرة، الأمر الذي جعلهم يتربصون له ويشحنون الملك الأشرف بالغضب ضده “إنه يرفض عطاياك ولا يقابلك مثلنا لأنه يتكبر عليك كما يتكبر على الجميع”،  بل قالوا “إنه كافر يقول في القرآن قولًا غير صحيح”، في البداية رفض الملك تصديق ذلك، لكن مع استمرار تلك اللآعيب، غضب منه واتهمه “بالكافر المخادع”، لكن التفاف طلاب ومحبي عبدالسلام حوله منع أي شخص مهما يكن ملكًا أن يؤذيه.

إقرأ أيضا
السلاجقة والحشاشين

وحينما سأل الملك الكامل بن عبدالسلام عما حدث مع أخيه، رفض أن يحكي له، وبعد فترة أصبح بن عبدالسلام الذي كان طفلًا لا حظ له من العلم، وينام على أحد قطع الرخام وينظف المسجد الأموي هو خطيب هذا المسجد.

أغضب العز الملك الصالح والمماليك أصحاب المناصب الكبيرة، عندما أصدر فتوى بعدم جواز أن يولى عبد على حر قاصدًا “المماليك”، وأنه لا يحل له استعباد الأمراء المماليك من يعتمد عليهم في قصره وبمختلف المناصب، وطالبه ببيع الأمراء المماليك وعتقهم من العبودية إذا أراد توليتهم، وفي البداية حاول الكامل ورجاله إقناعه بل وتهديده بأن يتراجع عن هذه الفتوى، لكن العز بن عبدالسلام غضب وقرر الرحيل عن القاهرة، فذهب الملك ورائه ووافق على عتق وتحرير المماليك.

عاش الرجل الذي تنبأ بعمره لمدة 83 عامًا بالفعل، واستحق خلالهم أن يكون ” سلطان العلماء “، وقاضي القضاة الذي اكتفى بلبس اللبدة على رأسه (غطاء رأس البسطاء)  لا تلك العمامة التي توحي بالعظمة.

مصادر:  كتاب أئمة الفقه التسعة لعبدالرحمن الشرقاوي، كتاب أعلام المسلمين: العز بن عبدالسلام للدكتور محمد الزخيلي (2)

الكاتب

  • العز بن عبد السلام محمد الموجي

    محمد الموجي ممثل وكاتب مصري، تخرج من كلية الإعلام جامعة القاهرة، وعمل بعدد من المؤسسات الإعلامية بينهم قناة أون تي في ووكالة أونا للأنباء وموقع إكسترا نيوز وموقع كسرة والمولد، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج.

    كاتب نجم جديد






ما هو انطباعك؟
أحببته
3
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان