رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
51   مشاهدة  

المحامون في الأرض.. بين الثغرات والتلاعب

المحامون

في أمسية نهاية الأسبوع الهادئة على إحدى طاولات القهوة تترامى القهقهات من هنا لهناك، فرقعة أحجار النرد على اللوحة وصخب الشارع لم يمنع الحديث من الاستمرار لساعات، وبين الأصدقاء تأتي الحكاوي من الشرق والغرب بلا مناسبة؛ استهلَّها صاحبنا المكتسح في عشرة الطاولة قائلًا أعرف شخصًا ارتكب جريمة قتل مع سبق الإصرار وأفلت “مخدش فيها ساعة”، ترتفع الأعين عن شاشات الهواتف متسائلة من أين يأتي “الفشر” الذي تسمعه، شاعرًا بالحماسة والفخر بقدرته على لفت انتباه القعدة كلها يضيف “آه والله حصل، البركة في اللي طلعه منها محامي عُقر”.

استوقفتني الكلمة قبل أن تفعل الواقعة المسرودة، محامي عُقر أو داهية أسمعها منذ سنوات لكن تلك كانت المرة الأولى التي أعرف فيها كيف يكون شكله، في الطبيعي عركة بسيطة يمكن أن تنتهي بخمسة أو ستة أشخاص في الحبس فيكف أفلت هذا من قتل علني ومترصد!

أفلت بجريمة قتل في وضح النهار لتضارب الشهادة

القصة حدثت في إحدى بلاد الصعيد على خلفية واقعة ثأر، حيث لا يمكن لصاحب الواقعة أن يرتضي القانون أو يمشي في البلد مرفوع الرأس قبل الأخذ بثأره- وإن كان ذلك يعني الحبس أو حتى الإعدام-، لكن صاحبنا أراد الجمل بما حمل قتل غريمه علانية على مرأى ومسمع من القرية بأسرها والإفلات من العقوبة. ليدله “أولاد الحلال” على محامي شهير يمكنه اللعب بالبيضة والحجر كما يقولون، والحل بسيط عليه أن يتصيد الضحية في مكان عام حرصًا على وجود شهود، ثم يجهز بندقية آلية كبيرة الحجم وطبنجة صغيرة يربطها على جانب البندقية بحيث يكون الزنادان على خط واحد، وفي الوقت نفسه لا يستطيع المشاهد تمييز الطبنجة إلا من جانب واحد يمكن إخفائه بسهولة.

جهز القاتل السلاح بالطريقة التي وصفها المحامي وترصد للضحية ثم نفذ الخطة كما اتفق، أطلق النار من الطبنجة الملصوقة بالآلي ثم تخلص منها قبل القبض عليه، بعد فحص الجثة وتحديد سلاح الجريمة ونوع الرصاص وجدت المحكمة تضاربًا واضحًا بين أقوال الشهود وتقارير الطب الشرعي. أصبح القاضي أمام شهود يصفون سلاح جريمة مختلف تمامًا عن الذي حدده الطب الشرعي، بما لا يدع مجالًا للشك أن المتهم برئ وبالأوراق الرسمية.

ليست جريمة القتل الوحيدة التي يفلت القاتل فيها من على حبل المشنقة، دون حاجة إلى التلاعب غير القانوني، يمكن أن تحدث حالات تضارب الشهادات تلك نتيجةً لضعف الإجراءات وتضرب أساس القضية، في واقعة قتل خطأ يرويها لنا المحامي والكاتب عربي كمال استطاع فيها الدفاع تبرئة المتهم باستخدام ثغرة في أقوال الشهود، فبعد التدقيق في الشهادات لاحظ المحامي أن وقت وقوع الجريمة وفقًا للشهود هو التاسعة مساءً، حيث أكدّوا أن الأنوار كانت مضاءة مما ممكَّنهم من رؤية الجريمة بوضوح، في حين أثبتت شهادة رسمية من مصلحة الكهرباء أن الخدمة انقطعت عن المركز بأكمله في ذلك الوقت.

“تبديد القائمة والنفقة” قضايا اللف والدوران

يؤكد كمال أن القدرة على استخدام الثغرات للدفاع عن المتهمين هي أساس المحاماة، ويمكن الاعتماد عليها في القضايا الجنائية والشرعية أكثر من الدعاوى المدنية والتجارية؛ فنصوص المحاضر الجنائية وتقارير الشهود ووقائع القبض والتلبُّس كثيرًا ما يشوبها الثغرات، أمَّا القضايا الشرعية يتلاعب الزوج فيها بالنفقة والمسكن بينما تلعب الزوجة على القائمة ليقضي الطرفان أعوامًا في النزاع.

استخدام الثغرات في القضايا الشرعية مصاحبًا لحالات الطلاق المتزايدة لدرجة أن مصر تسجل واحدة كل دقيقتين، بعد الانفصال يسعى كل طرف لتدويخ خصمه حتى يقول حقي برقبتي، بدءًا من وقائع تبديد القائمة حين تقرر الزوجة تهريب الأثاث والذهب من منزل الزوجية، ثم ترفع قضية على الزوج مدعية أنها لم تتسلم الممتلكات المكتوبة في قائمة منقولاتها؛ ويصبح الزوج أمام خيارين الدفع أو الحبس.

أحيانًا تصل الأمور لتعمُّد إيذاء النفس وتسجيل تقرير طبي بالإصابة ليتهم أحد الزوجين الآخر بالتعدي والضرب، أو ادّعاء السرقة سعيًا لتحويل قضية مدنية إلى الجنح، الأمر الذي أشار محمد عزوز المحامي بالنقض أنه حالة متكررة تستخدم للضغط والابتزاز. أمَّا وقائع النفقة فحدِّث ولا حرج يلجأ الزوج إلى وسائل ملتوية لتخفيض نفقة الأطفال والزوجة، يمكن أن يزور بيان راتب بمبلغ أقل من الحقيقي، أو يختلق قرضًا بأقساط كبيرة وأحيانًا يجعل أحد والديه يرفع عليه قضية نفقة؛ ليصبح في النهاية صافي الدخل الذي يخصم منه القاضي أقل بعد اقتطاع النفقات الوهمية تلك.

محامون: المحاماة تقوم على ثغرات القانون لا التلاعب..  ومصاعب المهنة لا تنتهي

المحامون في الأرض
المحاميان محمد عزوز وعربي كمال

قد يخلط البعض بين استخدام الثغرات القانونية للدفاع عن المتهمين والتلاعب، وإن اتفقت الغاية إلا أنَّ الوسيلة تختلف، فالتلاعب بسرقة الأثاث أو إيهام الشهود كما روت القصص يعتبر جريمة يقع المحامي نفسه بسببها تحت طائلة القانون إن تم إثباتها، أمَّا الالتفاف على النصوص واستخدام عوارها بما يخدم المتهم هو التصرف الذي من أجله يعمل المحامون.

الثغرات تشوب القوانين في جميع بلاد العالم بشكل أو بآخر وهو ما أوضحه كمال قائلًأ “(ما من نظام أمني محكم في العالم إلا وله ثغرة) هي مقولة سمعناها ورأينا حقيقتها في سلك المحاماة، أساس المحاماة استغلال تلك الثغرات للدفاع عن الموكل؛ وهو ما حثَّ عليه الدين قبل القانون كما قال الرسول (ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم). أحيانًا يمكن أن تتسبب تلك القاعدة الشرعية والقانونية في إفلات مجرمين من العدالة؛ لكنها في الوقت نفسه تمنع تغوُّل السلطات التنفيذية والقضائية، وتحفظ حقوق المدنيين وخصوصيتهم من الانتهاك”.

إقرأ أيضا

يواجه المحامون بيئة عمل صعبة بما فيه الكفاية فإن كانت الصحافة مهنة البحث عن المتاعب فإن المحاماة مهنة البحث عن الجريمة، وفقًا لعزوز فإن تشابه الأسماء من المعضلات التي يتعاملون معها بشكل يومي، في ليلة وضحاها يمكن أن يتحول مواطن إلى متهم وغالبًا ما يكتشف الأمر بشكل يضعه في موقف سيء؛ في لجنة تكشف على بطاقته ليفاجأ بقضية أو حكم وأحيانًا كثيرة أثناء الكشف الأمني عند تجديد الرخصة.

في كثير من الأحيان يمكن أن يتسبب إهمال الموظفين في تسجيل أحكام البراءة على شبكة الحاسوب التي يتم الكشف من خلالها في مشكلة بيروقراطية، ليصبح المتهم الحاصل على براءة بالفعل مطلوبًا منه العودة إلى الجهة القضائية واستصدار مستند يفيد بالحكم وفي حالات أخرى سقوط القضية.

المنظومة الكاملة لا وجود لها والثغرات هي ما تجعلنا بشرًا، في وقت نحن في أمس الحاجة فيه إلى العدالة يتمسك المحامون بالدفاع حتى تثبت البراءة، بينما تحاول السلطات تحديث النص القانوني بما يتناسب مع متطلبات العصر؛ وسيظل مسلسل الثغرات والتحديثات ممتدًا مادامت الدول قائمة.





ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان