تقرأ الآن
محمد القصبجي هائما على وجهه..من سيرة الموسيقار(12)

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
147   مشاهدة  

محمد القصبجي هائما على وجهه..من سيرة الموسيقار(12)


 

أهلا بكم أعزائي القراء في الحلقة الثانية عشر من قصة الموسيقار الكبير نحيل الجسد قوي الفكر، المرحوم محمد علي القصبجي، وكنا قد انتهينا في اللقاء السابق حيث الصمت الغريب والجمود غير المبرر الذي لازم الموسيقار محمد القصبجي طوال حياته، والحقيقة أن نظرة عامة على حياة الموسيقار الراحل كافية لتبرير ذلك الجمود بل ولنقل الغموض، على أية حال فإن الحديث عن شخصية القصبجي استقلالا عن فنه أمر لابد منه، واليوم نكمل ما بدأناه في اللقاء السابق دون التزام بالتسلسل الزمني للأحداث على أن نعود في حلقات قادمة لاستكمال التتابع الزمني الذي بدأناه من قبل.

 

محمد القصبجي وقصة خذلان بوقائع مشوشة:

لم يكن المرحوم الموسيقار محمد القصبجي ملحنا مجددا ومطورا للموسيقى فحسب، كذلك لم يكن مجرد محلنا لأم كلثوم كبقية زملائه الموسيقيين الذين لحنوا لها طوال مسيرتها الفنية، بل كان عاشقا يسهر على راحتها، ويدير فرقتها الموسيقية وهو في مكانه بين أفراد تختها، وهو الذي بدأ معها مشوار تعليم العزف على آلة العود، وكان يشاركها في نقابة الموسيقيين، وفي لجنة الاستماع في الإذاعة، وفي اللجنة الموسيقية العليا، وفي لجنة الموسيقى في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، بل يمكن القول بأن المرحوم محمد القصبجي كان المعلم المتيّم بتلميذته، والدليل الواضح الذي قادها إلى الشهرة والنجاح، ليس ذلك فحسب بل كان للمرحوم محمد القصبجي الفضل في تكوين أول تخت مصاحب لأم كلثوم في الغناء، وكان هذا التخت يضم كبار العازفين في ذلك الوقت، حيث سامي الشوا على الكمان ومحمد العقاد على القانون ومحمد القصبجي على العود ومحمود رحمي على الإيقاع، وقد اختار محمد القصبجي مسرح دار التمثيل العربي لتقدم فيه حفلاتها الغنائية بدلا من الصالات العادية كالبوسفور وسانتي وغيرها، فالمعروف أن منيرة المهدية كانت تقدم حفلاتها على مسرح دار التمثيل العربي، وخشي مدير المسرح من غضب منيرة إذا ما سمح لأم كلثوم بالغناء في مسرحه، ولكن محمد القصبجي استطاع أن يقنعه، ووقع بالفعل عقدا طويل المدى بينه وبين أم كلثوم، ومنذ عام 1926م وحفلات أم كلثوم تستقطب الجمهور رغم حملات منيرة المغرضة على أم كلثوم في هذا الوقت، ومن خلال تلك الوقائع شعرت أم كلثوم بمدي حب وإخلاص محمد القصبجي فاستسلمت لرأيه ونفذت له ما طلب، واستمر محمد القصبجي يشترك بعوده في تخت أم كلثوم حتى آخر حياته، ولك عزيزي القاريء أن تربط الأحداث ببعضها فتقارن بين ما فعله محمد القصبجي لأم كلثوم في بداية مشوارها ثم ما فعلته هي معه في نهاية مشواره، والحقيقة أنني كأحد عاشقي كوكب الشرق لا أحب أن أخوض كثيرا في شخصيتها “القوية على حد تعبير البعض”، إلا أنني أتعجب كثيرا حين أقف على حال علاقتها بالمرحوم محمد القصبجي منذ عام 1944م.

 

إقرأ أيضًا…حكايات خالتي بمبة| رشدي أباظة.. رفض يبقى ظابط وكان هيسيب التمثيل عشان مالوش “بصمة”

لقد انطفأت الموهبة، ولا أقول ماتت، بل ماتت دوافعها، مات الأمل بالنسبة للرجل الذي سعى بكل ما أوتي من قوة لإنارة الطريق أمام أم كلثوم، وما أن تعثر معها وعلق آمالا جديدة على المطربة الصغيرة أسمهان التي لحن لها من قبل وأكتشف خباياها وبات متأملا أن يترجم مشاعره وأحاسيسه بأدواتها حتى باغته القدر بوفاتها في ريعان شبابها فانطفأ النور من حوله وانحنى ظهره وتبددت آماله.

 

القصبجي هائما على وجهه:

 

تعجبني كثيرا حكايات المؤرخ الموسيقي الكبير كمال النجمي عن كبار الموسيقيين والمطربين، أما حديثه عن المرحوم محمد القصبجي فهو من أكثر الأحاديث التي تجذبني، فالرجل كان محبا للقصبجي يحكي عنه حبا لا توثيقا، ومن ذلك ما تحدثنا عنه في اللقاء السابق حول اللقاء الأول بينهما، ثم اللقاءات القصيرة المتعددة التي جمعتهما فيما بعد، بيد أن الغريب في الأمر أن يهتم مؤرخ وناقد وكاتب بذلك الجانب النفسي والروحي لأحد المشاهير، الرجل يدقق النظر في أمور لا يلحظها كثير من الناس، يتفحص نظرات العجوز ويسعى لكشف خبايا نفسه، لذلك من أهم ما كتبه المرحوم كمال النجمي عن تلك الحالة المذرية التي مر بها المرحوم محمد القصبجي بعد سنوات التيه أو هكذا أسميتها، ما كتبه في فترة السبعينيات عن ما عبر عنه بانطفاء موهبة محمد القصبجي، يقول:

عندما قيل لي أن كوكب الشرق أم كلثوم قد امتنعت عن تكليف المرحوم محمد القصبجي بالتلحين لها بعد سنة 1947م، لم أجد في الأمر ما يدهشني حيال هذا الامتناع تحديدا، بل أنني كنت متوقعا لذلك، وكأنني كنت متوقعا لانطفاء هذه الموهبة الموسيقية الكبيرة والفريدة المتمثلة في المرحوم محمد علي القصبجي الملحن والعازف الأستاذ الذي تتلمذ على يديه كبار العازفين والملحنين، وفي سنة 1965م ” أي قبل وفاته بعام واحد” رأيت المرحوم محمد القصبجي للمرة الأخيرة يمشي في شارع إبراهيم باشا “شارع الجمهورية الآن”، رأيته يمشي ببطء شديد، هائما على وجهه، يمشي في وجوم ويتلفت حوله يمينا ويسارا، ويتوقف أحيانا، وكان المرض باديا عليه، ووجهه معروقا كأنه قد خلا تماما مما يكسوه من اللحم، وفي سنة 1966م، توفي الملحن الكبير الذي ترك في تراث الغناء العربي إرثا عظيما باقيا على الزمان، بعدما عاش أربعة وسبعين عاما، تعاقبت عليه فيها مرحلتان متناقضتان تماما، إحداهما شديدة الخصوبة والعطاء والمجد، والأخرى مجدبة جافة ظامئة، فانطفئت موهبته وعاش في تلك المرحلة عشرين عاما تقريبا، حاول خلالها أن يعود إلى التلحين لأم كلثوم مرة بعد مرة ولكنه لم يستطع في كل مرة أن يقدم إليها لحنا ترضاه.

إقرأ أيضا
علاء عبد الخالق

 

محمد القصبجي بين الاستغلال وعدم الاكتراث:

كان الموسيقار محمد القصبجي عميقاً في مسألة الغموض والسرية، كان يستطيع بمهارة أن يخفي قلبه العاشق، كان يشعر بأن أم كلثوم تغني لغير أسباب اللحن الذي وضعه، والحقيقة التي لا ينكرها أحد أن المرحوم محمد القصبجي كان يعرف جيدا أنه تم استغلاله بكيفية ما، كان مغبونا وكان الجميع بحسب قلبه يستغلونه من أجل شيء ما، ولا أخجل إن قلت أن أول من استغلته كانت كوكب الشرق التي رسمت مشروعها الخاص على حسابه وحساب ريادته اللحنية في العشرينيات والثلاثينيات، بل جعلته وجعلت من ألحانه الفذة موضوع أحلامها بالشهرة، كموازنة منطقية بين موهبته الفريدة وصوتها النادر، كل ما كانت تفعله كان يبدو لأجله والحقيقة ربما خالفت ذلك، كان القصبجي عاشقاً ولم تكن هي عاشقة، وانتهى الأمر بأن أصبح القصبجي مساقا، أبعد عن التقدير بحكم تربع أم كلثوم على عرش الطرب، وانتهت حياته في نهاية الأمر مبعدا عن تختها الموسيقي الذي كان له الفضل في تكوينه من الأساس، متحسرا على ملازمتها كالظل.

وضع القصبجي نفسه في خدمة صوت أم كلثوم، التي مثلت قضية قلبه وفنه وروحه والتي لم تؤمّن له يوما ما يخشى منه على مصيره، كان القصبجي يلطف حاجات قلبه أمام ثومة، لأنه يعرف أن شخصها إن غضب يستدعي الخوف، وكان يحسد أحمد رامي الذي عشقها هو الآخر على عدم خوفه منها، رغم حقيقة أنها لم تشكل تهديداً لأحدهما، بل هي التي احتاجت وبشدة انتباههما وعبقريتهما، ولكنها شكوك الموسيقار القصبجي العاشق الموسوس الذي آثر أن يعيش أيامه على شفا حفرة من نار أوقدتها أم كلثوم وشاركه في تحمل لهيبها رامي وربما آخرون.

وإلى هنا أعزائي القراء نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة، على أن نكمل الحديث في حلقات قادمة إن شاء الله.
دمتم في سعادة وسرور.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان