تقرأ الآن
عن هذا الصوت الذي تحدي عوامل الزمن..قصة ثومة “كوكب الشرق”(34)

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
275   مشاهدة  

عن هذا الصوت الذي تحدي عوامل الزمن..قصة ثومة “كوكب الشرق”(34)


 

أهلا بكم أعزائي القراء في الحلقة الرابعة والثلاثين من قصة كوكب الشرق ودرة القرن العشرين الآنسة ام كلثوم إبراهيم، وفيها نتحدث عن العديد من النقاط الهامة التي قد لا تنحصر تحت عنوانا واحدا، فالجوانب التي ينبغي للكاتب أن يراعيها حين يكتب عن أم كلثوم عديدة، والحديث عن إحدى هذه الجوانب بمعزل عن بقيتها قد لا يكون كافيا لنقل الصورة بوضوح، على أية حال نبدأ مع نقطة في غاية الأهمية وهي تحدي صوت أم كلثوم لعوامل الزمن.

 

صوت أم كلثوم يتحدى عوامل الزمن:

الطبيعي أن يشيخ الصوت بمرور الزمن، فما يستطيع المطرب الصغير أن يفعله في غنائه يعجز عنه الكبير الذي تقدم في السن، وهو أمر ملحوظ بالنسبة لكثير من المطربين، فمثلا حين أستمع لصوت ليلى مراد في شبابها أجدها تتنقل بين الأنغام بمرونة وسهولة، وبعد أن تقدم بها العمر اختلف صوتها كليا، وهذه سعاد محمد، حين تستمع لها وهي تغني دور ما هو انت اللي جايبه لروحك بإيدك تجدها تنتقل من جملة لأخرى بسهولة وتطرب وتعرب وتتصرف بطريقة عجيبة، ثم تغير صوتها كليا بمرور الزمن فلم تعد قادرة على فعل ما كانت تفعله في الستينات، حتى موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بفنه الكبير وعظمة صوته ودقته، لم يسلم من فعل الزمن، فما غناه من مواويل وأدوار في العشرينات والثلاثينات اختلف تماما عما قدمه حين تقدم به العمر قليلا، أما الأمر بالنسبة لأم كلثوم فمختلف تماما، لقد تحدى صوت أم كلثوم قوانين الطبيعة، وما زادها التقدم في العمر إلا نضجا ورصانة في صوتها، فقط حدث تغير طفيف في سنواتها الأخيرة بحكم الأوضاع الصحية التي تدهورت، فأثر ذلك على طبقات صوتها، فلم تعد قادرة على فعل ما كانت تفعله من صراخ في الجوابات المرتفعة، ولكنها في الوقت نفسه ظلت محتفظة بما في صوتها من رنين وطرب.

 

تقول الدكتورة رتيبة الحفني في كتابها عن أم كلثوم:

كمتخصصة في فن الغناء، استطيع أن أحلل تلك الفكرة بأن أسلوب أم كلثوم في الغناء كان بعيدا عن العنف، إلى جانب تأهيلها في بداية حياتها الفنية بالتكنيك الغنائي المتين، وهو تلاوتها للقرآن الكريم، وأداؤها للموشحات الدينية والقصائد لفترة طويلة، مما أكسب صوتها مدرسة غنائية سليمة، ونلاحظ أن قارئي القرآن الكريم يستمرون في قرائتهم فترة طويلة تصل في أحايين كثيرة إلى سن السبعين، فأساليب تلاوة القرآن الكريم إذا ما قورنت بأساليب الغناء العالمي نجد أنها تتفق معها في القواعد المتبعة في التنفس ومخارج الحروف، والمعروف أن العرب كانوا سابقين لأوروبا في وضع أسس الغناء السليم وكان ذلك على يد زرياب، وهذا بالطبع إلى جانب الحياة المستقرة والهادئة التي كانت كوكب الشرق أم كلثوم تحياها، واهتمامها بصحتها وابتعادها عن السهر.

وقد جاء في مجلة الناقد عام 1927م:

تقف أم كلثوم للغناء أمام الجمع المحتشد، فلا تزال كل جوارحها تشعرك بقلق وحركة دائمين كأنها تتصل بأسلاك الكهرباء أو كأنها ريشة في مهب الرياح، وما أن تستجمع قواها وتبادل الجمهور التحية حتى تبدأ غناءها في نغمة رقيقة تنساب في هدوء كمجري النهر العذب، وما تكاد تملك زمام الجمع المنصت حتى تعلو رويدا رويدا في أنغامها، وأنت تلمس ما وراء تلك الضلوع في الثورة المكتومة، فإذا تملكها الانفعال، وجاشت الألحان التي تعترك في قرارة نفسها أرسلتها رنينا عاليا، فيعم الجميع الشجو والطرب فيثور هو أيضا، وصوتها عذب ينساب في رقة النسيم، وهي ترسله على حريته، ثم إنها لا تلزم نفسها بكثير أو قليل من القواعد والقيود، بل تكاد تساير طبيعتها التي نشأت على أكمل معاني الحرية وأوسع حدودها يوم كانت تمرح في أرض الله الواسعة متنقلة بين المزارع ووسط مناظر ريف مصر البهيجة.

 

إقرأ أيضًا…محمد رحيم وعمرو مصطفي قصة الصراع بين الموهوب والمصنوع الجزء الأول

 

والحقيقة أن كتابة كلمات كهذه في حق ام كلثوم سنة 1927م هو أمر يستحق التوقف عنده، ففي سنة 1927م، لم تكن أم كلثوم قد بلغت من العمر سوى تسع وعشرون سنة، بمعنى أن غنائها في تلك الفترة والذي تحدث عنه المقال هو غناؤها البكر، غناؤها من ألحان الشيخ أبو العلا محمد والمرحوم محمد القصبجي والدكتور أحمد صبري النجريدي، كل هذا يقال على بواكر حفلات أم كلثوم، قبل تعاونها مع داوود حسني ببدائع ألحانه، وقبل تعاونها مع الشيخ زكريا أحمد بطربه المشبع، بل وقبل تعاونها مع الموسيقار الكبير رياض السنباطي الذي اجتمع فكره مع صوت كوكب الشرق فأنتج فنا له قدسية خاصة، ومن المعروف أن كل تسجيلات الاسطوانات التي سجلت في فترة العشرينات كانت أم كلثوم تتغنى بقصائدها ومونولوجاتها وطقاطيقها في حفلات حية ولكنها للأسف لم يتم تسجيلها.

 

الفن الكلثومي بين التجديد والجمود:

رأى بعض النقاد “وهم قلة” أن صوت أم كلثوم يعتبر رمزا للتخلف والجمود بل ويمثل حجر عثرة أمام أي تطور فني في الوطن العربي، إلا أن كبار الموسيقيين والنقاد لم يروا هذا الرأي الشاذ إلا مجرد ثرثرة وتخمين لا يستند لأي أساس منطقي سليم، فأم كلثوم كانت تأتي بالكثير مما يقوم به الموسيقي الدارس لأصول التأليف العالمي في كتابته وتعامله مع اللحن بأساليب التطوير، فكانت تكرر اللحن مرارا بابتكارات لا نهائية، وهو ما يمكن النظر إليه على أنه إعادة تأليف للحن، ليس ذلك فحسب، بل كانت تبتكر وتؤلف بطريقة تتفق ومزاج الجمهور، وهذا من ناحية موسيقية أم كلثوم النادرة وحسها وسرعة بديهيتها وعمق فهمها، أما نبراتها فكانت قوية ومتنزنة وعذبة في الوقت نفسه.

جددت ام كلثوم المغنى العربي بطريقة شابهت إلى حد كبير تجديد الشاعر محمود سامي البارودي، فكلاهما رد فنه إلى الطريقة العربية التي وطأتها أقدام العثمانيين والشركس والغجر، فكانت ثورة محمود سامي البارودي في الشعر لمحة من تباشير ثورة عرابي في سبيل القومية المصرية والعربية وكانت ثورة أم كلثوم في الغناء امتدادا لليقظة القومية الشاملة بعد ثورة 1919م، وما جاءت به من انفتاح على الأمة العربية وتحرير للشعر والغناء، على أن أم كلثوم لم تكن وحدها على تلك الجبهة، فلا ننسى أبدا ما فعله المرحوم الشيخ سيد درويش الذي عاصر نشأة ام كلثوم وكان يعبر بصدق عن روح الشعب المصري الكادح والمكافح، كذلك لا ننسى الموسيقار النابغة محمد عبد الوهاب الذي وافقت بداياته الفنية بدايات أم كلثوم بل وارتبط دوره بدور أحمد شوقي بك الذي حمل راية الشعر بعد المرحوم محمود سامي البارودي.

تخصصت أم كلثوم في المحافظة على طابع الموسيقى المصرية العربية، وتفننت في تطويره والارتقاء به، فكانت تتويجا لعظمة هذا الفن في قمة ما وصل إليه، فلم نستمع منها إلى لحن صرف أو نظم فقط بل استمعنا إلى صوت وإبداع، استمعنا إلى أم كلثوم التي كان اللحن يخرج منها ممزوجا بمشاعرها وأحاسيسها وارتجالاتها وتفاريدها الخاصة.

ورحم الله المؤرخ الموسيقي الكبير كمال النجمي حين قال في مقاله ” أم كلثوم ومذهب حنكش”: يرى حنكش أن الغناء العربي الآن أشبه بالإمبراطورية البريطانية في أواخر أيامها، لا يحميه من الزوال ولا يحفظ هيبته إلا أم كلثوم المتربعة بعبقريتها التي لا تتكرر فوق عرشه، ومن حوله وحولها ملايين المستمعين بين المحيط والخليج.

وإلى هنا أعزائي القراء نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة، على أن نكمل الحديث في حلقات قادمة إن شاء الله.
دمتم في سعادة وسرور.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
1
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان