رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
358   مشاهدة  

توظيف الزمن في إبطاء السرد .. كيف حققها مؤلف رواية صليب موسى؟

صليب موسى
  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


Share

تمكن “هيثم دبور” بكفاءة عالية من “ترصيع” سرده البصري في روايته ” صليب موسى ”  بتفاصيل مكتملة كأنها جدارية، وذلك بحكم خبراته ككاتب سيناريو محترف أجاد التعامل مع التشكيلات المكانية في روايته،  وتكثيفها ووصفها ضمن مشاهد الحركة التي تتوالى في النص، وصولا لاستخدامه تقنيات الزمن الداخلية والخارجية لمعالجة بنية السرد ككل من ناحية ومعالجة القضايا التي تناولها العمل من جهة أخرى.

 

مفارقات بنية الزمن والسرد

الزمن لغة : زمن: الزمن و الزمان : اسم لقليل الوقت و كثيره، و في المحكم : الزمن و الزمان العصر، و الجمع أزمان و أزمان و أزمنة، و زمن زامن : شديد. و أزمن الشيء: طال عليه الزمان، و الاسم من ذلك الزمن و الزمنة، عن أبي الأعرابي، أزمن بالمكان : أقام به زمانا و عامله مزامنة و زمانا من الزمن

و قال شمر: الدهر و الزمان واحد قال أبو الهيثم: أخطأ شمر، الزمان زمان  و الفاكهة و زمان الحر و البرد ، قال : و يكون الزمان شهرين إلى ستة أشهر، قال و الدهر لا ينقطع بنية المفارقات الزمنية[1].

الزمن اصطلاحا:

لقد اكتسى مفهوم الزمن مع تقدم التاريخ طابع العمق في المدلول تبعا لرقي الفكر الإنساني و عمق وعيه بالأشياء و الوجود، ونظرته المتجاوزة لما هو مألوف و شائع تناسبا مع الوسائل و طرق التعامل مع مظاهر الكون و المفاهيم الوجودية المجردة حين أدرك بحدسه المتنامي أن لا وجود بغير زمان (لأن الوجود هو الحياة و الحيلة هي التغير و التغير هو الحركة و الحركة هي الزمان فلا وجود إذن إلا بالزمان.[2]

يعد الزمن من العناصر الأساسية التي تساهم في بناء الرواية لأنه ضابط الفعل و به يتم و على نبضاته يسجل الحدث الروائي وقت وقائعه، فأنه يكاد يمثل شخصيته بأبعادها و تأثيرها على الرواية بل إن قضية الزمن ” أصبحت لعبة هذا العصر و أساس حضارته و تفسيرا لما فيه من مظاهر متناقضة”[3].

المفارقات الزمنية:

الاسترجاع (الاستدكار):  تحدث عندما يخالف زمن السرد ترتيب أحداث القصة سواء بتقديم حدث على آخر أو استرجاع حدث، أو استباق حدث قبل وقوعه.

تعد تقنية الاسترجاع أحد أهم التقنيات الزمنية التي يلجأ إليها الراوي أو القاص في أي نص سردي، إذ يحكي لنا ما وقع في الماضي لربطه بالحاضر وفق طريقة منطقية لتسلسل الأحداث و اتصالها ببعض ، فالاستذكار أو الاسترجاع يعني عملية سردية تتمثل في إيراد حدث سابق للنقطة الزمنية التي بلغها السرد

و هو أن يترك الراوي مستوى القص الأول ليعود إلى بعض الأحداث الماضية و يرويها في لحظة لاحقة لحدوثها و تقوم الرواية بصفة عامة، بتوظيف الاستذكار لملأ الفجوات التي يتركها السرد وراءه، فتعطي المتلقي معلومات عن الشخصيات الروائية و ماضيها، كذلك الإشارة إلى أحداث سبق للسرد أن تركها جانبا، فجاء الاستذكار ليسد الفراغ الزمني الحاصل في مسار أحداث القصة ما يسهم في ترابط أحداث القصة، و قد يكرر الاستذكار حدثا لإثارة دلالة[4] ، فالزمن إذن ظاهرة تحمل الكثير من الدلالات المتنوعة و الثرية، فقد تكون هذه

الدلالات رمزية أو كونية، أو فلسفية أو دينية، إذ لم يبق محصورا في إطار ضيق، حيث أصبح فضاء يتسع للمجالات النفسية و الذهنية على مستوى الذات، أما على مستوى الجماعة فقد أمسى يستوعب الذاكرة التاريخية و الامتدادات المستقبلية لدى الأمم.

وينقسم الاسترجاع إلى :

1ـ استرجاع خارجي: يعود فيه الراوي إلى ما قبل الرواية ، و هذا الاسترجاع لا يوشك في أي لحظة أن يتداخل مع الحكاية الأولى لأن وظيفتها الوحيدة هي إكمال الحكاية الأولى عن طريق تنوير القارئ بخصوص هذه السابقة أو تلك[5]

2ـ استرجاع داخلي:

تتعلق بأن ندرج داخل سياق الحكاية الأولى الأساسية عناصر جديدة غير متأصلة فيها كأن يضيف السارد شخصية جديدة غير متأصلة فيها، كأن يضيف السارد شخصية جديدة و يضيء حياتها السابقة عبر إعطاء معلومات متعلقة بها أو أن تتم العودة إلى شخصية غيبت مدة عن سطح المسار السردي، و تقدم للقارئ ملاحظات بشأنها، أو أن تقوم شخصية داخل الحكاية الأولى بسرد حكاية تتعلق بالحكي الثاني أو القصة الغيرية[6].

الاسترجاع الخراجي في رواية صليب موسى

استرجع” دبور” أحداث ما قبل الرواية  في حوالي ظهر أولا في طريقة مقتل عباس حلمي الثاني، ثم  استرجع زمن رحيل الجيلاني لمقابلة الإمام القرطبي في صعيد مصر، ثم استرجع  زمن إرسال خطابات ديفيد أحد الجنود اليهود المتواجدين في سيناء، إبان وجود الاحتلال هناك، واسترجعها أيضا في خطاب الصغيرة للراهب السامري .

1ـ  استرجاع مقتل عباس حلمي الثاني:” يمسح الغلام ” شاكر حسين ”  على جبهة الفرس  فيصهل بشدة رفيقه ” عمر وصفي ” هامسا أنه لا وقت  لذلك….” ثم يستمر في وصف المشهد لإسقاطه فيما بعد على مقتل الأب بافلوس ” فما كان من عباس حلمي  إلا أن شكك فيهم واعتزلهم، فاعتزلوه وهرب بعضهم إلى  الأستانه…” [7]

استرجاع ملاقاة الجيلاني للقرطبي: هذا الاسترجاع شمل ظهور ثلاث أماكن متفرقة ؛ حي الظاهر، الفيوم، قنا ” ” يسلم حسن الجبالي  معلنا انتهاء الصلاته ، ويرفع رأسه إلى الأعلى ، وكأنه يتجاوز بنظره إلى السقف الخشبي المجلد باللون الذهبي……..”[8].

خطابات ديفيد: ” حبيبتي شايا ..

أعلم أنك شديدة القلق  علي.. فلم أجد الفرصة  المواتية للكتابة  طوال الفترة الماضية …”[9]

” حبيبتي شايا.. كنت أتمنى أن يجدك هذا الخطاب بصحبة طفلنا الصغير “موشية”  أن تريه طابع البريد الذي يحمل  صورة الطائرة”[10]

3ـ استرجاع زمني لتحقيق يهودي عبراني مع يهودي سامري”  ينظر الكاهن ” يوسف واصف” إلى ابنه هارون ، وهو يجيب  الضابط الإسرائيلي ، يحاول ضبط انفعال ابنه …” [11]

الاسترجاع الداخلي لرواية صليب موسى

تعتبر الرواية بالأساس قائمة على تقنية الاسترجاع الداخلي للنص، وبدأ الاسترجاع من المشاهد الأولى في أحداث الرواية، حيث استرجاع ” بهي” رحلاته[12]، واسترجاع سليم قصص المعناة التي عاناها منذ دخوله الملجأ مرورا بمعاناته من وصمة العار التي لحقته، استرجاع طريقة مقتل الأب بافلوس، استرجاع المشادات الكلامية بين بافلوس وبين مطران الكنيسة ، ومنها على سبيل المثال أيضا استرجاع وضع المخطوطة في الفاتيكان ” يعلن الربان عن استعدا رحلة  الطائرة التي عبرت مطار القاهرة للتو للهبوط في  مطار لوس أنجلوس ، ينظر بافلوس إلى الأرض  من تحته لا يحب الخروج من مكتبته…”[13] .

بنيوية السرد في رواية صليب موسى

تلجأ الرواية بصفة عامة إلى تسريع السرد للتخلص من تفاصيل زائدة لا يمثل وجودها حضورا فاعلا يخدم بنية الرواية، و لتحقيق تماسك السرد و اتصاله في الرواية و عدم انقطاعه، ما يعمل على وحدة الرواية و من التقنيات السردية التي تمكن من تسريع السرد[14]

1ـ التلخيص والحذف

التلخيص : و يسمى أيضا المجمل،  و هو سرد أيام عديدة أو شهور أو سنوات من حياة حيث الشخصية دونما تفصيل للأفعال أو الأقوال و ذلك في بضعة أسطر أو فقرات قليلة.

و للتلخيص وظائف 3 تقدم مدة غير محددة من الحكاية ملخصة بشكل توحي معه بالسرعة بنيوية يؤديها للسرد هي – بحسب سيزا قاسم:

ـ المرور السريع على فترات زمنية طويلة

ـ تقديم عام للمشاهد و الربط بينها

ـ تقديم عام لشخصية جديدة

عرض الشخصيات الثانوية التي لا يتسع النص لمعالجتها معالجة تفصيلية

الإشارة السريعة إلى الثغرات الزمنية و ما وقع فيها من أحداث  تقديم  الاسترجاع [15]

الحذف :  و الحذف هو أعلى درجات تسريع النص السردي، من حيث هو إغفال لفترات من زمن  الأحداث الأمر يؤدي إلى تمثيل فترات زمنية طويلة في مقابل مساحة نصية ضيق و يسمى أيضا الثغرة أو الإسقاط أو الإضمار أو القطع و هو المرور على فترات زمنية ممتدة أو قصيرة دون سرد ما وقع فيها من أحداث أو بعبارة أخرى” هو الجزء المسقط من الحكاية، أي المسقط في النص من زمن الحكاية[16]

لعل  النص ” رواية صليب موسى ” تحتوي على تقنية الإجمال والحذف ، والبداية مع إجمال النص لإبطاء الأحداث ثم سرعتها ،حيث تنطلق الرواية من عبارة يمكن اعتبارها مفتاحية وهي: “لا تركض يا بهي، لا تقترب أكثر من التاريخ”، الإجمال لقصة موت الأب بافلوس و رسم جدارية مفصلة عن موته بشكل ملغز في أولى مشاهد العمل [17]، ثم تفصل الأحداث على امتداد الرواية و يكتشف القاتل .

الحذف :  لما كان الحذف أعلى درجات تسريع النص  فتعتبر الرواية شبه خاليه من هذا النوع من الحذف القائم على إغفال فترة زمنية معينة ، لأن الرواية استرجعت بالأساس فترات زمنية خارجية حتى تسقطها على الأحداث الداخلية لتبطئ أحداث النص، فالمدة الزمنية لعمل قائم على قرابة 400 صفحة هو يوم ونصف فقط .

إبطاء السرد :

وهي تقنية توقف زمن القص وتعطله عن السير نحو تأزم الاحداث ، وتعاقبها ، حتى يتم التفرغ لعملية الوصف الذي يتخذ مظاهر ، ومناحي مختلفة ، كما سيأتي وفقا لتنوع الوظيفة التي يقوم بها ، إضافة إلى تقنية الحوار التي تكشف عن خبايا المتحاورين ، وتساعد على التطور الدرامي للأحداث ، ونمو الشخصيات من الداخل ، ومن خلال  التقابل أو التلاقي فيما يدور بينهم من أقوال وفيه تبرز تقنيتان زمنيتان هما : تقنية المشهد وتقنية الوصف أو الوقفة . وهما تقنيتان تعملان على تهدئة حركة السرد إلى الحد الذي يوهم بتوقف حركة السرد عن النمو – تماما – أو يتطابق الزمنيين : زمن السرد وزمن الحكاية[18] .

لجأ العمل كثيرا لعملية تبطئ السرد ووصف الشخصيات ووصف المشاهد مفصلة مثال ذلك” وصف أحد الشخصيات الثانوية في الرواية” يوسف الدقني” يأتي صوت من الداخل يندهش ” بهي” وكأن  كاهنا آخر من كهنة الدير هرب للتو ، لم يكن الأمر في إطالة اللحية  بل في طريقة تشذيبها وتصفيفها …” ، ثم وصف منزل ” الدقني في هذا المشهد تفصيلا مفصلا ، برغم كونه شخصية ثانوية [19].

تكرار الأزمة النفسية التي يمر بها بهي” بشكل مصل بالرغم من معرفتها إبان أحداث الرواية لكن أظهرها على هيئة الاعتراف بالخطيئة للأب بافلوس [20]

واستخدم أيضا العمل عملية الإبطاء هذه من خلال كثرة المشاهد داخل الفصول فكل فصل يحتوي على 18 مشهد، وجعل لكل مشهد عتبة  يجمل فيها المؤلف أحداث النص بصورة ملغزة ثم يجملها في المشهد ثم يجملها أكثر في الفصل .

الحوار في الرواية كان حوار داخلي بين شخصيات العمل، ونظرا للصراع وتصارع الأحداث فالحوار ملء جنبات الرواية ، أما عن الحوار الداخلي فكان ظهوره بسيطا، وظهر في نهاية الرواية، حينما خاطب بهي نفسه أثناء صلاة الجنازة على حارس الجبالاية ” أبا عمران”  يقف بهي  في الصف الأخير للصلاة…………..” [21]

في التكبيرة الأولى : يتذكر والده ، وفي الثانية  يتذكر نجاته بأعجوبة وأنه مازال على قيد الحياة ، وفي التكبيرة الثالثة يتذكر بافلوس، تذكر أشبه بالموضات.

وتنتهي الرواية بأحقية أحمد بهي بإرث الأب بافلوس؛ والذي كان عبارة عن مخطوطة قديمة ومجموعة صور صورها بهي وأهداها له ذات مرة .

وبانتهاء رواية صليب موسى يتبادر سؤلا،  هل تدعو الرواية إلى هوية قومية، بعيدَا عن صراع الأديان والطوائف أم لا ؟!.، هل تدعو الرواية إلى كشف الملغز في الديانات الثلاثة ! هل تدعو الرواية لكشف حقائق ما بعد ثورة يناير في سيناء، وأن كل ما حدث كان بتخطيط سياسي بحت

إقرأ أيضا
دايما عامر

مصادر ومراجع 

[1] : ابن منظور، لسان العرب ، مادة (الزمن) ، ص 60

[2] : باديس فوغالي ، الزمان و المكان في الشعر الجاهلي،  ط/ 1، إربد، عالم الكتب الحديث ، صـ195

[3] : السابق صـ 200

[4] : حفيظة أحمد، بنية الخطاب في الرواية النسائية الفلسطينية، صـ  227

[5] : عمر عيلان: في مناهج تحليل الخطاب السردي، ط/1،  دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العربي ، 2008 ،صـ 126

[6]  : عمر عيلان، مناهج تحليل الخطاب السردي : صـ 129

[7] :  هيثم دبور، صليب موسى صـ 25، 26، 27، 28.

[8] هيثم دبور، صليب موسى ،صـ 133، 134، 135،136

[9] : السابق، صـ 183 /184

[10] :  السابق ، صـ 185

[11] : السابق، صـ 195/196

[12] : السابق : صـ 18

[13] : السابق صـ 299/ 300، 301

[14] : حفيظة أحمد، بنية الخطاب في الرواية النسائية الفلسطينية ، صـ 259

[15] : آمنة يوسف، تقنيات السرد في النظرية و التطبيق ، صـ 82

[16] : هيثم الحاج علي، الزمن النوعي و إشكاليات النوع السردي،  ط/ 1، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي 2008 ، صـ 176.

[17] : هيثم دبور، صليب موسى ،صـ 13

[18] : آمنة يوسف ، تقنيات السرد في النظرية والتطبيق ، 89 .

[19] : هيثم دبور، صليب موسى صـ 276

[20] : السابق ،صـ 308/ 318

[21]  السابق صـ 339 / 340

الكاتب

  • مي محمد المرسي

    مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com
Share

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان