209   مشاهدة  

درية شفيق.. بين خيال جامح و غُربة الواقع

درية شفيق
  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال



امرأة مصرّية أرادت لحياتها أن تكونَ تُحفة فنية، قصة كفاح امرأة في وجه قوى الرجعية في مجتمعها، هي قصة لقاء بين الوعيّ النسائيّ المنبثق من القيم الإسلامية والإنسانية، وبين صحوة الهُوية القومية لمجتمع متأثر بالواقع التاريخيّ بعد الحرب العالمية الثانية.

درية شفيق، تلك الشخصية التي مَزجت بين الشخصية و المهنية في ذاتها الداخلية، هي الشخصية المُركبة المثيرة للجدل، هي الشخصية التي اتخذت من الوحدة والاغتراب و الإبداع تفاعلًا تخلل حياتها و عملها، ذلك التفاعل الذي أدى إلى نزاع  دائم بين أسرتها و مجتمعها.

درية شفيق؛ هي الشخصية الصادقة و الفريدة لامرأة عاشت حياتها تبحثُ في شجاعة لتحقيق الوُجُود، هي الشخصية التي استوحت من إيقاعها الداخلي إلهامًا، و وجدت في شيطان الشعر ملهمًا و رفيقها الحبيب الذي لم تفارق أحضانه المواسية إلا لتنطلق نحو المنتهى .

 

“أريد الإمساك بذلك الخيط غير الواضح الذي يربط وجودي الشخصي بتاريخ، وبتاريخ وحضارة بلادي”.

ميلاد

خلال “مذكرات درية شفيق”، يمكننا رصد تاريخ مولدها و نشأتها، فقد وُلدت في 14 ديسمبر 1908م، في مدينة طنطا، وجَاء ترتيبها الثالث بين إخوتها الستة، فهي الطفلة الثانية لرتيبة ناصف بك ، وأحمد أفندي شفيق.

ولدت ” شفيق” لأبوين من طبقات مختلفة، فكانت أمها ابنة إحدى أعيان الأقاليم، أما والدها فكان موظفًا من صغار الموظفين في  الحكومة الخديوية، ولمّا كانت الزيجات بين أفراد من طبقات مختلفة لم تكن مستحبة أو جارية الحدوث، لكنها تتم أحيانًا خاصةً بين نساء من طبقات عُليا من أصل شركسي، أخنى عليهن الدهر، وبين رجال متوسطي الحال من المصريين، وفُرضت هذه الزيجة على “رتيبة” و”أحمد” بسبب ضغوط اقتصادية وثقافية مرتبطة بظروف ألمت بأسرة جدة دُرية.

زاد ذلك الفارق الطبقي من وعيّ” دُرية” بالصفات الخاصة  التي كانت تعجب بها في كل من أبويها، فاكتسبت من أمها حب الجمال ومن أبيها حب القراءة وعميق الإيمان الديني، وكان حبها لأمها يفوق كل شيء، لكنها ارتبطت بأبيها وقالت فيه:” هو رجل عميق الفكر والورع، بادى الخجل والتحفظ المصمت، وكان مثلي تمامًا يحب أمي حُبّ العبادة، و كثيرًا مَا كنتُ أسمعهم يقولون إن أمي محظوظة بأبي، على قلة موارده، بالغ الطيبة يكنّ لزوجته كل الاحترام”.

بيئات أثرت في تكوين درية

نشأت” درية” في ثلاث بيئات مختلفة كلًا منهن تركت أثرًا خاصًا في نفسها، ففي الثماني سنوات الأولى من حياتها عاشت في ثلاث مناطق مختلفة: طنطا، المنصورة، الإسكندرية.

ارتبطت تلك المدن في ذهنها بعوالم مختلفة، فكانت طنطا تُمثل بيت خديجة ـ الجدةـ  وشعور الأسى والفرقة و الغربة ، وإحساس بالفوضى وعدم التنظيم وعبء العادات والتقاليد، أمّا مدينة المنصورة فقد شكلت لدرية الاستقرار بسبب وجود أمها طوال الوقت جانبها، أمّا الإسكندرية فكانت بوابة دسمة وعالما من الأفكار وملتقى الشرق والغرب، فمنها أبحرت إلى باريس بحثا عن مسعاها في الحصول على درجة علمية من السوربون.

“لقد فهمت وأنا بعد طفلة أن إرادة المرأة قد تعلو على القانون “

في السابعة من عمرها، قررا أبويها إرسالها لطنطا لتعيش مع جدتها حتى تلتحق بمدرسة الإرسالية الفرنسية ” نوتردام دي ابوتر” وكانت المدارس الأجنبية وخاصة مدارس البعثة الفرنسية، التي  أدّت دورًا بارزًا في تعليم طبقة معينة من النساء المصريات في نهاية القرن الماضي وبدايات القرن العشرين، وعندما التحقت “درية” بالمدارس الابتدائية كان أكثر من نصف الفتيات في أرجاء البلاد مسجلًا في المدارس الأجنبية علمانية، قبطية أو يونانية أو يهودية، وهي مدارس نادرًا ما كانت الأسرة المُسلمة تُرسل إليها بناتها .

كان عدد مدارس الإرساليات الفرنسية يكاد يبلغ ثلاثة أضعاف عدد المدارس البريطانية وذلك رغم الحماية البريطانية على مصر ، في عام 1873م، افتتحت أول مدرسة إسلامية لتعليم البنات؛ وهي مدرسة “السنية” وكانت  تحت عناية الزوجة الثالثة لإسماعيل باشا، وطبقًا للفروق الاجتماعية لعائلة أمها فكان لابد من دخولها مدارس الإرساليات الأجنبية، فقد كانت” السنية”  تقبل الفتيات من بين الوصيفات المملوكات للأسرة التي تربطها بالحاكم صلة قرابة أومن أسر العاملين بالقصر، وهذا بالطبع وصمة عار في تاريخ أسرتها إذا التحقت بها .

خابت آمال “درية” في مدارس” نوتردام” لصرامة المعاملة التي كانت عادة ما تسود في المؤسسات الدينية، فتذكر في مذكراتها أن راهبة صفعتها لأنها كانت تقرأ كتابًا ليس لسِانّها وبأنها اتهمت مرة ظلمًا بالاستيلاء على قلم فتاة  أخرى، تتذكر إحراج قريباتها الثريات لها في نفس المدرسة لأنها ليست من بنات ملاك الأراضي ” .

“كانت موسيقى الكنيسة تحمل إلى رؤية جديدة ولغة جديدة”

ورغم كل تلك المشاعر المتأججة في نفسيتها صغيرة وتلك المعاملة التي كرهتها في المدرسة إلا أنها كانت تلجأ إلى ذلك الصوت الصاعد من تراتيل الكنيسة فتقول في مذكراتها:” صوت المؤذن يُحرك ذكرى مجدٍ قديم.. أمّا تراتيل الكنيسة فكانت تملأني بعظمة المجهول، فوراء تلك النوافذ ذات الزجاج المفعم بملايين الألوان يقع عالم الأحلام … التحليق نحو اللانهائي والمطلق، فلم يكن يُسمح لنا كطالبات مسلمات دخول الكنيسة، و بالتالي فلم أرها من الداخل الذي كان يخفي أحلامي العريضة، وأذكر تأثير الأضواء البراقة المنسكبة من الزجاج الملون فكانت وسيطًا بين خيالي الجامح و بين ما تصورت أنه بالداخل أي ما هو بعد الواقع.. كل بهاء حلم ..كانت موسيقى الكنيسة تحمل إلى رؤية جديدة ولغة جديدة.

إقرأ أيضا
التعليم الجامعي

حس جمالي

تشكّل حسّها الجمالي بفعل تأثرها بالديانتين، إذ تغلغل كل ذلك في وُجدان طفولتها المبكرة، فكانت تقول عن شهر رمضان:” أمّا عن شهر رمضان؛ هو موسم تتشبع فيه الأشياء والكلمات بروح الإيمان ، حتى إن شاعرية القرآن نفسها ترتقي بالحياة البشرية نفسها إلى مستوى المطلق.. كنت أشعر أنني ارتفعت إلى مستوى آخر يسود النظام و التناغم والحب وسلام الروح .. كنت أحبس أنفاسي عند سماع الآيات التي تصف لوعة العذراء فكان لعذاباتها من الجمال ما جعلني أحب العذاب..وفهمت بإحساسي الداخلي وأنا بعد طفلة أن بالعذاب والحب يبلغ الإنسان المنتهى.

خطبتها وعبء آخر

في الثالثة عشرة من عمرها، رتبوا خطبتها على رجل غنيًا، ووافقت أمها بحجة ” سيضمن مستقبلها”، وتقرر عقد القران عند عودته من ألمانيا حيث يدرس الطب، وتكون “درية ” حينها قد بلغت السادسة عشرة، و في تلك الفترة واجهت ” درية” صدمة أثرت على حياتها بشكل كبير، وهي وفاة أمها، فشكل هذا اليوم صدمة عميقة لا براء منها.

مرت السنتان التاليتان على درية وهي يائسة تشعر بفقدان أمها وتشتت أسرتها، ومع  هذه الأحداث شعرت ” درية” بالوحدة والضياع  وتصف نفسها في تلك الكلمات المهزومة:” سمونه الطفل الأعرج بسبب صحراء بلا دليل .. شعرت وكأني أتحول إلى ذلك الكائن الضخم المريض. تعيش على هامش ما يحيط بها  ولا تهتم بما يهتم به الآخرون .. تراهم يكفون تدريجيًا عن الاهتمام ووجدت نفسي على حافة الهاوية فدفعني ذلك إلى المقاومة”

وقد كانت المقاومة التي تقصدها ” درية”  الفعل المتعلق بتحصيل العلم، فأصبحت مدرستها مخرجًا من اليأس، وبرعت في دراستها حتى أنها نقلت إلى فصل أعلى أثناء السنة الدراسية فحصلت على شهادتها في نفس السنة التي حصلت عليها أختها الكبرى، وأسعد أباها بذلك سعادة بالغة فجاء من الإسكندرية إلى طنطا ابتهاجًا واحتفالًا بنجاحها .

بعد نجاحها أرادت درية شفيق مغادرة طنطا المكان الموحش بالنسبة لها، والسفر مع والدها إلى الإسكندرية، لكن تعلق جدتها بها أحال دون ذلك فقد كانت ترى فيها ابنتها الراحلة، وكانت درية على يقين بأن رغبتها الملحة في السفر سوف تدفعها يومًا إلى الرحيل، ومع فصل جديد من حياة درية في مقالة قادمة.

الكاتب

  • درية شفيق مي محمد المرسي

    مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان