تقرأ الآن
ذكرى .. الصوت الذي طارد كل شئ في الغناء

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
1٬919   مشاهدة  

ذكرى .. الصوت الذي طارد كل شئ في الغناء

ذكرى ................................... الصوت الذي طارد كل شئ في الغناء
  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال


فتاة سمراء نحيلة تصعد مسرح أحد مسابقات الوجوه الجديدة في تونس، تحاول ان تخفي توترها بالبحث عن رجل يقف في كواليس المسرح، هذا الرجل لم يكن سوى أبيها أول من اّمن بموهبتها وأول جمهور لها،  تلتقي الأعين يختفي التوتر رويدًا رويدًا حتى تبدأ في غناء رائعة ليلي مراد المنسية “أسال عليا

تنبهر لجنة التحكيم بهذا الصوت الذي يؤدي بقوة ورصانة لا يتناسب مع فتاة في عمرها، لم تحصد جائزة البرنامج وحلت ثالثة لكن ظل صوتها لم يبرح ذاكرة من سمعوه، تعود بعدها بثلاث سنوات في برنامج اّخر  لتغني “الرضا والنور” لتحصد جائزة البرنامج الكبرى وتنضم إلى كورال فرقة الإذاعة والتلفزة التونسية، ويصبح الميلاد الحقيقي لواحد من أعظم الأصوات في تاريخ الغناء العربي.

ظهرت ذكرى في وقت كانت المشاريع الغنائية الناجحة لا تعتمد على قوة وحلاوة الصوت في المقام الأول، وأصبحت مهمة الأصوات القوية الجادة صعبة في إنتقاء ما يليق بقو ة أصواتهم في ظل نزوح الأغنية إلي ألوان موسيقية جديدة وتبتعد كثيرًا عن التطريب.

أمتلك ذكرى ما لم يمتلكه صوت من الأصوات التي عاصرتها، نبرة مميزة جدًا تجعلك تعرفها بسهولة ومساحة صوت عظيمة مع قدرة رهيبة على التحكم في مساحاته، فكانت تعرف متى ترتجل وتضيف إلي اللحن وفوق كل هذا أمتلكت شخصية في صوتها فعندما تغني أغنية قديمة لا تقع في فخ التقليد بل تشعر أن الأغنية صنعت خصيصًا لها.

بدأت رحلة الإحتراف الحقيقة صحبة الملحن “عبد الرحمن العيادي” والذي كون ثنائي فني معها، تطورت العلاقة بينهما فتحولت إلي قصة حب ثم خطوبة، كان تأثيره قوي جدًا في بدايات ذكرى حيث يعتبر أستاذها ومعلمها الأول، ولم يتوقف تأثيره عند تعليمها أصول الغناء الرصين المنضبط أو التلحين لها، فهو  جعلها تستطيع التمييز بين الصالح والطالح في الإختيارات، وجعل تطارد النغمة الجميلة المنضبطة، وضبط مخارج ألفاظها في اللغة العربية حيث لها العديد من القصائد أشهرها “إلي حضن أمي يحن فؤادي” وصنع لها أشهر ألبوماتها في تونس “أنت السبب”.

رحلة سوريا وإكتشاف مدارس فنية جديدة.

من الأشياء الملهمة في رحلة ذكرى الفنية؛ أن زيارتها لكل بلد كانت تفتح لها الأفاق للذهاب بصوتها إلى بلد اّخر، كان من المفترض أن تزور سوريا لمدة أسبوع لتسجيل عمل خاص بالأعياد الوطنية السورية، فطالت الزيارة لمدة سنة، في تلك السنة احتكت ذكرى بالعديد من المدارس الفنية المختلفة وقتها كانت سوريا محطة مهمة جمعت العديد من الملحنين والموسيقيين من كل الدول العربية.

اللقاء الأهم في سوريا كان مع الملحن الليبي خليفة الزليطني والذي وجد لديها ميل وقدرة على الغناء باللهجة الليبية، فقدم لها أولى تجاربها باللهجة الليبية في أغنية “حبي النقي” والتي سجلتها وصورتها في سوريا، عادت ذكرى مرة أخرى إلي تونس وكانت قد كونت شعبية لا بأس بها هناك، لكنها اصطدمت بواقع الغناء في تونس الذي يحكمه التربيطات والمصالح فتدخلت مطربة كبيرة لمنع أغنية لها، بالإضافة إلي تحكمات عبد الرحمن العيادي الذي كان يرفض أن تغني من ألحان ملحن غيره، كلها أمور عجلت برحيلها السريع من تونس.

ليبيا ونقطة الانطلاق الكبرى.

ذكرى كانت تدرك جيدًا ان الوقت لم يحن بعد للذهاب إلي القاهرة، وهذا ما جعلها تنقل إقامتها إلي ليبيا، وشجعها على ذلك الشاعر عبد الله المنصور الذي أرسل دعوة إليها وقدمه للإذاعة الليبية، التقت ذكرى هناك بالملحن الكبير محمد حسن والذي ضمها إلي حفلات الخيمة التي كان يقيمها، بعدها قدمت أول ألبوماتها في ليبيا من كلمات عبد الله المنصور والحان “خليفة الزليطني” وفيه ست أغنيات منهم أغنية مهمة جدًا في مسيرتها  هي “وابحرت بين المرافي” اللى سمعها صدفة الملحن الكبير “بليغ حمدي” وقال أنها من افضل الألحان التي سمعها في حياته وأثنى على أداء ذكرى بل وقدم لها لحنين “يا وابور يا مروح بلدي” و”زي الزمن” وسجلتها في تونس وصدر في نسخ محدودة جدًا والكثير لا يعرف أنها غنت من ألحانه.

صادف ألبومها الأول في ليبيا نجاحًا كبيرًا وهذا ما شجع الملحن محمد حسن لتقديمها في مشروعه التراثي النجع الذي أنتشر بشكل كبير في المغرب العربي، وتكررت تجربة الملاحم التراثية فتم إعداد ملحمة سيرة بني هلال وصدرت في عدة أجزاء.

قدمت ذكرى عدة ألبومات عديدة باللهجة الليبية وصلت لأن تكون أكثر مطربة قدمت ألبومات ليبية في تاريخ الغناء الليبي حتى الأن، لكن يظل التعاون المثير للجدل مع الشاعر علي الكيلاني في قصيدة بعنوان “مين يجرا يقول” والتي قدمت على ثلاث أجزاء، جزء خاص بالقضية الفلسطينية وجزء خاص بحرب العراق والأخير الذي سيفجر جدلًا واسعًا بعد موتها خاص بحصار ليبيا وقت أزمة لوكيربي.

تظل ليبيا في رأيي أكثر محطاتها الفنية ثراء من حيث الألبومات وكم الأغاني التي أصدرتها، وكانت سببًا رئيسيًا في أن تذهب إلي المحطة الأشهر في حياتها وهي مصر.

مطاردة الشهرة والنجومية في مصر.

زارت ذكرى مصر مرتين قبل أن تستقر فيها، الأولي في أوائل التسعينات لتسجيل عمل فني ليبي في أستوديو الموسيقار هاني مهنى وهو من طلب منها الإستقرار في مصر فترددت بحجة أن الوقت لم يحن بعد، والمرة الثانية للقاء الملحن حلمي بكر وذهبت معه لمكتب هاني مهنى الذي كان في رحلة عمل خارج البلاد، فعاود الاتصال بها ونجح في إقناعها في تلك المرة بالقدوم إلي مصر.

يحكي لي أحد الموزعين الموسيقين أن هاني مهني كان يعد ذكرى لتكون قنبلة فنية جديدة، ووقتها لم يكن يعرفها الموزع الذي انبهر عندما استمع إلي صوتها، قدمها مهني في العديد من الجلسات الفنية، فانبهر الجميع بصوتها وقدرتها الفريدة على غناء أي لحن مهما كانت درجة صعوبته، ووقتها كان الوسط الغنائي يعاني من قلة الأصوات الجادة القوية.

وحياتي عندك ومطاردة الشهرة لأول مرة.

قدمت ذكرى أول ألبوماتها وحياتي عندك في مصر، وهو الألبوم الذي حرك ما كان راكد في الغناء العربي فترة طويلة، بألحان قوية صنعها نجوم الصف في التلحين في مصر مثل “صلاح الشرنوبي” و”محمد ضياء” ولامست ذكرى الشهرة الكبيرة عربيًا لأول مرة.

في ألبومها الثاني “أسهر مع سيرتك” لم تحقق ذكرى ماكانت تطمح إليه من مواصلة النجاح بسبب فشل الدعاية للألبوم،وهذا ما ولد خلافات بينها وبين منتجها هاني مهني لتنفصل ذكرى عن شركة “جولدن كاسيت” لتلتحق بشركة “ستار ” السعودية والتي أنتجت لها ألبوم “الأسامي”

يعد الأسامي واحد من أهم ألبومات التسعينات في العموم وعلامة مميزة جدًا في تاريخ ذكرى ورسخ وجودها في مصر، ظهرت الكيمياء الفنية الواضحة بينها وبين الملحن صلاح الشرنوبي في أغنية الأسامي وكل اللى لاموني، لكن تظل أهم تجارب الألبوم مع الملحن ممدوح الجبالي والموزع أشرف محروس في الأغنية البديعة جدًا “عارف” والتي تعتبر واحدة من أشهر أغانيها في العموم، ثم التجربة الخاصة المتفردة في أغنية “مش فاضلك” والتي وزعت بالأصوات البشرية “الأكابيلا” وهي تجربة لم تحظى بالتقدير الكافي رغم أنها لم تتكرر في الغناء العربي سوى مرة واحدة مع الملحن محمد فوزي في “كلمني وطمني” .

إقرأ أيضا

واصلت ذكرى مطاردة كل شئ في الغناء فقدمت ألبوم “يانا” و حققت المعادلة الصعبة في صنع أغاني قوية جدًا وفي نفس الوقت بروح إيقاعات العصر مثل “الله غالب” ولم تنسي أن تحافظ على جودة اختياراتها فغنت “يا عزيز عيني” وهي واحدة من أحلي الألحان التي غنتها، ووضح قدرتها على انتقاء أغاني قوية فنيًا وفي نفس الوقت تلامس ذوق الجمهور.

في ألبومها الأخير “يوم عليك” قدمت ألحان لبعض الوجوه الشابة مثل وليد سعد ومحمد رحيم مع الحفاظ على وجود الملحن صلاح الشرنوبي قدمت أغنية “انا شايفة” التي لم يسلط عليها الضوء رغم قيمتها الفنية العالية من المتخصصين بعد.

في مصر نضجت ذكرى بالشكل الكافي جدًا الذي جعلها محطة فنية مهمة يتهافت عليها كافة الملحنين وصنعت لنفسها تجربة مختلفة جدًا عن السائد، لم تخف من تجريب وغناء أنماط وأشكال موسيقية مختلفة وساعدها على ذلك قدرتها على غناء كل شئ .

الخليج والنجاح الذي سيجلب المشاكل.

مثلما طاردت ذكرى النغمة الجميلة في مصر، واصلت مسيرتها في الخليج بإنتقاء أفضل الألحان والأغنيات هناك، وهذا ما سبب لها بعض المشاكل بسبب الغيرة الفنية من بعض المطربات بسبب قوة صوتها واختياراتها التي كشفت عن ضعف إختيارات المطربات الخليجيات، وتربص بها بعض الصحفيين وتم تأويل كلامها عن أسباب هجرتها للعديد من البلدات العربية واستشهادها بالنبي محمد الأمر الذي وصل إلي إقامة الحد عليها، لكنها كانت قادرة على الخروج من كل تلك المشاكل ومواصلة المسير

كان لقائها بالشاعر تركي عبد الرحمن وهو نفسه الملحن طارق محمد اللي قدم لها تلات البومات خليجية قمة في الروعة بدأت  بألين اليوم من ألحان الموسيقار الكبير طلال مداح وأغنية “قالها” ثم قدم لها ألبوم ثاني في واحدة من الأغاني اللى ذكري كانت بتعتز بيها جدًا “مافيني شئ” وأجيلك شوق من توزيع حميد الشاعري، و الألبوم الثالث كان أهم أغنياته” كتاب” وألف عمر” و”المدينة والغريب”،نجاحاتها في الخليج جعل تنال على جائزة أفضل مطربة خليجية ولأول مرة تنالها مطربة غير خليجية.

الرحيل المأساوي.

لم يكن أحد يتوقع هذا الرحيل المأساوي لذكرى، وهي التي كانت تنال حب الجميع، لكن يبدو أنها كانت تطارد الغناء من جانب وتطاردها المشاكل من جانب أخر، ويبدو أنها كانت تدرك بشكل ما أنها لن تعيش طويلًا فقررت أن تكرس حياتها للغناء فقط، تركت أثرًا عظيمًا وملهما وتراث فني يعاد اكتشافه طول الوقت، ومثلما كانت بداياتها على مسرح برنامج المسابقات، لازالت أغنياتها تعاد في برامج المسابقات من الأجيال الجديدة التي كل يوم تكتشف مدى عظمة هذا الصوت الذي خلص على الغناء العربي كله في عشرون عامًا فقط .

الكاتب

  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب برونزي له اكثر من 100+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
6
أحزنني
2
أعجبني
3
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
1
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان