تقرأ الآن
رحلة البحث عن الشاعر “الشبح”منصور الشادي

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
306   مشاهدة  

رحلة البحث عن الشاعر “الشبح”منصور الشادي

منصور الشادي
  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


في الحلقات السابقة من سلسلة تاريخ من الغناء الملفق؛ كنت أتناول المنتج الفني الملفق الذي يصدره لنا الفنان دون التطرق إلى جوانب شخصيته، وكل من قمت بالكتابة عنهم شخصيات حقيقية لها وجود فعلي وحقيقي ومن السهل أن تجد لهم حوارًا صحفيًا أو لقاءً تليفزيونيا أو على الأقل صورة شخصية يمكن أن تعرف ملامحهم منها.

في هذه المرة يبدو الأمر أصعب بكثير حيث لن أقوم بتناول المنتج الفني الملفق للشاعر، لأن أغلب إنتاجه الشعري جيد جدًا بل أن بعض الأغنيات مكتوبة بحرفية شديدة وتكنيك صياغة عالي الجودة ويستحيل أن تدرج تحت بند “الغناء الملفق”، لكن الملفق في القصة كلها هو الشاعر نفسه والذي كُتب اسمه “منصور الشادي” تحت أغنيات كثيرة صيغت بكل اللهجات العربية تقريبًا من المحيط إلى الخليج وحقق انتشارًا ضخمًا في فترة زمنية تجاوزت العشرون عامًا وحصدت بعض أغنياته نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، ومع ذلك لن ترى حوارًا صحفيًا واحدًا له أو حتى لقاء متلفز أو مداخلة تليفونية في أحد البرامج، بل لو حاولت أن تذهب إلي أي محرك بحث كي تجد صورة شخصية له لن تظهر لك أي صورة له رغم كل هذا النجاح و كل تلك الشهرة، ليظل “منصور الشادي” أحد الغامضين في تاريخ الغناء العربي مع ترجيح البعض دون سند واضح أنه هو نفسه “منصور البلوي” رئيس نادي الإتحاد السعودي السابق.

بفلوسك وبمالك هتنول اللي في بالك.

في حقبة من الزمان كان أمراء وأغنياء الخليج يتباهوا بين بعضهم البعض بتشجيع ورعاية فرق كرة القدم، فنجد أن الأمير الفلاني هو الرئيس الشرفي للنادي العلاني وأخر يرعى الفريق الترتاني، ولازال الأمر موجود حتى الأن وأن قل بدرجة كبيرة لانصراف غالبية الجمهور نحو مشاهدة و تشجيع الفرق الأوروبية، انتقلت المنافسة من ميدان الرياضة إلى المجال الفني وخصوصًا الشعر فتجد الألبومات الخليجية تعج بأسماء يسبقها لقب أمير  أو يستعاض عنه بإسم مستعار يتخفى وراءه خوفًا من اعتراض العائلة المالكة على عمله بالفن.

لن ننكر أن بعضهم كانوا شعراء حقيقيون مثل  الأمير بدر بن عبد المحسن و الأمير خالد بن فيصل  لكن الأغلبية منهم لا تعرف كيف تنظم بيتًا شعريًا واحدًا وكانت تشتري الأشعار من شعراء آخرون ليكتب عليها اسمائهم أملاً في المباهاة والتفاخر والجمع بين الثقافة والغنى.

مطاردة الشاعر الشبح.

لكل شاعر بصمة تميزه عن الآخرين سواء في قاموس مفرداته أو طريقة تناوله للموضوعات المختلفة التي يتطرق إليها الغناء، في حالة “منصور الشادي” ستجد نفسك أمام شاعر بلا هوية واضحة، شاعر مثل الشبح يكتب بأشكال وتكنيكات ولهجات مختلفة مع تفاوت واضح جدًا في جودة أغانيه.

أحيانًا تجده شاعرًا قويًا يمتلك أدواته جيدًا ويعرف كيف يوظفها في أغنية مبهرة جدًا على سبيل المثال “كبر الغرام” و“مش هسامحك”  وفجأة تجد نفسك أمام شاعر أقل من العادي يرص الكلمات بجانب بعضها دون تماسك في الفكرة أو في الصياغة مثل أغاني ” لا خطر” و“إلا دموعك أنت”، ناهيك عن القدرة العجيبة في الكتابة بكافة اللهجات العربية والتي لن تجد لها تفسيرًا واضحًا أو مقنعًا.

في أغنياته الخليجية ستجد نفسك أمام شاعر خليجي قح يعرف كيف يكتب باللهجة السعودية أو الكويتية أو الإماراتية بصياغة مختلفة في كل مرة بقوالب متعددة سواء قالب شعر غنائي أو قالب شعر نبطي، وعندما ترحل إلي القاهرة حيث اللهجة المصرية ستجد نفسك أمام شاعر خرج من أحدي حواريها الشعبية، بالإضافة إلي قدرته على الكتابة بلهجة بيضاء و خلط العامية بالفصحى بسلاسة شديدة، وبالطبع كل تلك الصفات يستحيل أن تجدها مجتمعة في شخص واحد وإلا نحن أمام شاعر خارق لنواميس الكون الطبيعية أو بأختصار نحن أمام سوبر مان أو كائن فضائي أو برنامج حاسوب مبرمج لكتابة الأغاني.

عمرو دياب من مطرب البوب الأول إلى فتى الإعلانات الأول

بداية التقاط طرف الخيط.

كل تلك الهواجس التي ذكرتها طرقت بابي كثيرًا كي ابدأ في حملة بحث جدي عن هوية “منصور الشادي” مستندًا على أن قصة بيع الأشعار الغنائية أو سرقتها شائعة ومعروفة جدًا داخل الوسط الغنائي بالأخص لو كان الشاعر يمتلك لقب أمير، وأبرز تلك القصص موشح “يا مالكًا قلبي” الذي غناه “عبد الحليم حافظ” وأثير جدلًا حول اشتراكه مع الملحن “محمد الموجي” في نسب كلماته إلي الأمير “عبد الله الفيصل” رغم أنه من كتابة الشاعر “أحمد مخيمر” الذي رفع عدة قضايا لإثبات حقه في نسب الموشح إليه وتوسط عبد الحليم كي يحل المسألة وديًا مقابل مبلغًا من المال فرفض مخيمر.

و بالنسبة لجزئية بيع الأغنيات لاّخرون فمن المعروف أن الشاعر “فتحي قورة” كان يكتب أحيانًا من الباطن لحساب الشاعر “حسين السيد” الذي كان يدفع له ثمانون جنيهًا في الأغنية الواحدة وكان يبيعها السيد للمطرب بمبلغ مائة جنيها، وكان المبرر وقتها هو ضيق وقت حسين السيد وأن فتحي قورة وجدها صفقة مربحة بالنسبة له حيث كان أجره لا يتخطى الستون جنيهًا في الأغنية الواحدة.

بدأت الخيوط تتجمع عندما ذكر لي أحد الشعراء أنه أثناء العمل على أغنية مع ملحن شهير تطرق للحديث عن أحدث أغنيات الملحن التي كتبها “منصور الشادي” فضحك الملحن ساخرًا وذكر أنها تخص الشاعر “م.ك” وليس “منصور الشادي” وعندما عدت إلى الأغنية التي لن أذكر اسمها، وجدتها بالفعل تنتمي إلي أسلوب الشاعر “م.ك” حيث تكرار نفس المعاني بمفردات مختلفة ونفس التقطيعات القصيرة ونفس القالب الشعري الذي يستخدمه في الغالب.

تأكد الأمر عندي عندما وجدت اسم “منصور الشادي” على أغنية “جرحي أنا” حيث أن فكرة الأغنية العبثية “أن تقيم عيد ميلاد للجراح” بالإضافة إلى قاموس المفردات المبالغ في كاّبته والخيال المعتل نفسيًا لا يجرؤ على كتابته وصياغته سوى شاعرًا واحدًا هو نفسه “م.ك” وبالمناسبة هو نفس الشاعر الذي طلب من حبيبته فى إحدى الأغنيات أن تكرهه.

تواصلت مع شاعر اّخر ذهل عندما استمع إلى أغنية “كبر الغرام” للمطرب “محمد فؤاد” وذكر أنها بالفعل من كلماته وكانت معدة كي تكون تتر مسلسل درامي وسرقت من عنده مع سيناريو فيلم كوميدي ظهر للنور كتبه شاعر غنائي تحول إلى سيناريست حاليًا، وعندما ذكرت أغنية “مش هسامحك” للمطرب “محمد الحلو” أكد لي نفس الشاعر أنها لا تخصه بل تخص الشاعر الذي سرق أغنيته وسرق سيناريو الفيلم الكوميدي وقد يكون باعها  لمنصور الشادي مع أغنيته “كبر الغرام“.

لو نظرنا إلى أغنية “كبر الغرام” سنجدها تنتمي إلى شاعر يكتب العامية المصرية من حيث المفردات المستخدمة والصور والأخيلة بل متبحر وقارئ جيد للشعر العامي في مصر حيث تماست  رؤيته في مقطع “كان أولى بيا النوم لكني صحيت – جربت أضحك ع الليالي بكيت” مع رؤية الشاعر الكبير “فؤاد حداد” في مقطع “بكيت مسحت دموعي – بمسح دموعي بكيت” ولو عدنا إلى أغنية “جرحي أنا” سنجد اختلافًا جذريًا في الرؤية و تكنيك الكتابة وحصيلة المفردات وأن من يكتب “كبر الغرام” يستحيل أن يكتب “جرحي أنا“.

غرامك مزيف ضميرك عدم

في حوار تليفزيوني مع الشاعر العراقي الكبير “كريم العراقي” ذكر أنه في فترة من الفترات كان اشعاره تكتب تحت أسماء مستعارة بسبب الحظر المفروض على العراق، وذكر على سبيل المثال أغنية “عاش من شافك” والتي غناها المطرب اللبناني “فضل شاكر” و كتب في خانة الشاعر اسم “محمد كريم” ثم ذكر أن أغنية “يمين الله” للمطربة السورية “أصالة” من كلماته هو وليس كلمات “منصور الشادي” واستفرد ضاحكًا أن أصالة تحلف يمين على ذلك ثم أكد تلك المعلومات في حوار منشور مع جريدة الزمان عام 2017

وفي نفس الحوار المتلفز قذف “العراقي” بقنبلة أخرى أن هناك أغنيتين في ألبوم “واضح” للتونسية “لطيفة” من كلماته هما “كرهتك” و”ان شا الله” وفي اليوم التالي خرج المكتب الإعلامي للمطربة كي ينفي تلك المزاعم وقال المكتب على لسان لطيفة أن الملحن “صلاح الشرنوبي” أثناء الإعداد لأغنية “كرهتك” اتصل بها من أحدى المطارات وقال أن “منصور الشادي” كتب مقطعًا جديدًا فيها على متن الطائرة وقد تكون لطيفة صادقة في زعمها لكن مفتاح حل هذا اللغز عند الملحن “صلاح الشرنوبي” الذي لحن الأغنيتان.

إذا ارتحلنا إلي السعودية سنجد أن هناك ضجة حدثت وقت صدور أغنية “الأماكن” للمطرب الكبير “محمد عبده” بسبب إتهام الشاعر “إبراهيم الجنوبي” لمنصور الشادي بسرقة القصيدة من خلال الملحن “ناصر الصالح” الذي أكد على أنه يعمل سمسارًا لحساب الشادي، وتم تسوية الأمر  بأن دفع الشادي مبلغًا كبيرًا للشاعر “ابراهيم الجنوبي” ترضية له بحسب مانشرته جريدة الرياض السعودية، ناهيك عن وجود قضية أخرى رفعها الشاعر “خالد المريخي” على الشادي بسبب سرقة خمس أغنيات غناها المطرب “رابح صقر“.

إقرأ أيضا
الشمس

وفي حوار مع المطرب “محمد عبده” عبر برنامج العراب نفى وجود أي علاقة بينه وبين “منصور الشادي” وأنه لم يقابله ولو لمرة واحدة في حياته وأن الملحن “ناصر الصالح” هو من عرض عليه اغنية “الاماكن” وان هذا الملحن تحديدًا يتعامل مع شعراء أشباح.

بليغ ومنصور الشادي.

لو عدنا إلى الوراء قليلًا سنجد أن اسم منصور الشادي ظهر على أغنيات “من بين ألوف” و”بودعك” من ألحان “بليغ حمدي” وغناء “وردة” مع الأخذ في الاعتبار أن بليغ في تلك الفترة كان يكتب أغلب أغنياته بنفسه مثل “الحب اللي كان” و”أنا بعشقك”، لكن ظهور اسم الشادي لم يكن مستغربًا لأنه كان ضيفًا دائمًا على السهرات التي تقام في منزل “بليغ حمدي” مع تواتر أقاويل أنه  تكفل بمصروفات سفره بعد حادثة مصرع “سميرة مليان” وكان المقابل هو كتابة اسمه على أغنية “من بين ألوف” التي قاد فيها بليغ الأوركسترا في الحفل الذي أقيم قبل سفره بيوم تقريبًا.

لم يتوقف الأمر عند “من بين ألوف” ففي أوائل التسعينات اتصل بليغ من باريس بالمطربة وردة وعرض عليها أن تغني أغنية “بودعك” لمروره بضائقة مالية، تلك الأغنية كان بليغ قد كتب بعض كلماتها في رسالة أرسلها إلى وردة أواخر السبعينات، وطلب منها أن تحويل مبلغ 15 ألف دولار  عن طريق منتجها “محسن جابر” الذي رفض دفع المبلغ فتدخل منصور الشادي وتكفل بسفر وردة مع الفرقة الموسيقية وتم تسجيل الأغنية هناك وبالطبع كان المقابل كتابة اسم منصور الشادي عليها.

تتواتر القصص حول استكمال الشادي كلمات بليغ، وبفرض صحتها لماذا لم يتم كتابة اسم بليغ بجانبه مثلما كان يفعل في السابق مع “عبد الرحيم منصور” الذي كان يستكمل بعض كتابات بليغ الذي كان يكتب تحت اسم مستعار هو “ابن النيل” بل أن وردة نفسها نفت تلك القصة في حوار مع الإعلامي وجدي الحكيم الذي حاول أن يضغط عليها كي تؤكد أن الشادي استكمل كلمات الأغنية لتنفي هذا الأمر وتقول له صراحة أن الأغنية كلها من كلمات بليغ، ولا أعرف أين الضمير المهني لهذا الإعلامي الذي ارتضى أن يزور التاريخ كي يرضي الشادي أو محاولة تنقية صفحة بليغ حمدي من أي شوائب.

الصندوق الأسود للشعراء.

لا يمكن الزعم بسرقة الشادي لكل الأغاني التي كتب تحتها اسمه، لأن هناك عدد كبير من الشعراء فرطوا في حقوقهم الأدبية وباعوا له أغنياتهم  و عاصروا نجاحات بعضها تحت اسم شاعر اّخر، وهي المعلومة التي أكدها لي عدد من الشعراء رغم غضب البعض من مجرد التلميح بقصة بيع الأشعار، وبالطبع لا يمكن ذبحهم لأني أعلم جيدًا أن من فعل ذلك كان مضطرًا تحت وطأة الحاجة إلى المال.

لكن يظل حل مفتاح اللغز عند من  قاموا بتلحين الكلمات التي قيل أنها من أشعار “منصور الشادي”  وهم يعلمون جيدًا أنه لا يكتب الشعر حتى وأن كان شخصية حقيقية حية بالفعل  وغير مستبعد أن يكونوا على علم بهوية صاحب الكلمات الحقيقي، لأنه من غير المعقول أن يقوم الملحن بتلحين كلمات لا يعرف من كتبها ويشترك معهم أغلب المطربون حيث يملك بعضهم حلًا لهذا اللغز.

الشاهد أن بعد فترة اختفاء كبيرة عاد الشادي للواجهة الفنية مرة أخرى هذه الأيام بعد صدور أغنية “أنا مش مصدق” للمطرب وائل جسار  من تلحين الصندوق الأسود لأشعاره في مصر الملحن “وليد سعد“.

الكاتب

  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
2
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان