رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
629   مشاهدة  

سلسلة الفرق الغنائية (2) هاني شنودة وفرقة المصريين

  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


منذ فترة انتشرت تغريدة على موقع تويتر يتساءل صاحبها بتهكم عن عدم معرفته بشخص يفترض أنه شخصية عامة، ليرد عليه هذا الشخص بكل أدب وتواضع “مساء الخير أنا اسمي هاني شنودة ملحن ومؤلف موسيقي”، لم يكتفي شنودة بتعريف نفسه بل قدم للشخص المتسائل دعوة على فنجان شاي كي يعرفه بنفسه ملتمسًا له العذر أنه لم يعرفه من أعماله التي تكاد تكون أشهر منه.

هذا الموقف العابر يجعلنا نفتح بابًا كبيرًا للتساؤل هل احتل هاني شنودة المكانة التي يستحقها؟ وهل يتحمل وزر عدم معرفة الأجيال به؟ أم أن تاريخ الموسيقى المصرية الحديث تم تزويره عن عمد ومارس الإعلام تضليله في نسب ريادة الأغنية المصرية الحديثة لآخرين، بينما الحقيقة الغائبة تقول أن هاني شنودة هو مؤسس الأغنية المصرية الحديثة.

بدايات هاني شنودة كعازفًا للكي بورد والبيانو في عدة فرق تعيد تقديم الأغنيات الأجنبية الناجحة، توحي بأننا أمام موسيقي قرر أن يكسر جمود الأغنية الكلاسيكية والتأسيس لأغنية مغايرة تمامًا، هو شخصيًا لا يحبذ المقدمات الموسيقية الطويلة، وكان يفضل الاستعانة بعدد قليل من الآلات الموسيقية أغلبها غربي ستلعب دور البطولة في أغنيته الجديدة، بالإضافة إلي أن الإخراج الموسيقي كان مختلفًا، فهناك خطوط هارمونية متعددة ستصاحب جملة اللحن الأصلية.

تلك الأفكار قوبلت باستهجان في البداية فتصادم مع الملحن “كمال الطويل” قبل أحد البرامج التليفزيونية وألغي البرنامج وقتها، تهكم عليه “نجيب محفوظ” بعد أحد الحوارات الصحفية ملخصًا تجربتهم الجديدة بأنها “مجرد زوبعة في فنجان” لينتهي الحوار بالتفكير في إطلاق فرقة تغني أغاني عربية، ثم يأتي التعاون الأهم مع “عبد الحليم حافظ” في حفلة نادي الجزيرة ثم رحيله بعدها تتجمع الظروف والأسباب لتكوين فرقة “المصريين”.

لعبت فرقة المصريين دورًا كبيرًا في تغيير وتوجيه ذائقة الجمهور للموجة الجديدة من الأغنية، هاني شنودة كان يدرك أنه سوف يواجه مصاعب في تحقيق مراده في تطوير الأغنية فقرر إنشاء فرقة خاصة به كي يتحرر من مخاوف المطربين الذين  لازالوا يسيرون في فلك النمط الكلاسيكي القديم من الغناء.

التقى شنودة صديقه وبلدياته المنتج “عاطف منتصر” والذي أقنعه بقبول فكرة إنتاج ألبوم لفرقة غنائية، تخوف منتصر من خوض التجربة فكيف سيدمج شنودة تلك الأصوات الرجالية والنسائية معًا في أغنية واحدة، وهنا رد شنودة بأنه يدرك جيدًا ما سوف يفعله” وصدر الألبوم الأول “بحبك لا” في عام 1977.

شهد الألبوم اكتشاف أصوات شعرية ستأخذ مكانة هامة لاحقًا مثل “مرسى السيد” و”عصام عبد الله” و”عنتر هلال”، لكن يبقى الحضور الأهم ل”صلاح جاهين” والذى صنع أشهر أغنيات الفريق حتى الأن “ماتحسبوش يابنات” و “الشوارع حواديت”، فى أغلب حوارت  “شنودة”  دائما ما يذكر دور “جاهين” الحقيقى فى الفرقة، حيث كان الموجه الحقيقي للفرقة والأب الروحي لها، صنع لها فلسفة خاصة بأفكار تماهت مع شباب تلك الفترة، بمفردات شعرية جديدة وتناول مختلف لعلاقات الحب والغرام.

أقرأ ايضًا … صدق أو لا تصدق عبد الحليم حافظ صاحب أول تجربة أندر جراوند في مصر

الجمهور المصري كان يبحث عن ما يحرك الراكد في سوق الغناء المصري بعد سنوات الحرب، ونجحت الفرقة في إحداث دوي هائل لدى المستمع فالألبوم تهافت عليه الجمهور كما يتهافت على العيش الساخن، نجح شنودة في طرح أفكاره المتمردة جعلته واتجه لشعراء كان يري في أشعارهم مفاهيم جديدة ومفردات طازجة لم تدخل قاموس الأغنية العربية و تماست مع تمرد الموسيقي.

كانت فرقة المصريين أكثر وعيًا من التجارب الأخرى. تعرِف أنّها تخاطب قاعدة عريضة من جمهور جديد من الطبقة الوسطى الذي بدأت أكثر وعيًا ونضجًا عن الأجيال السابقة، هذا الجمهور الذي كان منفحتًا على التجارب الغربية الأوروبية والتي كانت تلقي رواجًا في تلك الفترة.وأطلقت يد “شنودة” من قبل المنتجين لكى يضع لمساته مع آخرين بالتزامن مع الفرقة، ولحن ووزع “بحلم معاك” و”انا بعشق البحر”للمطربة نجاة ووضع التوزيع الموسيقى لألبوم فايزة أحمد “دنيا جديدة” وأطلق التجربة الثانية لـ منير “بنتولد“.

قدمت أغنيات المصريين موضوعات جديدة تلاقت مع أفكار جمهورها ، أغنية الألبوم الرئيسية “بحبك لا” كانت تتحدث عن شكل جديد من العلاقة العاطفية وعن الصراع بين العقل والقلب في نفس الألبوم لحن شنودة واحدة من أهم قصائد جاهين “الشوارع حواديت” تلك القصيدة البديعة التي كان يرى فيها جاهين أنها عصية على التلحين خرجت من شنودة في أفضل صورة ممكنة، وتناولها موسيقيًا بشكل عبقري بداية من دمج إلقاء جاهين للقصيدة مع صوت إيمان يونس، و الإيقاع الرتيب المدعوم بخطوط هارمونية مغايرة تمامًا لخط اللحن الرئيسي، في أغنية “قربي” قدم لنا الثنائي الجديد “عنتر هلال” والملحن “إسماعيل البلبيسي” في أغنية بوب عصرية جدًا دمج فيها أصوات الكي بورد مع الدرامز والطبلة الشرقي ومنح لنفسه الحرية في الارتجال الموسيقي في أخرها.

من ميزات شنودة هي حرصه الدائم إنتقاء الكلمات فحاول قدر الإمكان الإبتعاد عن قاموس الغناء العاطفي المستهلك بأفكاره التي كان يرى فيها المحبوب خاضع يبكي جراح الفراق فيأتي شنودة لكي يكسر تلك القاعدة بأغنية “ماتفكريش” فيقول ” ماتفكريش علشان بعدتي هبقى انتهيت انا والحياة لا لا بوجودك انتي باقية الحياة من غيرك انتي دايمة الحياة “

في الألبوم الثاني “حرية ” حلق شنودة بعيدًا بأغنيته الجديدة، فنجد الخطاب الأنثوي الغنائي يتغير تمامًا فنجد الفتاة تطالب بحريتها من قيود المحبوب وأن الحب في حد ذاته حرية وإختيار ولا تتعارض مفاهيمه مع الحرية الشخصية، ايضًا لا ينسى أن يصنع أغنية “مسألة السن” والتي مارس فيها نقدًا لاذعًا للجيل القديم الذي يعترض على تمرد الأجيال الجديدة فيقول أن هذا الجيل كان يمارس نفس التمرد والفارق الوحيد بين الجيلين هو مسألة السن فقط،

 في الألبوم الثالث لم يعاني شنودة كثيرًا في إيجاد أفكار مختلفة تسير على نفس درب الألبومين السابقين، في ألبوم نبدأ من جديد هناك حالات شديدة الصلة بنفس الأفكار التي تناولها في السابق ولكن بمفاهيم جديدة، حتى عندما تناول أمورًا عاطفية، فقد جاء التناول مختلفًا تمامًا وخرج بعدة أفكار أكثر عمقا تسير جنبًا إلى جانب العاطفة.

تعتبر لما كان البحر أزرق درة أغنيات فرقة المصريين حيث أثبتت من خلالها أن الأغاني العاطفية يمكن لها أن تخرج بعدة أفكار أخرى أكثر عمقًا وأكثر تركيبًا.

إقرأ أيضا
السنة والشيعة

الأمر هنا يتجاوز الفكرة البسيطة عن فراق حبيبين، بل يفتح بابًا كبيرًا لمواضيع كإيجاد الهوية المفقودة تحت ظل الآخر والبحث عن الذات وتكوين الخبرات الشخصية الذاتية، حوار داخل فتاة تحكي أسباب تركها لحبيبها بحثًا عن هويتها المفقودة معه، رافضة أن تكون ظلًا باهتًا تسير خلفه في فكرة شديدة الصعوبة والصياغة الشعرية لم يطرقها الغناء الأنثوي من قبل بسرد شعري حطم الشكل التقليدي للأغاني بتناول عميق يتحدى الأفكار والاستنتاجات المعدة سلفًا، وأنه لا شيء بديهي ولا مسلم به، وأن الخبرات المعلبة المنقولة للآخر تظل كلامًا مرسلًا لا معنى له طالما لم تكوّن تجربتك الذاتية الشخصية.

من أكثر الأغنيات التي تعبر عن الفرقة فلن نجد أفضل من هزني، فهي تشبه ما فعلته هذه الفرقة من هزة في عالم الأغنية المصرية.

فكرة الأغنية صدامية جدًا تتحدث عن جيل يبحث عن ذاته ويريد التعبير عن نفسه جيل يرفض أن يكون تابع لأجيال أخرى تمارس رقابة متزمتة على مشاعره وأفكاره.

الأغنية التي تقف في أقصى جوانب التمرد الفني على الإطلاق، تحمل أفكارًا تقدمية لم يجرؤ أحد على غنائها من قبل، تتحدث بصدق عن الجيل الجديد الذي يحاول الخروج من الشرنقة المظلمة من العادات والتقاليد البالية دون شعارات حنجورية طنانة.

تظل فرقة المصريين هي أنجح التجارب الغنائية الجماعية في مصر، و يظل السبب الحقيقي لبقاء المصريين نابعًا من أفكارها الغنائية الجديدة وموسيقاها المختلفة المتمردة التي تصلح لكل زمان ومكان ، ويحسب ذلك لشخصين صاغا فلسفة الفرقة هما صلاح جاهين الأب الروحي، والذي رسم لها الطريق الذي سارت عليه بمواضيع ومفردات حررت الأغنية المصرية من مفرداتها الكلاسيكية، وصنع لهم أشهر أغنياتهم حتى الأن. الشخص الثاني الذي يحسب له نجاح فرقة المصريين هو هاني شنودة الذي قرر خوض مغامرة موسيقية مختلفة عن السائد واستطاع التعبير عن نفسه جيدًا غير عابئ بأي هجوم. حرر شنودة الاغنية من مقدماتها الطويلة وكان أول من يصنع أغنية بخلفيات هارمونية غير مستنسخة من اللحن الأصلي وصار صوت “كي بورده” بصمة مميزة لا تخطئها الأذن، بل إن موسيقاه أصبحت العلامة المميزة لفترة الثمانينات

الكاتب

  • محمد عطية

    ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان