رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
164   مشاهدة  

رواية ماري القبطية .. الفصل الأول: بيرة وخوف على سلم الملك

الملك
  • شاعر وكاتب مصري، جائزة أحمد فؤاد نجم 2017 عن ديوان "حد شبهي"، حصل على زمالة معهد التعليم الدولي- صندوق حماية الفنان (IIE-APF)، شاعر زائر في Pitzer College لمدة عام 2022/2023، فاز مشروع روايته "ماري القبطية" بمنحة إنتاجية من مؤسسة المورد الثقافي عام ٢٠٢٠ .



“بعد خمسة أشهر وأيام، أقل من أصابع كف، على نطقنا الكلمة التي أدخلتنا التجربة، رغم صلاة حبيبتي المستمرة للرب: “لا تدخلنا في تجربة”، إلا أن الرب كان مشغولًا فلم ينتبه لصوتها حتى تلاشى في طابور ملائكة لا نهائي يحملون نداءات عديمي الحيلة- مثلنا- من العالمين. وبعد ما عشناه في تلك الأيام، وما فعلوه معنا محبو الرب، الذين لا يفعلون شيئا إلا بذكر اسمه، به يبدؤون طعامهم ويذهبون لخراء ما أكلوه مستعيذين به، يمكنني القول- دون أن أكون متطاولا مثلما تطاول عليه هؤلاء المحبون ومازالوا يفعلون-: ربما صلاة حبيبتي كانت تتزامن- وللصدفة البحتة- مع قيلولة الرب وأوقات قضائه لحاجته أو مع لحظة نشوته عند ممارسة العادة السرية، كونه وحيدًا. لقد كانت مشيئته أن ندخل التجربة. نختبر جزءًا مما هو قادم. أراد لنا أن ننزع بأيدينا قناع “المجتمع المتسامح” ونمزق هذا الوجه المزيف. وجهًا حاكته كتب التاريخ المدرسية وأصوات الدق على الشعارات الرنانة المشدودة على خطب الساسة والحكام والمتحدثين باسم الأديان، كما يشد الجلد على دائرة خشبية لتشكل دفًا تقرعه ألسنتهم، إنها الشعارات التي نسمع عندما يرددها أرجوزات مكلفون بحصارنا عبر كل الوسائل مزيجا موسيقيًا متداخلا من “نغمات نشيد البلاد، ٰهتاف الطلبة والشرطة ترميهم في النيل ليشربهم، معارك طه حسين، نفي الملك، ألحان أغاني الحرية، الأيدي الممسكة بمصحف في غرفة مظلمة والمارشات العسكرية”، وكلما لاكتهَا ألسنة الخطباء، لإقناعنا بهذا الوجه، ذاب مضمونها في أحناكهم. تصبح بعدها شعارات مجوفة وفارغة يُصدرُ الدق عليها إيقاعًا حادًا تطغى فيه موسيقي المارشات.”

كان الوجهُ أبيضَ وقاسيًا كالحجر الجيري، قدر ما يتحملُه لونٌ أبيضٌ من قسوة، نصفه يطل عليَّ من الجانب الأيمن لشاشة اللاب توب الموضوع على مكتبها أمامي. لا حركة أراها في وجهها سوى اهتزاز بعض خصلات الشعر على أذنها بفعل هواء المكيف.

توقفُ الأجراسِ طويلا- إيقاع كتابتها ما أقوله وأنا أقوله- نبهني لثبات موظفة المفوضية السامية لشئون اللاجئين. كاد الخوف الذي هاجمني منذ توقفها عن الكتابة يلجلج لساني، لذا صمتُّ عن الكلام. إني أملك خيالاتٍ وهواجسًا مرعبةً لا تحتاج سوى لحظات صمت لتحفيزها فيرعى الخوف في قلبي كما ترعى نعاج جائعة في إبط الترع. “هل قلت شيئا يتسبب في رفض حالتنا؟”، فكرت. كنت كمن يعبر بعائلته حقل ألغام، كلمة واحدة خطأ بمثابة رفع قدمي بعدما داست على لغم بكل ثقل المسؤولية التي أحملها، مسؤولية رب العائلة. سألتها سريعا لأبرر ما حل بي من صمت فهي لم تطلب مني السكوت، وفي نفس الوقت أمنح نفسي بعض الثواني ريثما تجيب، تلك الثواني كافيةٌ لاسترجاع ما قلته والتفكير فيه:

– إنتي بخير؟

انتبهتْ إلى تحدثي لها وليس عني، وأنا استكمل سؤالي:

– لو مرهقة ممكن تريحي ودنك من صوتي المزعج، ندخن سيجارة بره في الهوا ونرجع نكمل لو تحبي؟ أنا بسأل لأن حضرتك أول مرة تبطلي كتابة وأنا بحكي!!

– طيبْ خاطرك.

بابتسامة موظفي المنظمات الإنسانية حاولت طمأنتي، وهي تواصل كلامها وتشير بيدها إلى مستطيل أسود على سطح المكتب به شاشة صغيرة تحتها بضع أزرار، وأزرار أخري بالجانب، شديد الشبه بالهواتف المحمولة التي باتت عتيقة في مخيلتنا الجمعية:

– كل ما بتقوله بيتسجل، تقدر تواصل إذا بدك”.

كان سهلا عليَّ معرفة الكلمات التي سبقت توقف نقرات الكتابة. بالطبع ذاك الحديث عن الله. وقبل أن تدعوني الموظفة لأواصل، كانت ذاكرتي قد أنجزت مهمتها. إن ما قلته قد قلته لا إراديا، إنها بصمة الأجداد التي تركوها في حمضنا النووي وتوارثناها جيلًا بعد جيلٍ وسوف نُورِّثُها للأحفاد. إنها خوفهم، ابن غريزة البقاء وحاميها، فالخوف يحفز أسلحة أي كائن لتدافع عن حقه في رؤية الغد. ولحظي التعس كوني كاتب ضيق فرصي في امتلاك سلاح آخر غير الكلمات، وهذه المرأة أمامي لا تنقل عني غيرها. لا شأن لها بي يجعلني أطمئن ويمنحني ميزةً عن آلاف قبلي من طالبي اللجوء لم تتذكر مشاعرهم حين خذلتهم كلماتهم. علىَّ استكمال حديثي واستغلال الوقت المتاح قدر المستطاع. تلك الفرصة التي ينتظرها آخرون سنوات وسنوات، لعل ما أحكيه يجبرها على الاعتبار بمشاعرنا في تفسير ما أقول. ويمنحني التوازن لأعبر حاملا حبيبتي وابنتي هذا الصراط المسمى مفوضية اللاجئين، الذي يفصلنا عن المستقبل.

كانت يدها ما زالت عائدة من فوق جهاز التسجيل، الذي أشارت إليه، لوضعها السابق خلف شاشة اللاب توب، عندما عُدتُ لحكاياتنا. لم تكن قوست يدها بعدُ لتلامس أناملها الأزرار استعدادا لكتابة ما أقول. وأنا أوضح لها مقدار ما كنا عليه من سذاجة قبل تلك الشهور الخمسة، رغم كل ما سمعنا عنه ويقع حولنا من حوادث طائفية تستشرف المستقبل وتخبرنا أن غَدَنَا يرتدي حزامًا ناسفًا. صوت مصمصة الشفاه أسفًا كان تعليقنا الأبرز على ما نسمعه حول هذه الحوادث البعيدة عنا- حسبما كنا نعتقد مخطئين- حتى فاتنا أن نرى في دخانها ما لم يره أهل “بومبي” في الدخان المتصاعد من جبل “فيسوفس” فنعرف أنها تنفس بركان لن تخمده محاولات ردم فوهاته في سجونٍ وأديرةٍ، أو تغطيتها بصور تصافح الأزياء المقدسة، لم تمهلنا سذاجتنا فرصة الشعور بالخطر.

– إيه ممكن تعمل أخبار الفتن الطائفية، اللي بيكتب تفاصيلها وعناوينها رجال الأمن وتنشرها وسائل الإعلام في مساحة حجمها أقل من سطح علبة سجائر أمام التاريخ الطويل لممارسة (إدارة الظهر) وإنكار وجود الأزمة لدواع أمنية وتوصيات كهنوتية؟!!

سألتها حتي أسترعي انتباهها، محاولا فتح سبل تواصل أكثر رحابة من السبيل الرسمي بين موظفة ومجرد رقم يحمله ملف، دون انتظار إجابة غير النظرة المليئة بالحسرة التي رمقتني بها وهي تهز رأسها لأعلى وأسفل بعض هزات خفيفة متتالية. إجابة كانت لتصدر عن أي إنسان في نفس الموقف، فقط ربما يمطُ البعض شفتَهم السفلى بدلا من هز الرأس المتزامن مع نظرة تكشف إدراك صاحبتها عجز وانعدام حيلة هذه الأخبار، وافتقارها للصدق والوضوح اللازمان لجعلنا نشك في إيماننا (بالوحدة الوطنية)، ذاك المنظر الدافئ للتعايش، المنظر المغزول غرزةً غرزةً “كاناڤا” يغطي جدار الوعي بصورة شجية لصليب يسند رأسه على كتف هلالٍ مطمئنٍ، والهلالُ يُحكمُ نصف دائرته حوله ليحميه، وسرب حمام يُمطرهما بأغصان الزيتون التي يؤمنان بها تيمنا بجدهما نوح). منظرٌ نسجته (ثورة 19) قبل مائة عام من الأحبال الصوتية للثوار وهتافهم الحالم َبالحرية والمواطنة، ومازالت أنوال الساسة لا تتوقف عن نسيج هذه الصورة.

نسيج مائة سنة تأكله شمس شهور خمسة!! وتكر خيوطه حتى آخر عقدة، كقطة برية تفترس لأول مرة كرة خيط. ألمُ وخوفُ تلك الأيام جردا الصورة المعلقة على جدار الوعي أمام عيني، رأيت الهلالَ قوسَ رمايةٍ أو منجلًا يحش خضار القلوب، ورأيت الصليب معكوفا وخائفا في آن، ورأيتهما معلقان بخيط واحد طرفه في يد جنرال الحرب. رأيت من يشعل الفتنة، رأيت الفتنة تقتنص سرب الحمام، وانفجر الخوف في بدني وشعرت بالدماء ترتعش في الأوردة حين رأيت الحمامة الناجية تخلع عنها ريشها فتغدو مقاتلة تقصف بيوت الله بأغصان ديناميت.

كانت ليلة “عيد شم النسيم” ويمكن القول إنه صباح ذلك اليوم من شهر أبريل 2011، ربيع الكذب وأول مواسم سوء الأحوال الجوية لقلبي. كنا نتحدث عبر الهاتف كعادتنا كل ليلة من 12:00 بعد منتصف الليل حتى نسمع آذان جارها الديك، إذا كانت على سطح بيتها أو عند الرابعة صباحا إذا كانت في غرفتها أو أي مكان آخر في البيت، لكن يومها واصلنا الحديث حتى السادسة صباحا. طوال المكالمة كان عليَّ أن ألعب دور المُطمئِن لها. بكت كثيرا، وأخبرتها أنني في الجوار وقتما احتاجتْ إليَّ. طلبت ألا أغضب عليها، وخجلت من عجزي فعل أي شيء يجعلها مطمئنة؛ فقط أخبرتها أن قرارنا هو أفضل ما يمكننا فعله الآن. نحن نفضل أن يبقى كل منا بعيد وفي أمان على أن يشهد أحدنا قتل الآخر. كانت مكالمة تليق باختيارنا الوداع مجبرين. إنه ليس بالأمر الجديد علينا، بلدنا دائما ما يمنح الناس حق الإختيار بين مُرين، فيعصرون على اختيارهم ليمونا ليكسر شوكة سمومه ويجعلهم لا يتقيؤون من مرارته، فيمضي بأقل الأضرار. كانت خائفة جدا، وكنت أشعر بأنني السبب في خوفها، لو لم أكن موجودا لمرت حياتها في سلام. ورغم سماعنا تنبيه الديك إلا أننا لم نتحدث عنه كما تعودنا قبل إغلاق أي مكالمة، تغافلناه تمامًا حتى أجبرتها السادسة على النزول من السطح. ذكرتها بأن عليها الاستعداد للذهاب بعد قليل مع والدها وأفراد أسرتها إلى دير العذراء- خروجة العيد كل عام-، وأستعد أنا أيضا للقاء الأصدقاء، إنهم سيمرون في السادسة والنصف لأخذي معهم إلى سوهاج لقضاء عيد الربيع في جزيرة “شندويل” تلبية لدعوة صديق يعيش هناك.

“سوف تغير رقم هاتفها لكنها ستحتفظ بالرقم الحالي لتتصل بي إذا أرادت شيئا وذلك نهارًا فقط، نحن زملاء في الجامعة وأصدقاء يمكننا قول صباح الخير لبعضنا، وسأترك رقمها متاحا حتى غروب الشمس لأطمئنها بعد عودتي من السفر القريب” كانت هذه القرارات آخر ما أضفناه على اتفاقنا قبل إنهاء المكالمة.

– أنا نازل أهو يا جدعان. آمال فين ناير؟

– طلع علينا بعيونه المغمصة من ورا الباب زي البنات، وقال إنه مش جاي معانا.

كانت يدي اليمنى مسنودة على سور الشرفة، وذراعي الأيسر ممتدا في كم القميص الصيفي القصير، أُطلُّ عليهم بنصفي المائل حتى يرونَني وأراهم، بينما عبد الراضي صديق الطفولة وشريكي في هذا السكن الجامعي. نتشارك الغرفة التي تحملني شرفتها في شقة بالطابق الرابع بها غرفتين أخرتين يستأجرهما طلبة آخرون، الطابق الأخير لأحد – البنايات- أعمدة الإقتصاد القومي لأسيوط، تلك الأعمدة الخرسانية بمنطقة معهد الأورام القريبة من الجامعة والتي يؤجرها أصحابها بالسرير. لا حديث عن مساحة الشقة، ويذكرون أحيانا عدد الغرف لبيان توزيع الأسرة المسيطرة على ألسنة السماسرة وإعلاناتهم الترويجية.

كان عبد الراضي يقف أمام مرآة الحمام التي تزاحمت في ذاكرتها وجوه غريبة ومغتربة لشباب كثر حتى تشققت من الأعلى، يطمئن على استعدادِ وجهِهِ للسفر، ويستمد من صورته في المرآة قوةً تربط جأشه فلا يتقيأ في الطريق كطفل. يحفظ أناقته ليقطع الطريق على الدوار الذي يصيبه خلال السفر بالسيارة حتى لا يُفسد تلك الأناقة ويقتص من رجولته التي تخطو خطوتها الأولى بعد العشرين في عيوننا نحن أصدقائه. في الأسفل بدا سعد كقرد نحيف، بشرته سمراء كبشرتي لكنه بشعر ناعم طويل يتدلى على أذنيه، متعلقا في رقبة صديقنا محفوظ، يمتطي ظهره كشجرة موز ويجيب ناظرًا إلى أعلى عن تساؤلي حول غياب ناير. ومحفوظ يرفع رأسه قدر ما يستطيع صاحبُ ظهرٍ محنيٍّ يحمل صديقه الشقي. وعلى بعد متر تقريبا يقف بجوارهما علواني ممسكا بهاتفه الصيني الذي أدخله عالم البلوتوث والتسجيل والصديقة الكاميرا. هاتفه موازٍ لصدره قدر ما رفعته يده اليمنى كمن يكتب رسالة، وعيناه ترفع وجهه نحوي- لا إراديا- لكي يسمعنى وأنا أتحدث ويراني أستمع لسعد وهو يجيب.

– دي قاعدة على كتفه وسيقاه، هي اللي هتركبه ليلة الدخلة مش هو اللي هيركبها.

قالها سعد في مرح ففهمنا منه قدر حزنه علي صديق أعطى تسع سنوات من عقده الثالث للمسرح الجامعي. وها هو على بعد شهور من قفل ستار الفصل الثلاثين من حياته، وتسوقه فتاة مازال مقعدها دافئا وسط المتفرجين في قاعة المسرح، وتخرج به من باب الجمهور قبل انتهاء العرض وقبل أن يحصل على تحيته كممثل ومخرج طوال تلك السنوات. وردا على تعجبنا مما حل به في هذا السن من فتاة أصغر منه بسنوات ولا نرى فيها جمال يفتن. والحق أننا لم نكن نرى فيها أي جمال، لذا حكى لنا علواني باعتباره أقدمنا معرفة بهذا الصديق:

– كان قاعد تحت رجليها وبيبكي عند السلم اللي تحت مدرجات تجارة، كنت معدي صدفة، أول ما شفت المنظر دا جريت عليه … رفعته من على الأرض وشخرت له وضربتها بالقلم قدامه… بنت الوسخة كانت مبسوطة بكسرته.

حكى ساعتها عن فتاة أحبها ناير لكنها أرادت علواني، وعندما لم يتجاوب معها علواني لأنه يعلم بمشاعر صديقه وبمحاولاته التقرب إليها، حاولت هي استعادة ثقتها وترميم كبريائها عبر التلاعب بـ”ناير” وإذلاله كلما التقته، في حين أنه كان يقنع الجميع بمبادلتها له نفس المشاعر والإهتمام. حتى انكشف كل ذلك عندما رآه علواني يبكي عند قدميها. وبعدها لم يجد ناير من تلقي على آذانه كلمات حروفها ناعمة رغم محاولاته العديدة في جذب انتباه أي أنثى تشارك معنا في عروضنا المسرحية طوال أربع سنوات. وجاءت هذه البنت. عرفت نقطة ضعفه وعملت عليها، حتى أن بيته الذي يعيش فيه وحيدًا، والذي كان معبدا لنا، نشعل في أركانه كل ليلة شموعا بيضاء من ورق البفرا ونحرق بخورا نشتريه من “غرب البلد، الوالدية، والنزلة” وغيرها من أماكن بيع هذا النوع من البخور، بات لا يستقبل إلا من أرادت هي. ورويدا رويدًا كان يغلق بابه أمامنا من العشاء إلا إذا سمحت له أن يدخلنا لحاجة في نفسها، كما فعلت معي في مساء هذا اليوم.

عشرة دقائق من المشي كانت تكفي لتأكل سيكولوجية ناير. إيقاع أقدامنا وما يصدر عنَّا من تعبير جسدي صممته اللحظة كعادتها حين يدور جسد أحدنا ويسبق الآخرين ويديه تتحرك بتوازٍ مع سير أقدامه للخلف محاولا وزن بدنه والمحافظة على سرعته وعلى ما بينه والآخرين من مسافة وهو يحكي، أو يعلق على الحديث. تبادلنا هذا الدور تباعًا دون أن نتوقف عن استكمال طريقنا أو نحيد عنه، كان ما نفعله بذرة لتطور مسرح الشارع إلى المسرح المترجل، المسرح المتحرك طوال مدة العرض، لكننا لم نشغل بالنا بذلك حينها، كان هدفنا مباشرا. ناير يهمنا بشكل شخصي كونه صديق، إضافة إلى إيماننا بموهبته كممثل، وما فعلناه في الطريق من شارع معهد الأورام حتى موقف الشادر في منطقة الأربعين غير مدهش لنا لأنه نتج تلقائيًا من قناعتنا، لم يشعل أي تساؤل يهدينا لهذا التجديد في المسرح وكيفية تطوير هذه البذرة لتنبت، فعملنا على تنميتها بالأفكار والتجريب حتى تثمر فيما بعد.

اقتسم معي عبد الراضي نصف قرص تامول. عادة لا أطيق أكثر من ذاك الربع الذي حصلت عليه، أي زيادة عنه كانت تجعلني في نفس موقف عبد الراضي، حيث القيء المفسد للأناقة. تناولت من أحد العاملين بالمقهى المقابل لصف سيارات (أسيوط/ سوهاج) زجاجة بلاستيكية لا أستطيع الجزم بأنها مياه معدنية، وكوبا شاي (تيك أواي) مصبوبان في تلك الأكواب البلاستيكية الرقيقة جدًا المصنوعة غالبًا من المخلفات وتستخدم في تحليل البول. أخذت الكوبين من الشباك الملاصق لمقعدي في إحدى سيارات البيجو 504 “السبعة راكب” كما يدعوها الناس في بلادنا. كنا ننتظر شخصيين يكملا حمولة السيارة. حين انتهينا من شرب الشاي كان مفعول نصف القرص قد ألهمنا، فاقترحنا على الجميع دفع أجرة الشخصيين بشرط أن يوصلنا السائق حتى تلك المعدية -“العبارة” كما يسميها الناس- المتجهة إلى جزيرة شندويل من مرساتها بمركز ساقلتة. “ربع التامول” جعلنا أنا وعبد الراضي نعول على تلك الكيلوات العشرين التي سيوفرها السائق بإنزالنا قبل الوصول إلى خط سيره المعتاد، حيث يمكنه تحميل سيارته بزبائن جدد يدفعون له مقابل نقلهم حتى سوهاج. التعويل على المكسب المادي والحسابات الاقتصادية ينجح غالبًا، لذا أصابت رؤيتنا.

تحركت عربة الكبدة وصاحبها إلى الوراء، وتحرك بائع السجائر وهو يستمع لزبونه من شباك كشكه الخشبي وصناديق من ورق الكارتون تحيط بالزبون وتشكل درجات مستندة على الكشك مثل “هرم زوسر المدرج “عند بوابة الموقف، كل شيء تحرك إلى الوراء. كنت أتابع من شباك البيجو انسحاب موقف الشادر بكل ما فيه من سيارات وأناس مسافرين وقادمين من سفر ومقاهٍ  وباعة وشحاذين. كل شيء كان يتراجع عن السيارة إلا عين الشمس الأبريلية التي تصب غضب الصعيد على خدي من الشباك. شمس ترغب في أن تأكلك منذ شروقها لا أن تصيبك بضربة تشعرك بالدوار فقط.

أغمضت عيني عندما سقط شعاع الشمس عليَّ. زجاج الشباك المفتوح سمح لهذا الشعاع الخجلان أن يطرف عيني.

– بدك نسكره؟

قالتها موظفة المفوضية وهي تهم بالوقوف من مقعدها لإغلاق الشباك المفتوح في ظهرها عندما لاحظت عدم قدرتي على فتح عينيَّ. في الحقيقة كان ذلك بسبب استيقاظي منذ أمس، فأنا لا أستطيع فتح عيني في الضوء وأشعر بألم في غطائها، يحدث لي ذلك دائما عندما أبقى مستيقظًا طوال الليل حتى النهار. لا ذنب للشمس الطيبة التي تطل على هذه البلاد إذا سمحت لها الغيوم، كما يحدث الآن.

– لو مش هيضايقك أنا هقفلها، خليكي مرتاحة.

سبقتُ موظفة المفوضية في الوقوف واتجهت، وأنا أحدثها، ناحية الشباك.

كانت ماري تلاعب رحيمة أمام الغرفة المجاورة حيث كانتا تنتظران، وقد خرجتا مللا أو نزولًا على رغبة رحيمة، التي ترفض البقاء ثابتة وهى مستيقظة إلا إذا كانت ترضع. لقد بدأت الحبو منذ أمس أو أول أمس. لم أتحدث معهن، ماري لم تَرَنِي وأنا أغلق الشباك.

– اصحى يا ياسر وصلنا.

أيقظني الصوت. رفعت رأسي المائل على شباك السيارة وتمطيت قليلا، كانت السيارة تتحرك ببطء وهي تعبر جسرا قصيرًا، ماء الترعة غسل عينايَ عاكسًا شمس الخامسة عصرا الحمراء وأنا أنظر من الشباك . بمجرد عبورها الجسر توقفت السيارة أمام الموقف. كان باب البيجو يلامس الدرج الأول من الهرم، الذي تصنعه الصناديق الورقية لشركات الشيبس، وبائع السجائر مازال حبيس مقبرته الفرعونية الحديثة عند بوابة شادر السفر. وجوهنا جميعًا باتت نحاسية لامعة بفعل الماء والشمس طوال النهار. ودعنا بعضنا بعد نزولنا من السيارة، متفقين على أن نلتقي مساءً. استقلينا أنا وعبد الراضي تاكسي، كلانا لا يملك طاقة للمشي حتى السكن في شارع معهد الأورام.

– حمد الله على سلامتك …. اتبسطت في الرحلة دي.

– الله يسلمك… حاولت… لسه الحروف بتتعلق على شفايفك لأن حياتها في ريقك.

أنساني صوتها ما اتفقنا عليه. لم أرغب في قول ذلك، لقد اتصلت بها بمجرد دخولي الشقة لأنها كانت تنتظر مهاتفتي. شعرت أنني أنانيٌ عندما بدأ صوتها في الاختناق، لم يكن عليَّ النسيان، لا يجب أن نعود إلى نقطة الصفر بعد ما خطوناه تجاه قرارٍ سيضمن لها الأمان وعيش حياة طبيعية، ويخلصني من خوفي أيضا. حاولت استدراك الأمر، وإنهاء تأثير ما قلته من كلمات تستعطف المشاعر.

– أخبار العدرا إيه؟ سلمتيلي عليها؟ .. كل سنة وإنتي طيبة والسنة الجاية تبقي في إيد جوزك.

قلت الجملة الأخيرة وشعرت بمرارتها تقلب معدتي، كنت على وشك القيء كمن وضع أصابعه في حلقه، وجاء ردها شحيحًا ومرًا أيضًا، واعتقدت أنها لا تريد للمكالمة أن تطول. لم تذكر لي حديثها للعذراء كما كانت تفعل كلما زارت الدير، وكان ذلك كافيًا ليمنعني من التمادي في سؤالها عما حدث وما فعلته في يومها، وانتهت المحادثة الجافة تاركةً داخلي غصةً جعلتني تمنيت لو لم نُجْرِها. منذ تلك اللحظة وإلى الآن لم يغادر ذلك الرجل القزم، الذي يرتدي قبعة “كاوبوي” وفي يده فأس ينهش به قلبي، مقره الدائم في صدري، إنه لا يتوقف عن عمله إلا إذا سمعت صوتها أو كانت معي.

رغم السفر والنهار المرهق وعدم النوم طوال الليل، ورغم عادتي في اعتبار النوم أفضل وسيلة للهرب من شعور سيء أو عقاب قريب، إلا أن القزم لم يتركني أنام، وساعده في ذلك ربع قرص التامول، مازال مفعوله واضحًا في أكلي للسجائر. ما كنت أفعله وقتها لا يمكننا تسميته تدخينًا، لقد كان فلتر السيجارة يخرج من بين أصابعي أكثر رقة من فلتر ملقى في مدخل مبنى السجل المدني أو على أول عتبات سلم مجمع التحرير أو قبل سلم النزول إلى محطة مترو الأنفاق حيث تهرسُ أقدام الناس أعقاب السجائر الملقاة خوفًا من دفع الغرامات.

كانت الساعة العاشرة مساءًا عندما رن جرس هاتفي لأول مرة، كان المتصل ناير، لم أكن أرغب في الرد أو التواصل مع أي شخص، خاصة إذا كان هذا الشخص هو ناير، إنه لا يتصل بي عادة إلا إذا أراد شيئًا مني أو كان أحد الأصدقاء يتصل من هاتفه. ظل الهاتف يرن على فترات حتى الحادية عشر، ظهر اسم عبد الراضي على شاشة هاتفي (nokia 6630)، كان قد نزل إلى إحدى مقاهي الإنترنت، لقد كان “فيس بوك” عالم جديد بالنسبة لنا، اعتقدت أنه يتصل لسؤالي هل أريد شيئًا يجلبه لي قبل أن يصعد إلى الشقة، لذا قمت بالرد.

– إيه لسه نايم ولا إيه؟

– لا…صاحي

– أمال مبتردش على ناير ليه؟

سألني عبد الراضي وهو يضحك لعلمه بالإجابة، وواصل:

– زهقني اتصال، بيقول لي هات ياسر وتعالى. الجماعة كلهم رايحين عليه دلوقتي، أنا دقايق وأكون تحت الشقة، إجهز وأول ما أرن لك إنزل لي.

أنهى الاتصال قبل أن أعترض أو أتحجج بالإرهاق وحاجتي للنوم الذي لم أذقه منذ ثمانٍ وعشرين ساعة تقريبًا. فكرت أن أخبره حجتي تلك من الشرفة عندما يأتي، لكني عدلت عن ذلك، متمنيًا أن أجد السلوى في سيجارة حشيش أو في مسرحية سنقرأها بعد أن ندخن.

كان الصوت يصدر حتى عن الحوائط الأربعة لتلك الغرفة الضيقة المزدحمة. كنبة وكرسيان تتوسطهم منضدة صغيرة عليها علب مياه غازية مقصوصة وممتلئة بأعقاب السجائر، زجاجة بلاك ليبل مصرية المنشأ، زجاجة ماء، قوقعة زينة نستخدمها الآن منفضة، سلاسل مفاتيح، هواتف وأشياء أخرى شخصية، كل شيء منهم يحاول المحافظة على مكانه على سطح المنضدة، حيث تنقلهم أيدي الحضور كقطع الشطرنج كل ثانيةٍ. ثلاثة عشر شخصًا أفواههم كالمداخن تخرج الكلام مع الدخان وأيديهم لا تتوقف عن الارتخاء والامتداد إلى المنضدة الصغيرة لتعبث بالقطع.

لشقة ناير بابان يطلان على الشارع أحدهما يفتح على غرفة الضيوف مباشرة والتي كنا نسميها “الكعبة”، والآخر باب رئيسي يفتح على تلك المسافة الفارغة- المسماة مجازًا صالة- بين غرفتي الضيوف والنوم، وبجوار الأخيرة على يمين الداخل إلى الشقة ستارة تغطي الحمام والمطبخ الضيقين عديمي الباب، حيث تشعر أنك تقضي حاجتك في المطبخ، وتعد القهوة والشاي في الحمام. على الجدار المواجه للباب الرئيسي تستند ثلاجة يُعيقُ بابها كرسيٌ عريضٌ من الخشب لا يليق بتلك الصالة الضيقة، أمامه طبلية، وقبله قطع في الجدار المستند عليه يسده لوحان بنيان من الخشب يصنعان ضلفتا الباب الداخلي لغرفة الضيوف.

ما وصل إلينا من صخب مكتوم عبر فتحات باب الكعبة جعل عبد الراضي يطرق عليه، فتح سعد الباب لنا، فتبادلنا السلام باليد مع الجميع إلا عاصم، شقيق ناير، المنشغل بصناعة البهجة، أومأ لنا بهزة رأس وابتسامة وهو يجلس على السجادة ويداه ممدودتان إلى المنضدة تعملان في قطعة الحشيش ولف السجائر. كنا إحدى عشر شخصًا عندما دخلنا وسألت عن ناير؛ خماسي رحلة ساقلتة، عاصم، اثنان من مسرح كلية التجارة معرفتنا بهم سطحية كأفكارهم المسرحية، حيث تعد ملاحظاتنا عليها هي أساس العلاقة (رغم معرفتنا الضيقة وخبرتنا البسيطة بالمسرح وقتها)، وثلاثة آخرون لا نعرفهم. اعتدنا على وجود الغرباء دائما في مثل تلك الاجتماعات، سواء في مسرح كلية الهندسة بالجامعة نهارًا، أو في سكن أحدنا ليلًا.

– في المطبخ بيعمل لنفسه شاي زي ما “حياته/ حياة” وصته، وروي بيتكلم في التليفون في الأوضة التانية.

كان رد سعد سريعًا وموجزًا وهو ينحني لالتقاط سيجارة ملفوفة من يد (عاصم) لم انتبه لذكر *روي* الذي لا أعرف عنه سوى أنه صديق عاصم ، ومنذ أسابيع قام بتصوير العرض الذي يخرجه ناير ضمن نشاط المدينة الجامعية للبنات، وكنا جميعا نساعده في ذلك. كما لم تشغلني نظرة ناير بعينه اللامعتين كعينيْ قط في الظلام حين شق الضلفتين البنيتين للغرفة وفي يده كوب الشاي، وأنا أقول له؛ “أخيرًا ربنك هداك وخليتنا نزور الكعبة”، فضحك أغلب الحضور حتى أخيه، لأنهم يعلمون ماذا أقصد (بربه).

طوال نصف ساعة تقريبًا تداخلت إثنى عشر نبرة صوتية، ترددت موجاتها بين جدران الغرفة، حاملة مواضيع مختلفة، حديث عن صدر زميلة، قبلة سرقها آخر في كواليس أحد العروض، أصوات الذين لا أعرف يتحدثون إلى عاصم عن جودة الحشيش. كانت أذني الحائط الخامس للغرفة، تتكسر عندها النبرات وتموت على شاطئ أرنبها أمواج الحروف المتلاطمة. وصاحب قبعة (الكاوبوي) يردم أذني من غبار فأسه، التي لم تتوقف عن حفرها. دارت رأسي من الوسكي بينما صاحب القبعة لم يتأثر، وأرخى الحشيش أعصاب يدي قليلا- اليد التي لم تتوقف عن الهرش في جيب البنطال كالمدمن، تخرج الهاتف وتدخله كل دقيقة تقريبًا، حتى شعرت أن الأمر بدا يتكرر في وقت أطول حيث أفقدني الدخان الإحساس بالزمن- بينما يداه لم تُرخي قبضتها عن الفأس، ترفعها و تغرزها داخل صدري. شعرت بالرغبة في البكاء. ما أشربه وما أتنفسه عززا هذا الشعور. كنت أنوي الخروج من الغرفة. لقد بدأت عيناي في الرقرقة، وتحشرج صوتي كثرة ما سمعت الفتاة الآلة تخبرني أن الهاتف مغلق، لقد بات القرار قيد التنفيذ، وبدأت رحى الفراق تدور وتعصر في قلبي، وقريبًا سوف تطحنه.

– ياسر لو سمحت ممكن دقيقة، عايزك.

نظرنا جميعًا إلى صاحب الصوت، بالتحديد إلى نصف وجه يختفي باقيه والجسد الذي يحمله وراء ضلفة الباب الثابتة، ويد تمسك الضلفة الأخرى تفتحها قدر ما يظهر نصف الوجه. كنت واقفا لذا لم يتطلب الأمر سوى أن أميل قليلًا لأطفئ سيجارتي في إحدى العلب الصفيح وأتحرك خطوتين وفي الثالثة سوف تدوس قدمي أرض الصالة. شاب نحيف أطول مني بعض الشيء، ذو وجه أبيض ظلله حر الصعيد بلون برتقالي خفيف، وضع يده اليمنى على كتفي بمجرد مروري من الضلفة التي تركها تُفتح، ويده الأخرى تعلق هاتفه على أذنه، ومال بي يمينا ناحية باب الشقة.

– أنا خطبت النهاردة، هي صحبتك، خد كلمها بارك لها وظبطني.

كنا نقف تحت حائط البيت في الشارع. وهو يضع يده على ميكروفون الهاتف المحمول ويبعده عن جسده المائل ناحيتي متحدثًا بصوت منخفض، وقبل أن أسأله “من هى تلك الصديقة؟!” كان قد رفع يده إلى أذنه، وقال لمن يحدثها:

– في واحد عاوز يباركلك …هتفرحي بصوته.

وفجأة وجدت هاتفه بين يدي.

– ألف مبروك.

قلتها وهو ينظر إلى عيني مستندًا أمامي، يضع رجلا على الأرض والأخرى مثنية الركبة، قدمُها على الحائط في موازاة الظهر، وعبر الهاتف جاءني الصوت.

– شوو ؟!!!!

كان صوتها قاطعًا وسريعًا، حَمَّلَ هذين الحرفين “ش …و” كل آيات العجب والصدمة، التي بدت على موظفة المفوضية وهى تسألني في دهشة، كأنها لا تصدق ما سمعته وأنا أخبرها من تكون “العروس الصديقة” وفق وصف روي.

– نعم…لقد أربكني صوت ماري.

كررت كلامي مرة أخرى على موظفة المفوضية، فبدأت تنظر إليَّ بعطف أنثى على رجل خانته حبيبته، وتنتظر أن تعرف ما فعلت أنا حينها؟ وماذا قالت ماري لي؟

– وكمان إنت اللي بتبارك لي !! …كتير عليا ده .

لم تقل ماري سوى هذه العبارة بعد سماعها صوتي. في الحقيقة، لقد قالت كلامًا كثيرًا لكني لم لأسمع غير تلك الكلمات الأولى. ما قالته بعدها ذابت حروفه في تشنجات بكائها فلم يصلني متمسكًا. طوال الدقيقة التي تحدثناها كنت أتكلم بشكل موازٍ لها، أقول عبارات مما تقال لتهنئة صديق وصديقة بخطبتهما.

– ألف مبروك …روي معاكي أهه …روي معاكي أهه.

كررتها لأضمن عودتها لحالتها قبل أن أعطيه الهاتف. لا ادري كيف تماسكت! لكنه الخوف، هو من منحني هذا الحذر. “إذا لم يكن يعرف بحبنا فعليه ألا يعرف الآن” هكذا قولت لنفسي عندما صدمني صوتها. ربما كان لاتفاق الصباح دور في كبح جماح مشاعري. لم أتحدث أو أعاتب أو أسأل عن الخاطب، كيف ظهر هكذا بعد ساعات من قرار الفراق. أعطيته الهاتف. كانت تحذيراتي الضمنية أوقفت بكاءها. ودخلنا من الباب الموارب منذ خروجنا، وبمجرد تجاوزنا عتبته، اتجه روي يمينًا معلقًا الهاتف في أذنه، واتجهت أنا يسارًا ناحية “الكعبة”.

كان الدخان يملأ الغرفة. لم أستطع الوقوف فجلست على حافة الكنبة التي يملئها الغرباء. لم تكن السيجارة التي أشعلتها انتهت حين انضم إلينا روي بعد أن انهى مكالمته، فأصبحت جدران الغرفة تحوي ثلاثة عشر فمًا وكنبة وكرسيان، ومنضدة صغيرة تحمل علب الصفيح وطفي ما أحرقناه من تبغ أعده عاصم وكأس وسكي في قعر زجاجة “بلاك ليبول” مصرية وبواقي شاي في كوب من الفخار.

في طريق العودة إلى السكن كانت رأسي كمقلاة الفيشار، تطقطق الأفكار في جدران جمجمتي كطقطقة حبوب الذرة في زيت مغلي. هدوء شوارع أسيوط قبيل الفجر جعلني أسمع تردد الطقطقة في عظامي وفي إيقاع خطواتي وخطوات عبد الراضي الذي كان يسبقني لطول قامته وراحة باله. كادت أذاني – لاتصالها المباشر بجدار الرأس- أن تصم. بت أسمع صوت عبد الراضي وهو ينظر إلى الوراء ليحدثني صفيرًا، فهمت من حركة شفاهه ويداه أنه يقول “حِدْ”، يأمرني أن أسرع خطوتي بلهجتنا القروية.

مَدَّ عبد الراضي يده إلى الزر البارز في الجدار فوق سريره، فأغلق المصباح عينه وغرقت الغرفة في الظلام، بينما لم أقدر على إغلاق عيني. أفكار وأفكار وأفكار تحجب عني النوم، أسئلة لا أعرف إجابتها، ألم يشعله الفراق، غضب وغيرة جعلا الصدر أكثر ظلمة من الغرفة.  بقيت على هذا الحال حتى بدأ التعب وقلة النوم يسحبان الجفن على عيناي المعلقتين ببياض سقف الغرفة، الذي يعكس ضوء الصباح المتسلل من فتحات شيش الشرفة مع أصوات ورشة الحدادة المملوكة لصاحب المبنى ويديرها هو وأبناءه. كنت ساعتها توصلت إلى أنه لا فائدة من الرجوع إلى نقطة الصفر. على كلانا المضي قدمًا في حياته، وأنه ليس عليَّ التفكير في خيانتها لي، وأنها كانت تواعد روي قبل قرار الانفصال، وأن أُوقفَ البحث عن إجابات لـ(كيف عرفته؟ ومتى؟) وغيرهما من الأسئلة التي لن تفيد إجابتها. اختلقت مبررات كثيرة- من واقع معرفتي بها- جعلتني أضع ما فعلته ماري تحت مسمى آخر غير الخيانة.

فكرت أيضًا – كأي مسلم حينها- بأن “رب ضارة نافعة”، وأن ما حدث منذ أمس حتى غادرت منزل ناير حدث فقط ليساعدني على نسيانها سريعًا. وأن كل هذا الألم يحمل بين طياته خيرًا لي ولها. وسوف يرحمنا من الخوف والقلق والموت مقتولين بأيدي أهلنا إذا استمرت علاقتنا، أو تهاونا في إجراءات الفراق. “حتمًا سوف يُغلق هذا الحدث باب الشوق) قلتها بصوت مسموع كأنني أتحدث لشخص آخر، قبيل أن يجبرني الضوء المنعكس من السقف على إغلاق عيني، ويسقطني الإرهاق في النوم فجأة وبسرعة كما يسقط حجر في بئر.

أربعة عشر يومًا أصبح خلالها روي زائرًا جديدًا على كافتيريا المطعم المركزي في جامعة أسيوط، مقر جلوسنا نحن أبناء النشاط المسرحي والثقافي. يأتي يوميًا ليجلس مع ماري على إحدى طاولات الكافتيريا، بينما نجلس نحن على طاولة كبيرة أو في مجموعات، موزعين على الأقدام البلاستيكية التي زرعها رأس المال في نجيلة ربانية نبتت في الحوض الترابي تحت مبنى المطعم المركزي وأمام مكتبة الجامعة. كانا يجلسان وحيدين لأنه يريد- كأي شاب- أن ينفرد بفتاته / خطيبته، ولأنه لا يشاركنا في اهتماماتنا داخل الجامعة. ربما يجد المشترك بيننا في جلسات السكن حيث نشرب وندخن ونثرثر، بينما داخل الحرم التعليمي يغلب على حديثنا الكلام عن المسرح والفنون وأنشطتنا الأخرى، وأحيانًا نتحدث في أمور الدراسة إذا كانت الامتحانات وشيكة كتلك الفترة من كل عام. كان إذا جلس معنا يظل صامتًا حتى يَحْمر من الملل وجهه الأبيض.

استمر الوضع هكذا، لا أتحدث إلى ماري إلا مع التقاء الأعين. أشير لها ملقيًا السلام من بعيد، أو أسلم عليها باليد سريعًا، دون التفاف الأصابع على كفها الصغير الرقيق أو حول أصابع روي الطويلة النحيفة، إذا مررت على طاولتهم وأنا أتحرك داخل الكافتيريا.

خلال هذين الأسبوعين عرفت الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي كانت- رغم قراري بعدم التفكير فيها- وقود صاحب قبعة “الكاوبوي”، يدفعه لمواصلة عمله في القلب. إن الأمر يُرتب منذ شهر قبل يوم “شم النسيم”، الذي أشعلت نسائمه النار في البدن، دون حتى أن تعرف ماري. لقد نفذ ناير تخطيط قائده “حياة”، فقاما بالحديث مع روي واقترحا عليه الارتباط بها. رتبا له طريقًا شرعيًا لدخول الجامعة باختياره لمهمة تصوير العرض المسرحي حتى يتمكن من رؤية ماري عن قرب. أتذكر أننا وقفنا أمام قاعة النيل بعد انتهاء العرض، وجاء روي ليتحدث معنا ويخبرنا أنه صديق شقيق المخرج. جاء ليعرفها على نفسه حين كنا ننتظر باقي الفتيات لتذهب معهن ماري للمبيت في السكن الجامعي للبنات. لا يمكنها العودة إلى بيتها، الواقع على بعد ثلاثين كيلومترا من مكان وقوفنا، في هذا الوقت المتأخر من الليل. لم ننتبه أنا وهى لخطتهم حينها، لكن ماري عرفت قبل أيام من عيد الربيع- حسب ما عرفته فيما بعد- أنه يريد الارتباط بها.

حياة وناير خططا جيدًا وسعادتهما حالتنا النفسية والضغوط التي كنا تحت وطئها أنا وماري، وتعاون معهما المجتمع المتسامح الذي نعيش في لجته علي نجاح خطتهما. علمت أن ماري كانت تستعد لقضاء يوم “شم النسيم” مع روي وحياة وناير في نادي الجيش، وليس مع أهلها كالعادة وكما كنت أعرف قبل أن أغلق الهاتف ويتدلى جسدي من الشرفة ناظرًا إلى سعد ومحفوظ وعلواني. علمت لماذا غاب ناير عن رحلة ساقلتة، وأن موعدهم كان مرتبًا له منذ المساء اللعين قبل أن تبدأ آخر مكالمتنا الطويلة. وذلك دون احتساب ثواني المباركة التي عذبتني والتي فهمت سببها، حين أعطاني روي هاتفه دون أن يخبرني أن ماري هي الخطيبة الجديدة أو يخبرها أنني من سيتحدث إليها، ليكن الأمر صادمًا وحادًا كشفرة حلاقة، يقطع حبال الود والأوردة، ويخبرني في نفس الوقت أنها الآن تخصه بمباركة الأهل وبمباركتي أنا شخصيًا، وأن عليَّ الابتعاد. لقد كان زكيًا في اختيار تلك الطريقة، أو لكي يأخذ كل ذي حق حقه أقول أن “حياة” هي الأكثر خبثًا في إملائها هذه الطريقة عليه. لذا أقام ناير- بعد أن سمحت له أو أمرته- حفلًا في بيته على شرف انكساري، وكان الصفار عنوان ابتسامته عندما رآني يومها لأنه يعلم من من ومتي ستأتي الطعنة.

لم يشفع لي ما أقاسيه على يد “الكاوبوي” القزم، بل هان عليَّ ألم القلب أمام ما عاينته وخبرته من بلاءات تلك الأيام المسمومة ولياليها الكاحلة المُغبرة. الجهل رحيم والمعرفة جحيم. فما عرفته وما صبته ألسنة الأصدقاء في أذني من تحذيرات ضمنية ومباشرة قادتني إلى الخوف من ظلي، من صدى صوت خطواتي، ومن الصوت الخابب لاحتكاك ذراعي بقميصٍ ضمر داخله جسدي في أيام كما تضمر النواة في قميص البلح الملقى تحت الشمس، حتى بت في أعين الرائي أول حارس حقل جريدي يمشي ويتنفس. كنت أنتفض من شخشخة القش تحت أقدامي كشجرة وحيدة في الحرجة تنفضها الريح وتخرط أوراقها على القبور، ويلعب تحتها المردة وحراس كنوز الأجداد لعبة “السيجة” بعظام وأحشاء الموتى الطازجة. صرت عديم المناعة ضد الخوف. من أين لي بمصل الشجاعة المخبأ في ريقها، وهي الآن مع من أخشى، وأنا وحيد. كان أي غريب يمشي ورائي أو ينظر إليَّ، أعده مصدر خطر محدق، ربما واحد من أقارب أو أصدقاء روي يراقبني وينتظر منعطفًا خاليًا من الخلق ليطعنني.

أختبيء بين الأصدقاء ونحن نمشي في الشارع، وتدور رقبتي إلى الوراء كل ثانية حين أمشي وحيدًا مرتعشا متموج الخطى. حتى في ذلك الصباح، عندما كنت أجلس على طاولة في كافتيريا المطعم المركزي مع إحدى الصديقات، وكانت طاولة ماري وروي موازية لنا في عمق الكافيتريا، ثم جلبا كرسيين وجلسا معنا دقائق معدودة. لا أذكر فيما تحدثنا قبل أن يعودا لطاولتهما. رأيت يداه تتحركان في حدة مع حركة شفاهه، ثم رمقني بعين حمراء وهما يقفان، وخرجا – دون وداع- من المستطيل النجيلي الأخضر، متجهين ناحية بوابة الجامعة. زاد خوفي، صعدت درجات السلم المؤدي إلى حمام المطعم المركزي جريًا وأنا أفكر، لماذا غادرا والساعة لم تتجاوز الثانية عشر ظهرًا؟! إنه الوقت الذي نعده بداية يومنا في هذا المكان. ولماذا كانت عينيه ملتهبة؟! أرخيت سحابة البنطال قبل أن تنفجر المثانة التي عبأها الخوف.

“المغرب غريب” إنه أصدق وصف سمعته من أمي ويردده ويؤمن به سكان قرانا في صعيد مصر، من الطيور المروضة حتى صاحب الدكان وأصحاب الأفدنة، كلٌ على طريقته. الدجاج والإوز يجري إلى عششه التي تحميه من مكر الثعالب، أمهر سارقو الريف، والإنسان يغلق صفحة عمله أيًا ما كان. حتى مؤذن هذا الوقت لا يمهل المصلين فرصة لتحية المسجد بين رفعه للأذان وإقامة الصلاة كما يفعل مع باقي الصلوات اليومية. إنها لحظة كلمح البصر، تلك اللحظة التي تفصل بين الضوء النعسان، أثر الشمس التي عبرت من هنا ناحية غروبها حين كنت أنا وعبد الراضي نعبر شارع المكتبات وننحني معه يمينًا ناحية غرب البلد، وبين الليل الذي يفترش السماء فجأة ويحيل الأرض إلى ظلام. إنها لحظة خاطفة لدرجة أننا لا نستطيع تحديدها بدقة، نحن الأناس العاديون الذين لا ينظرون إلى الأجرام السماوية عبر تلسكوبات، ولم ننشغل بالنجوم كأجدادنا لأن الحداثة منحتنا مصابيح رحمتنا من تلك المعاناة.

أعادت المصابيح المعلقة فوق الأشجار الحديدية المزروعة في الشوارع الضوء ثانية وكسرت شوكة الليل الذي هاجم مدينة أسيوط، بالتزامن مع نظرة المرأة العشرينية التي أطلت علينا من شباك ضيق يتناسب مع ضيق الدرب الذي نقف فيه أنا وعبد الراضي أمام بنايتها.

– عاوزين أيه؟

جاء صوتها قويًا خشنًا لا يمكن أن تصدق صدوره من وجهه أصغر من الكف المفتوحة، يصف بنيان جسدها الضئيل المخفي خلف الجدران.

– كنا عاوزين إبراهيم.

قالها عبد الراضي، ناظرًا إلى أعلى ناحيتها.

– إبراهيم اتقبض عليه … والنبي قوموه من ع اللقمة وهو بيتغدى يا حبة عيني، إنتوا عايزين حاجة يعني؟

– لا … إحنا كنا عاوزين إبراهيم …يطلع بالسلامة إن شاء الله.

منعتنا تربيتنا أن نخبرها عما نريد، فهذه الأمور لا يمكن توريط النساء بها، خاصة إذا كن من العائلة، فهي لها حسب نشأتنا قيمة الشرف.

– إنتوا عايزين حشيش يعني ؟!

واصلت رغم أننا بدأنا في التحرك مغادرين هذا الدرب الضيق، إلا أن حديثها عن إمكانية بيعنا ما نريد جعلنا نعود الخطوات التي خطوناها، وننتظرها أمام الباب حتى تنزل. فتحت الباب وأخرجت من بين ثدييها كيسًا به قطع مختلفة الأحجام ملفوفة في ورق قصدير “سولفان”، وأعطتنا القطعة التي تتناسب مع ما أعطها عبد الراضي من أوراق ملونة يصدرها البنك المركزي ويقدسها الناس أكثر من كتبهم السماوية، ومشينا نحمد الله حمدا كثيرًا أن الشرطة ألقت القبض على تاجر الحشيش وتركت بضاعته حتى لا نذهب للبحث في مكان آخر مثل (النزلة، الوالدية، الحمراء، أو الأربعين حيث البيت الملاصق تمامًا لقسم شرطة أسيوط الأول المعروف داخل المدينة بـ”قسم أول”)، فالذهاب إلى أيٍ من هذه الأماكن يعني مخاطرة أكبر وإضاعة وقت أكثر ودفع أموال إضافية للتاكسي الذي سينقلنا ذهابًا وإيابًا.

رغم أن الوقت ليلًا إلا أن حوائط الغرفة مازالت ساخنة. طوال النهار تستهدف الشمس غرفتنا من الأعلى وثلاث جهات جانبية. الحائط الفاصل بيننا والجيران هو المستمتع الوحيد بالظل. ولأننا على أعتاب مايو كانت الحوائط أكثر سخونة. ما أوحى لـ عبد الراضي بفكرة تسخين قطعة الحشيش بوضعها على الحائط بدلًا من تعريضها للهب القداحة. اهتزت أكتافي وتناثر الماء على ملابسي وأنا أغسل الأطباق، التي سأفرغ فيها أكياس الفول والباذنجان المقلي والسلطة الخضراء، وجبتنا اليومية الوحيدة، وهو يجيب سؤالي عما يفعله عندما رأيته يضغط بإصبعين على قطعة الحشيش كأنه يحاول لصقها بالجدار.

– بعملك خابورين أرجانيك… لازم نستغل جهنم الحمرا اللي ربنا رزقنا بيها يا أبو عمو، نستغل الطبيعة بدل ما نوسع خرم الأوزون …إحنا مش حمل لهايب زيادة.

قالها وهو يضحك إلى الداخل ساحبًا الهواء إلى صدره، تلك الضحكة التي تميزه عن سائر الخلق.

كان صوت مضغ الخبز المبلل بالأطباق الثلاث أمامنا هو الصوت الأعلى، في غرفة “الساونا” حيث نعيش، قبل أن يعلو جرس هاتفي. رفعت الهاتف بحساسية مفرطة حتى لا تلوثه آثار زيت الباذنجان على أصابعي. وقلت لـ عبد الراضي:

– رقم غريب.

– رد يا عم شوف مين.

قالها عبد الراضي بفم ممتلئ بالطعام يتناثر منه الفتات. حررت يدي الأخرى من كسرة الخبز وضغطت على زر الإجابة المزين باللون الأخضر قبل أن أرفع الهاتف إلى أذني:

– ألو …

– إزيك يا ياسر؟

– بخير.. مين معاي؟

– أنا روي …عاوزك ضروري، لازم أقابلك النهاردة… هستناك عند ناير.

– بس أنا … …

قاطعني قبل أن أعتذر:

– أرجوك … محتاجك ضروري … متتأخرش.

أعدت الهاتف إلى المنضدة بنفس الحساسية، ساد الصمت بعدما أخبرت عبد الراضي من المتصل وماذا أراد. زَرَعَ قطعة الحشيش المفرودة في منتصف سيجارة كيلوبترا، ودوت القداحة كمدفع حين ضغط عليها عبد الراضي ليشعل طرف الحشيش قبل أن يعلقها من السيجارة في كوب زجاجي ويغطي فوهته بمختارات محمود درويش. كانت أعيننا مُسَمَّرَةً على تلك الزهرة الحمراء داخل الكوب، وكلما بهتت في الضباب يرفع أحدنا كلمات درويش عن السرمدية والإنسان ليستنشق الدخان، فيعود للزهرة بهاؤها، الذي يختفي ثانية لأن أوراق درويش تمنع تسرب الدخان.

– هتروح تقابله …؟

كانت أول كلمات ينطق بها عبد الراضي منذ معرفته بالمتصل وطلبه، قالها وهو يخرج من الكوب السيجارة الكيلوباترا التي تحولت ورقتها البيضاء إلى صفار الورق القديم.

– وهتاجي معايا.

رددت عليه سريعا، كان مازال يعالج الجرح الذي خلفته قطعة الحشيش في السيجارة بلصق ورقة صغيرة على تلك الفتحة قبل أن يضع السيجارة في فمه ويشعلها دون أن يتكلم.

بالقرب من بيت ناير رأيت روي يقف أما البيت فتسارعت دقات قلبي، ورأيت الخوف في خطوات عبد الراضي بجواري، الذي حاول جاهدًا أن يخفي خوفه، فهولا يستطيع الوقوف صامتًا إذا تعرضتُ لأي سوء. إنني صديقه منذ الطفولة، إضافة إلى الدوافع الإسلامية التي تدعو البعض لإحراق بيوت لا يعرفون أصحابها، لأن خلافًا نشب بين مسلم ومسيحي. لقد ظهر خوفه جليًا في كلماته المتقطعة وهو يبحث عما يقوله لي كنصيحة أخيرة قبل الوقوف أمام روي الذي تفصلنا عنه بضع أمتار.

– ممكن تاجي معاي مشوار… هنتكلم وإحنا ف الطريق.

قالها روي بعد أن تبادلنا التحية، ثم وجه حديثه إلى عبد الراضي معتذرا:

– معلش.. ممكن تستنانا هنا عند ناير… إحنا مش هنتأخر… أنا عاوز ياسر لوحدنا.

“لاتتركني وحيدًا” قالها ناظري المرتعش، دون أن يتوقف عن الدوران في بياض عيني الضيقة. جاوبني عبد الراضي “كيف أفعل ذلك، يعز علي يا رفيقي أن أتركك وحيدًا في هذا الخوف، لقد قص خطاي، أحرجني هذا اللئيم، وقيد أقدامي هنا بما أبداه من رغبة، لكن لا تقلق لن يحدث لك مكروه، فهو يعلم أن الجميع سيعرف أنك معه، وإن حدث شيئًا لك سيتعرض للمسألة”، قالها دون أن تتحرك شفاهه أو يصدر صوت هو الآخر. كان عبد الراضي يحاول طمأنتي مما لا يطمئن هو له، فكلانا يعرف أن ذلك لن يثنيه عن قتلي إن أراد، لأن الأمر يتعلق ببنتٍ من دينه على علاقة برجل من دين آخر، وهذا يكفي دون أن نضيف أنها الآن خطيبته. في عرف الصعيد “الدين والشرف” همًا الآمران الذان يقتل من أجلهما الرجل في العلن متفاخرا.

– متتأخروش… عاوز أنام بدري… عندي مشوار للبريد الصبح هنروحه مع بعض، في معونة جاية هتتبعت من البلد وهنروح نسحبها.

هكذا قطع صوت عبد الراضي لحظة الصمت التي دار خلالها حوار الأعين بيننا، ليضفي الطمأنينة والتأكيد على  حديث عينه الأخير، وكأنه يقول لروي: “لابد أن يعود صديقي سالمًا، فأنا لن أبرح هذا المكان بدونه”، ثم دار عبد الراضي متجهًا نحو باب الكعبة متخطيا باب البيت الرئيسي. وانطلق بي روي إلي حيث لا أعرف في مدينته وبلده التي داست أقدامي كل دروبها من قبل.

– لوين رايحين؟

سألتني موظفة المفوضية بلهفةٍ نفس سؤالي لـ روي حينها، الفارق بينهما أن سؤالي كان بدافع الخوف وبلهجتي الصعيدية المصرية. لم أكن متلهفًا لمعرفة ما سوف يحدث مثلها، فأنا لا أطيق وقوع البلاء ولا انتظاره. عندما سألته عن وجهتنا، كنا قد تخطينا سينما “رينيسانس أسيوط”، في شارع 23 يوليو والمعروف بين الناس بـ”شارع المحطة” نسبة لمحطة القطار التي ينتهي عندها الشارع في الاتجاه الذي نسير نحوه.

– هنقابل ابن خالتي بعد المحطة، في أول شارع الهلالي، هاخد منه مصلحة جيبها لي من “الحمرا”، هو ساكن هناك، وبعدها هنكمل في مشوارنا مع بعض… متستعجلش لسه هنقعد ونتكلم.

أجابني روي دون أن ينظر إليَّ، وهو يمد في خطوته وأنا أسرع بجواره لكي أظل في محازاته حتي صارت خطواتي أقرب للجري منها للمشي. تمكن الرعب مني عندما سمعت كلماته. “إبن خالته! ومن الحمراء! هذا ما كنت تخشاه يا حزين” قلت لنفسي. فأنا أعرف منطقة الحمراء جيدًا، وأعرف سكانها الذين تدور معاركهم بالأسلحة البيضاء وزجاجات المولوتوف.

ساعدني الصمت السائد بيننا في هذه المسافة القصيرة، التي يقدر طولها بدقيقتين من المشي- إذا اعتبرنا حركة أقدامه السريعة هذه مشيًا-، على ربط تلك المعلومات بمخاوفي لتكون النتيجة ألم شديد في جنبتي ناحية الكلى وشعور بضيق الحزام الممسك بالبنطال والمشدود على خاصرتي حتي اقترب من شطري إلي نصفين، وخصيتان معلقتان لأعلى يعصرهما الألم، تاركتان كيسهما الجلدي الملتصق ببعضه مثل بلونة مبللة أفرغت من الهواء، تحت قضيب منتفخ بماء الخوف. أطلقت العنان لهذا الماء تحت كوبري الهلالي.  لا توجد حمامات عمومية في أغلب شوارع المدن المصرية، ولم أكن قادرًا على الصعود إلى جسر المشاة فوق السكة الحديدية ونزول الدرج إلي حمامات محطة القطار القريبة، فالاهتزاز على عتبات الدرج كان كفيلًا بفضح خوفي وإغراق رجليَّ القماشيتين.

حين أدرت وجهي وخرجت من ظل الكوبري إلي شارع الهلالي، كان روي يقف مع ابن خالته. شاب أسمر في لون بشرتي اسمه “بيتر”. كانت أول مرة أعرف أن في مصر مسيحي من ذوي البشرة السمراء وليس من أصل نوبي، فجميع من عرفتهم، حتي الذين يعيشون في أشد المناطق حرارة في جنوب الصعيد، في بلادنا أو في أسوان، كانوا بيضًا مثل لب العيش الشمسي المصنوع من طحين القمح. لا أدري ماذا أعطى لروي. غادرنا بيتر بمجرد أن سلم عليَّ، ومضينا أنا وروي في طريقنا إلى أن وصلنا عند تمثال “الحمامة”، أشهر معالم منطقة الهلالي، ثم انعطف بي روي يسارًا في شارع جانبي ضيق حتى وصلنا كشك بقالة صغير يبيع السجائر والحلوى. فطلب مني أن أنتظره على مقربة من الكشك. اعتقدت أنه سوف يشتري علبة سجائر ونواصل طريقنا في هذا الدرب الضيق، لكنه بعد ثواني من وقفته أمام الكشك، تناول من البائع كيسًا أسودًا ممتلئًا لا أدري بماذا، وعاد بي ثانية إلي “حمامة” شارع الهلالي لنواصل سيرنا ناحية النيل الممتد في نهاية الشارع، كأننا لم ننعطف تلك الانعطافة أو حدنا عن خط السير الذي يعرفه ويجرني فيه كضعيف نظر لا يرى إلا تحت أقدامه.

رن هاتفي حين كان على يساري مبنى مديرية أمن أسيوط، ويفصلنا عن النيل سجادة سوداء مغزولة من زلط وزفت، فُرشت لتمر عليها السيارات. كان رقمًا غريبًا فلم أعطه أهمية عن الانتباه للسيارات التي تأتي من اليمين والشمال. عاود نفس الرقم الاتصال مرتين أثناء انتظارنا اللحظة الآمنة لقطع الشارع، ثم وصلتني رسالة ونحن نقطع الطريق قبيل وصولنا لضفة الشارع الثانية، التي يختفي تحتها الشاطيء القريب للنيل.

“أنا ماري يا ياسر …رد عليا يا حبيبي.”… كانت تنقصني يا الله هذه الرسالة ليكتمل الأمر، قلتها في سري بعدما قرأت الرسالة، ورن جرس الهاتف مرة أخرى ونحن نخطو ناحية الدرج المسمى “سلم الملك فاروق” واختصره اللسان الجمعي إلى “سلم الملك”. لا أدري هل هذا الاختصار هو من إنجازات عسكر يوليو 1952 التي استهدفت الحقبة الملكية، أم أنه بمرور الزمن تآكل اسم الملك وبقيت صفته الملكية ملاصقة للسلم. نزل روي السلم أمامي وكنت أتعرج وراءه كلاعبي السرك بين أكوام اللحم البشرية المتكومة على درجاته، حيث يجلس الشباب في جماعات تاركين بينهم مسافة قدم للطالع والنازل.

كان شاطيء النهر قطعة من ثوب أمي الذي ترتديه في مآتم القرية وخلال مواساتها للنسوة اللاتي أكلت المحاجر أحبابهن وهم يستخرجون الأحجار الرملية المرصوفة علي الضفاف حول هذا السلم، والمغروس بعضها في الطمي وتطل أطرافها من صفحة الماء كرؤوس التماسيح، بينما بعد هذه الرقعة المظلمة يتحول النيل لبريق ملابس فتيات القرية المجتمعات تحت الألوان المضيئة في عرس إحدى قريناتهن، بفعل شموس أعمدة الشارع فوقنا وأضواء الفنادق المحتكرة لجمال النيل والسفن العائمة التي تصنع محركاتها -بالتضامن مع رياح الربيع الخفيفة- رعشة براقة.

كاد ارتعاش الهاتف داخل جيبي أن يسقطني في الماء ونحن نتحرك يمينًا على كومة الأحجار الرملية الزائدة عن الرصيف والمكسوة بـ “خرا العجوزة”، ذلك الفطر الأخضر اللزج، الأحجار التي سوف يبتلعها النيل قريبًا عندما يرتفع منسوبه ويبلغ مداه في أغسطس متخطيا العتبات الأولى لـ “سلم الملك”. انزلقت قدمي اليمني ذات الأعصاب الميتة من الخوف، وزادت من ضعف قدرتها -الهشة أصلًا- على الثبات ارتعاشةُ الرنين، الذي لم يتوقف منذ حولت الهاتف إلى الوضع الصامت متعجلا دون إيقاف نمط الاهتزاز. كنت خائفا من وقوع عينه على شاشة هاتفي. لابد أنه يحفظ رقمها، وذلك كان سيزيد طينة شقائي بلةً. استعدت توازني بقفزة من تلك الحركات التي تلهمنا بها الطبيعة ولا نستطيع تكرارها قاصدين، ثم أعطينا ظهرينا للجرف المرصوف وجلسنا على حجرين مرتفعين قليلًا عن رطوبة الماء، بعد أن نفضنا عنهما فطر العام الماضي فصار هباء ناعما من “خرا العجوزة الناشف” المسبب للحكة إذا مس الجلد.

أعطاني روي سيجارة حشيش ووضع أخرى في فمه، كانت سيجارته المثبتة بين شفتيه تميل ناحيتي في ميلان وجهه الطفيف ناظرًا بقرن عينه إلى جيبي ويداه مشغولتان بفتح الكيس الأسود. شاشة الهاتف تضيء وتطفيء بالتزامن مع الأزيز الصادر عن اهتزازه بعدها ضاق عليه الجيب إثر إنثاء الركبة والجلوس. كان نسيج قماش البنطال الملاصق لشاشة الهاتف المستطيلة يومض كخيوط فسفور تشع في الظلام. أخرج  روي زجاجتا “ستيلا” وأعطاني إحداهما.

“سجائر وبيرة وجلسة على النيل … هل هذا تسمين ما قبل الذبح؟!!… آه يا أوزوريس العصر الكاحل كبشرتك يا ياسر … يبدو أن إيزيسك لا تكف عن الاتصال لتحذيرك، لكن الخوف من الجالس بجوارك – أخوك من آدم- أجبرك على كتم جرس الإنذار الذي تدقه حبيبتك، وها هو يمنحك حشيشًا وبيرة ليسد بهما أذنيك ويعطل حواسك فلا تسمع تحذيراتها ولا تشعر حتى باهتزاز الجرس… إن الصمت الذي يلفني الآن ما هو إلا مقدمة للشر المضمر في عينه الحمراء منذ ظهر اليوم… أرجوك واصل عملك أيها الكاو بوي القصير، مُد يدك واعتصر قلبي واغرس فأسك فيه ودع الدم ينفر منه… لا تجعل قلبي يتوقف عن مقاومتك ومقاومة الخوف، لا تتركه يستسلم. فلحظة واحدة من دهر الهدوء الثقيل، الذي يجثو على صدري الآن، كفيلة لقتل قلب إنسان خائف وكتم أنفاسه قبل أن يشهد العاصفة. الخوف أَمَرُّ مذاقات الحياة، وأنا الآن أملك خوفين. أتنفس خوفي على نفسي من سيجارة الحشيش، وأتجرع خوفي على حبيبتي علقمًا يكوي حلقي ويُمزق أحشائي. كانت هذه الأفكار وغيرها من خواطر تغلي في رأسي كما يغلي الماء في قدر فوق كانون أمي. وعين روي تُراقب وميض الهاتف في جيبي وفمه يطلق سراح أول نفس سحبه من سيجارته حتى غطى الدخان ما كان ظاهرًا من ملامح وجهه الهاربة من الظلام.

– تليفونك بيرن بقاله كتير… رد لو حابب.

قالها روي والسيجارة تهتز في فمه مع إيقاع الكلمات كأنها عصى مايسترو، مفسحة المجال ليده اليمنى التي هوت على غطاء زجاجة البيرة المعلقة من طرف الغطاء في زاوية حجر أمامنا، وتثبتها اليد الأخرى.

– متشغلش بالك… المهم.. إنت لحد دلوقتي مقلتليش إيه الموضوع اللي عايزني فيه …خير؟

خرج ردي مرتعشا مثل بدني الذي انتفض من دوي فتحه لزجاجة الستيلا.

******

فرغ من حديثه مع فراغ زجاجتا البيرة، حيث شربناهما على مهل تحت حراسة مديرية أمن أسيوط. أراد روي أن يطوح الزجاجات الفارغة في النيل، لكنني رفضت وأعدتهما إلى الكيس الأسود المحشور بين حجرين على مقربة منا، بعدما نقلته النسائم، وحملت الكيس حتي صعدنا “سلم الملك” برأسٍ فقد بعضًا من اتزانه وأقدام تتلوي بين أجساد الجالسين على العتبات المتدرجة. مشيت يسارًا ناحية سلة القمامة التي ينتهي عندا ظل مبنى مديرية الأمن الممتد من الطرف الآخر قاطعًا الشارع. أخبرته بعدما ألقيت الكيس في السلة أنني لا أستطيع العودة مشيًا فأوقف أول تاكسي مر علينا.

كان باب “الكعبة” مفتوحًا عندما دخل روي على ناير وعبد الراضي، الذي بدا على وجهه القلق والغضب.

– قافل تليفونك ليه ياد؟

زعق عبد الراضي في وجهي وأنا أسند يدي على ضلفة باب “الكعبة” من الخارج. وصلني صوته متحشرجًا وعنيفًا، كمن يتحدث وفي حلقه دخان، صوت يليق بصعيدي يخجل من الكشف عن حبه وقلقه فيلجأ لتعنيف أحبته لكي يداري مشاعره.

– مقفلتوش … التليفون فصل شحن.

رددت سريعًا وبشكل مختصر، وانتظرته يودع الجالسين في الغرفة لنذهب إلى شقتنا.

في الطريق إلى شارع معهد الأورام أخبرت عبد الراضي بما قاله روي، وبأنني لا أصدق أن ابن خالته جاء فقط ليعطيه سجائر الحشيش التي شربناها عند “سلم الملك”. وشاركني عبد الراضي نفس الشكوك، ونصحني بالانتباه فربما روي أتى به ليعرفه على شكلي مؤكدًا بذلك على ظني. مضيفًا أن هذه الأمور الدينية والمتعلقة بالشرف لا يمكن أن تسير بهذه البساطة.

– حرص ولا تخونش… ناس الحمرا واعرين يا أبو عمو… أنا قلت ياسر غوتر لما لقيت تليفونك مقفول.

وضحك عبد الراضي ضحكة قصيرة ساحبا الهواء إلى الداخل وهو يضحك كعادته، وواصل بأن عليً الاتصال بـ ماري لأفهم ما يحدث.

“نعم … عليَّ الاتصال بـ ماري، التي لم تتوقف عن دق الجرس حتى نفذ آخر ملي أمبير في البطارية، وسقط هاتفي مغشيًا عليه، لابد أن لديها خبر”. قلتها لنفسي، وأنا أحث رفيق دربي على مد الخطى لأصل سريعًا إلى طرف الشاحن المعلق فوق سريري، وأروي ظمأي إلى صوتها وأستمد بعض الطمأنينة.

*******

الكاتب

  • الملك ياسر أبو جامع

    شاعر وكاتب مصري، جائزة أحمد فؤاد نجم 2017 عن ديوان "حد شبهي"، حصل على زمالة معهد التعليم الدولي- صندوق حماية الفنان (IIE-APF)، شاعر زائر في Pitzer College لمدة عام 2022/2023، فاز مشروع روايته "ماري القبطية" بمنحة إنتاجية من مؤسسة المورد الثقافي عام ٢٠٢٠ .






ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان