تقرأ الآن
عاطف الطيب بين الحنجورية السينمائية والأثر الجانبي

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
311   مشاهدة  

عاطف الطيب بين الحنجورية السينمائية والأثر الجانبي

عاطف الطيب بين الحنجورية السينمائية .................... والأثر الجانبي

يوم 23 يونيو عام 1995، الحدث توقف قلب مخرج سينمائي عمره 48 عاما فقط، الأثر رحيل أحد أهم أعمده السينما المصرية وأحد أضلاع حركة سينما الواقعية الجديدة في الثمانينات، ربما كل تلك الكلمات قد تقرب أثر الحادثة أو الفاجعة ولكنها تكتمل حينما نعرف أن الراحل هو عاطف الطيب.

في مشوار سينمائي دام ما يقرب من 15 عاما فقط قدم الطيب خلالها 21 فيلم، وبالحسابات البسيطة ندرك أنه أنشط مخرجين جيله، ومن خلال نظرة سريعة على تلك الأفلام نجد ان عاطف الطيب هو المنحاز والمنتصر دائما للطبقة الوسطة والجيل الذي قدم روحه فداء هذا الوطن في أكتوبر 1973 ولم يأخذ من هذا الوطن شيء أو تحول الضعاف منه إلى إقطاعيين جدد وقطط سمان.

هذا الكلام ستراه في أي مقال يكتب عن عاطف الطيب وهو حقيقي وموضوعي، ولكن بنظره عميقة لأفلام عاطف الطيب يمكننا ان نقسم أفلامه إلى قسمين أساسين أفلام الزعيق الاجتماعي والسياسي أو ما اسميها الحنجورية السينمائية، وأفلام الإنسان الهادئة وتلك الأخيرة هي دائما الأقرب إلى قلبي.

ولكن هل كل أفلام عاطف الطيب إما حنجورية زاعقة أو إنسانية هادئة؟ الإجابة الأكيدة أنه لا، هناك العديد من الأفلام اختلط الاثنان معا ليشكلا مزيج لا يصنعه إلا الطيب.

فمثلا فيلم مثل البريء الذي عرض عام 1995، تجد المزج بين الخطين واضحا وظاهرا للعيان فالخط السياسي الزاعق نراه في مشاهد المعتقل وشخوصه، أو نراه في شخصية حسين، بينما نرى الجانب الإنساني في شخصية أحمد سبع الليل، وفي فيلم سواق الاتوبيس وهو أكثر أفلام عاطف الطيب حنجورية وزعيق نره لمحة إنسانية في مشهد أصدقاء حسن في الهرم ذلك المشهد الذي يستحق وحده مقالا مفصلا.

ولكن يكتمل الزعيق والحنجورية في فيلم كتبة الإعدام حتى اللمحات الإنسانية الشحيحة التي ظهرت في الفيلم كانت محمله بزعيق سياسي واجتماعي صارخ، في حين يمتزج الخطان ليصنعا مزيج مختلف في أفلام مثل التخشيبة وملف في الآداب.

وفي رأيي أن هذا الزعيق السينمائي رغم ما يحمله من مفردات سينمائية خاصة، لم يبرز موهبة الطيب كمخرج، مثلما أبرزها الخط الإنساني فنحن نذوب عشقا في فيلم ضد الحكومة وذلك لتخلصه بشكل كبير من هذا الزعيق السينمائي غير المبرر في أوقات كثيرة، بينما يحملنا فيلم البدرون وفيلم الحب فوق هضبة الهرم إلى عالم أخر لم نألفه من عاطف الطيب وهو عالم الأثر الجانبي.

وعالم الأثر الجانبي عالم اللذين سحقتهم الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية في مصر عقب الانفتاح، دون ان يأتي عاطف على سيرته، فنحن نرى الانفتاح وأثره بمنتهى السلاسة والوضوح ولكننا لم ولن نتحدث عنه بشكل مباشر سواء حواريا أو سينمائيا، كمن يرى جرح الخنجر في جسد الضحية فنعرف السلاح ومدى الألم الذي شعرت به الضحية.

متنقلا بين العالمين بين الزعيق الاجتماعي والإنسانية الشديدة يظل عاطف الطيب يتأرجح ويحاول المزج بينها، ليفرغ تلك الشحنة من الغضب والثورة على المجتمع ليتفرغ أخيرا لخلق سينما حقيقية، وكان علينا أن نتحمل غضب الطيب المكتوم بداخله طيلة الأفلام السابقة حتى نصل إلى تلك اللحظة والتي بدأت فعليا مع فيلم الدنيا على جناح يمامة عام 1989.

في الدنيا على جناح يمامة يرحل الطيب عن عالمه الذي نعرفه، ويدخل عالم أخر خاصه به جديد لا نعرفه، عالم بلا غضب أو ثورة أو رفض زاعق، بل عالم سينمائي خالص يهتم به الطيب بالإنسان وأزماته ومشاكله أكثر من اهتمامه بمن سرق الوطن والخير والدم، عالن نرى فيه الأثر الجانبي للسرقة ونرى فيه أخرين يقاومون كل هذا بطريقته البسيطة، يقاومون فيه ليبقوا على قيد الحياة.

ويأخذنا عاطف على يمامته إلى عالمه الجديد لنرى ضد الحكومة ورحلة مصطفى خلف وتطهره من خطاياه، ونرى إنذار بالطاعة، ثم رحلة سلوى شاهين في كشف المستور التي تنتهي بليلة ساخنة تجبر بخاطرنا جميعا، تلك السينما التي أحبها لعاطف التي تنتهي بنظره أو لقطة لا التي تنتهي بصرخة ” يا ولاد الكلب”.

ربما لان الغضب داخل عاطف الطيب كان أيضا واصلا ومتأصل للنقاد والسينمائيون وقتها، فكان هذا السبب الأساسي في المبالغة في تقدير أفلام حملت من المباشرة ما يكفي ويفيض، والزعيق السينمائي أكثر ما حملت من السينما نفسها، ولكنها في النهاية أفلام جيدة بالفعل لمخرج متميز بالفعل، ولا يقلل هذا من قيمة وقامة عاطف الطيب ولكن إن لم يقدم عاطف الطيب أفلام سوى ضد الحكومة وكشف المستور والدنيا على جناح يمامة وليلة ساخنة والحب فوق هضبة الهرم والبدرون وإنذار بالطاعة والهروب ودماء على الأسفلت والبريء ” لكفاه وكفاه للأبد.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
1
هاهاها
1
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان