تقرأ الآن
عصام عبد الله الفارس الذي تمرد على القوانين

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
721   مشاهدة  

عصام عبد الله الفارس الذي تمرد على القوانين


  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات


في أواخر الثمانينات أطلق الصحفيان “عبد الله كمال”و”إبراهيم عيسي” كتابهما المشترك”الأغنية البديلة” والذي كان تجميع عدة حوارات صحفية مع رموز الحركة الغنائية الجديدة، كرصد مهم لتلك الفترة التي شهدت ميلاد أغنية جديدة مغايرة لما كان سائد من قبل والتي عنونها بالأغنية البديلة، في الكتاب خصص فصلا للحديث عن الثورة التي أحدثها الشاعر “عصام عبد الله” في عالم الأغنية كمحاولة أولي لتوثيق تجربته الفريدة جدًا. 

عندما حدثت الثورة الغنائية في السبعينات والتي كسرت جمود الأغنية الكلاسيكية وحاولت إنتاج أغنية مغايرة، كان عصام أهم رواد تلك الثورة أن لم يكن الأهم على الإطلاق، وأحد من حمل على كتفه أعباء تلك الموجة الجديدة حيث كسر القالب التقليدي للأغنية بطرق مبتكرة وبسرد مدهش، تنوع في المضامين ما بين إنساني واجتماعي و فانتازي ساخر، ألبس الأغنية حلة جديدة تمامًا، دمج بين الفصحى والعامية، قدرة فائقة على الكتابة بكافة اللهجات سواء البدوية أو الفلاحي أو الصعيدي، ومع ذلك لم ينال عصام تقديرًا يليق بما أنجزه في عالم الأغنية، وبسبب رفضه التام للخضوع لشروط السوق الغنائي الذي تغيرت مفاهيمه كثيرًا بعد الانقلاب الذي حدث على ثورتهم الفنية في أواخر الثمانينات، وظهور ما عرف وقتها بالأغنية الشبابية، ففضل أن يكرس أفكاره في سوق الإعلانات التي أبدع فيها فكتب أشهر إعلانات تلك الفترة. 

تواكب ظهور عصام عبد الله مع ظهور الموجة الجديدة من الفرق الغنائية، والتي ساهم فيها بشكل كبير، فتعاون مع فرقة المصريين في أغاني “عرفتيني” “أفيفا الهوى” “اديني عقلك” وكتب للفور أم “فرجت وعايزين نعيش” وللجيتس ” يابوليس”، لكن تظل أهم تجاربه على الإطلاق مع فرقة “طيبة” حيث يعتبر شريكًا أصليًا في تلك التجربة المختلفة جدًا، والتي عانت مع عدم إستيعاب الجمهور لها، فكتب لهم “ودعي المكان” والتي تعتبر صورة سينمائية خالصة على هيئة أغنية،بالإضافة إلي أغنيات عديدة أشهرها “وماله” “المجهول” “ازي الصحة” “شئ جديد “”الدنيا صغيرة” “ولغيرك قلبي مايخلص” 

على جانب أخر ساهم عصام في عدة تجارب غنائية مهمة مثل تجربة “على الحجار” حيث يمكن اعتبارها أهم تجاربه الشعرية على الإطلاق مع المطربين، بدأت بالأغنية العبقرية “ألوان الناس” التي لم ترى النور حتى الأن، وأن أفرج عنها في تسجيل صوتي الملحن “محمد الشيخ” قبل رحيله، حيث قدمه الراحل “صلاح جاهين” معلنًا عن ميلاد شاعر جديد مختلف يمتلك جرأة عادية في استخدام المفردات وتضفيرها في أسلوب سردي مدهش.

لكن البداية الفعلية كانت في ألبوم “ولد وبنت” حيث كتب له أغنية “لحظة ممكنة” والتي لحنها ووزعها “عزت أبو عوف” ويعتبر هذا الألبوم أهم ألبومات الحجار حيث ضم كل التجارب الغنائية الجديدة.

انطلق بعدها ليصنع معه عدة أغاني شديدة التميز والخصوصية مثل “كان إحساسي صحيح” والتي كانت شكل جديد في كتابة الأغنية الدرامية، حيث بدأ الاغنية من حيث أنتهت القصة في سرد بديع مدهش حطم فيه القالب الشعري التقليدي وصنع أغنية بعدة فواصل شعرية، ثم التجربة الأهم في أغنية “في قلب الليل” والتي وصل بها عصام إلي أقصي تطور في شكل كتابة الأغنية،من ناحية السرد والمفردات واستخدامه الرمزية بطول الأغنية، وربط الكلمة بالحدث، هي الأغنية التي ظلت حبيسة الألبوم حتى أفرج عنها المخرج طارق الكاشف بتصويرها بطريقة الفيديو كليب في منتصف التسعينات فحصدت جمهورًا جديدًا ولا زالت تحصد حتى الأن، ثم التجربة المهمة ايضًا في “روحي فيكي تروح” والتي كانت درسًا مجانيًا للشعراء في كيفية كتابة أغنية بلهجة بيضاء. 

تميزت تجربة عصام عبد الله بالتمرد عن السائد والخروج عن المألوف لذا كان التعاون حتميًا مع المتمرد الأخر “محمد منير” حيث بدأت العلاقة عندما تقابلا صدفة في أحد الأستوديوهات، فكتب لمنير أغنيتين في ألبوم وسط الدايرة “ووه بابا “و”حتى حتى” وهو الألبوم الذي حو تجارب موسيقية مختلفة عن بعضها في مزيج ساحر ودسم، ثم تكررت التجربة في ألبوم “الطول واللون والحرية”والتي ظهرت في فترة كانت الأغنية تعاني من تسطيح فج على مستوى الأفكار والمفردات، فأثار عصام الجدل بهذا العنوان الغريب “الطول واللون والحرية “وعن العلاقة بين الطول واللون والحرية وأي طول وأي لون؟ وهي الأغنية العظيمة التي مزج فيها الجانب النفسي بالحسي، ثم كتب له في نفس الألبوم “سحر المغني” والتي اثارت تساؤلًا عن لماذا نغني، ليجيب عصام بشكل مختلف وفريد “لما نغنى سوا بنحني حلم مداه مفتوح”، ثم استمرت الأحلام تتحقق سويًا بالأغنية بالبديعة “لو بطلنا نحلم نموت” والتي أصبحت مفرداتها أيقونه وشعارًا للكثيرين. 

قد يدهش البعض من معلومة أن عصام عبد الله كتب خمس أغنيات لعمرو دياب في بداياتها الفنية، وهي التي ساهمت في حدوث انتشار جماهيري جيد له، أشهرها “أشوف عنيكي” والتي كتبت على لحن فلكلور، لكن تفضيل عمرو الاتجاه إلي الانتشار التجاري والتركيز عن الاهتمام بالإخراج الموسيقي على حساب الكلمة جعله يتجه لتغيير جلده الفني، لكن في المجمل يعتبر أغنيات عصام من كلاسيكيات عمرو دياب والتي يفتش عنها جمهور عمرو لإضفاء بعض العمق على تجربته في المجمل. 

أقرأ أيضًا …. كوثر مصطفى فيلسوفة بلد البنات

تعتبر تجربة عصام مع محمد فؤاد أحد تجاربه المختلفة، حيث مارس عصام تفرده في الكتابة بعدة لهجات فكتب لفؤاد في بدايته “عاش الطب””غرقان لشوشتي” “هنحب بجد” “بعت الصبح مرسال” “صابر” “طرازان” وهي التي شكلت ملامح تجربة فؤاد في البدايات صبغتها بلون شعبي وصدرت للمشهد الغنائي لونًا جديدًا، لكن أهم ما ميز التجربة هو أن عصام لم يقتات على ألفاظ وأشكال ونمط الحياة الخاصة بتلك البيئات، فلن تجده مضطرًا لبناء أغنية بالكامل تتحدث عن الطين والشجرة والساقية والترعة وتلك الأشياء الرمزية التي اقتات عليها شعراء عدة، بل أعتمد بالكامل على اللهجة بمفرداتها المحلية القحة وهي التي ستدخلك أجواء تلك البيئات بسهولة. 

طرق عصام باب الأغنية النسائية عن طريق عدة مطربات أشهرها أنغام والتي أهدته ألبومها “بتحب مين” بعد رحيله وغنت له فيها قصيدة باللغة الفصحى “من بعيد” والتي كانت آخر تعاون بينها وبين والدها الموسيقار محمد علي سليمان.

ثم اعاد عصام إثارة الجدل حتى بعد رحيله بأغنية “وحدانية” والتي حركت الراكد في سوق الاغنية من حيث غرابة الألفاظ والمفردات، والتي جاءت في خليط بين عدة لهجات، تأثير تلك الأغنية ممتد حتى الآن، وهو ما يفسر انبهار جمهور أنغام بأغنية “بقيت وحدك” و بصمة عصام الواضحة جدًا ولازالت أنغام محتفظة بالعديد من الأغنيات التي اهداها إليها عصام ولم تصدر حتى الآن. 

عصام في تجربة أخرى مدهشة مع المطربة سيمون، والتي تعتبر التعاون معه من أهم ما صنعت في تجربتها حيث كتب لها “أحب أقولك” و”عايزة أصرخ” وهما من أهم ما غنت سيمون على الإطلاق وظهرت بشكل مختلف تمامًا عن اللون الموسيقي الذي اشتهرت به. 

فى السينما ساهم عصام في بدايات بعض المخرجين فكتب أغنيات الفيلم المثير للجدل ” أنياب 1981″  أول أفلام الراحل “محمد شبل” وقام ببطولته “على الحجار ومنى جبر وأحمد عدوية” بالإضافة إلى كتابه اغنيه فيلم “4-2-4 ” الكوره مدوره .

إقرأ أيضا

وساهم عصام مع السيناريست “ماهر عواد” فى انجاز اول افلام شريف عرفه “الاقزام قادمون 1987″ الذى قام قام ببطولته ” يحيى الفخرانى وليلى علوى” وكتب اغانى واعلانات الفيلم وتشارك مع عواد  في كتابه حوار فيلم شريف عرفه الثاني “الدرجة الثالثة 1988″من بطولة “احمد زكى وسعاد حسنى” وكتب أغنيات اول افلام المخرج سعيد حامد”الحب فى الثلاجة 1993″بطولة “يحيى الفخرانى عبلة كامل” والتى غناها احد اهم اصدقاؤه الراحل “كامل الشريف”

خلفية عصام البدوية بالإضافة إلى ترحاله المتعدد كان عاملا مساعدا فى تنوع مصادر كتاباته فنالت الاغنيه البدويه حظها على يده  فأصدر عدة أغنيات باللهجة البدوية منها على سبيل المثال “يا حولى”والتى غنتها المطربة “زينب” كما صنع اغنية لطيفة جدا ايضا بعنوان “الخ ..الخ” للمطرب عادل شريف الذي عرفته مصادفة فى رحله البحث عن عصام  .

كانت لاغاني الاطفال نصيبا جيدا من كتابات عصام عبد الله فصنع ثلاث أغنيات “البطه / دا دا / هيجننونى” للفنان عبد المنعم مدبولى فى ألبومه “توت توت” بالاضافة الى الاغنية الاشهر للاطفال فى الثمانينات “جدو على” والتى غناها المطرب محمد ثروت  بالاضافه الى البوم “ماكا ماكا “المفقود على شبكة الأنترنت من غناء الطفلة “مها”

كتب عصام لعده ممثلين جربوا حظهم فى الغناء فكتب ثلاث أغنيات “جدًا جدًا” “انا قلبي حر نار” “انت وأنا”  في ألبوم “بتاع القزقزة” للممثلة “لبلبة”، ثم تجربة كوميدية فانتازيا ساخرة مع الكبير “سمير غانم” في ألبوم “مانا مانا” وفيه الأغنية التي رثى فيها الممثل الراحل “الضيف أحمد” 

يظل عصام عبد الله صاحب أهم تجربة شعرية في الغناء المصري الحديث، حيث لم يسبقه أحد من الشعراء في تطوير طريقة السرد و القوالب الشعرية والمضامين المتمردة، وللأسف لا يوجد حصر معلوماتي كامل عن كتاباته وما زلنا حتى الآن نعيد إكتشاف اغنيات جديدة لعصام في شرائط الكاسيت المخزنة. 

تجربة عصام عبد الله في المجمل تشبهه تمامًا في الشخصية المختلفة المتمردة، وعبر عن مواقف شخصية كثيرًا له في اغنياته، ولم يستهلك موهبته الفذة جدًا في أغنية إستهلاكية تلفظ انفاسها سريعًا، وظل فارسًا متمرد على قوانين الشعر والغناء، ثم رحل بعيدًا وحيدًا دون ضمانات لأن ينصفه الفن يومًا ما، وهو الذي رثى الفنان الضيف أحمد في أغنية نعتبرها نحن جمهور عصام رثاء شخصي لنفسه، فكلما استعدناها تطل منه صورته هو، رحل عصام وهو يعزف لحنًا لم ينتهي بعد في إنتظار لحظة ممكنة لإنصافه.

الكاتب

  • كاتب صحفي مهتم بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
5
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان