رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
479   مشاهدة  

عندما خانت الأغنية مستمعيها

الأغنية
  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


Share

يقف سيد أمام عتبات أحدي المنازل الفخمة يرتدي نظارة سوداء ثم يحمل عوده متظاهرًا أنه ضرير ويستند على صديقيه “عبد الرحمن” و”حسن” ليحيي ليلة ساهرة داخل المنزل الفخم الذي يقطنه أحد أغنياء الحرب وقت هزيمه يونيو.

لم يكن هناك حلًا أمام سيد سوي أن يبحث عن لقمة عيشه بأي طريقة؛ في تلك الظروف الحالكة التي تمر بها البلاد، عندما بدأ سيد في الغناء قرر أن يقدم تحية لصديقة “حسن” الذي يحارب على الجبهة مغنيًا “أحلف بسماها وبترابها” ليثير غضب وسخرية الحاضرين من تلك الأغنية التي تبثها الإذاعة ليل نهار ، ويحثوه على غناء أغنية “الطشت قاللي” ليشعل السهرة ويبدأوا في وصلة رقص صاخبة.

هذا المشهد المهم من فيلم “حكايات الغريب” يفتح بابًا مثيرًا للحديث عن الأغنية ودورها في إلهاء أو تحفيز الجمهور، المضحك في الأمر أن الأغنيتين على الرغم من بعد المسافة بينهما إلا أنهما كانتا صنيعة النظام المهزوم الذي قرر في لحظة الكارثة أن يمسك العصا من منتصفها، فصنع أغنية تخاطب الجماهير الغاضبة مقسمًا أن البلاد لن تموت مادام هو حي، وصنع اّخرى تخاطب وتلهي جموع المكتئبين، ومارست الأغنية في تلك الفترة دروًا مزدوجًا فألهت بعضها واخمدت غضب البعض الأخر.

الأغنية في ثورة 1919.

عندما فرضت بريطانيا الحماية على مصر بذلت كل مافي وسعها لتضليل الشعب وبث اليأس فيه، وكانت الأغنية المتنفس الوحيد للشعب الذي كان يبحث عن طوقًا للنجاة للحصول على حريته و استقلاله، ولم تسلم الأغنية من تدخلات سلطة الإحتلال فاستولت على كشك الموسيقى في حديقة الأزبكية ومنعت بعض المطربين من الغناء و بدأت في تضييق الخناق على الكتاب بحذف نصوص من مسرحياتهم أو رفضها بالكامل، وفرضت على المحال والملاهي الليلية الإغلاق في الحادية عشر مساءًا، عندما قامت ثورة 19 كانت الأغنية حاضرة وبقوة وكانت سلاحًا قويًا تساند وتلهب حماسة الجماهير، وكانت أغاني خالد الذكر “سيد درويش” تخرج من المسارح لكي تغنى في المسيرات والمظاهرات التي تعلن رفضها الإحتلال.

بعد إنطفاء شعلة ثورة 1919 وانقسام قوى الثورة عمد النظام إلى استخدام الأغنية لكي تكون سلاحها القوي لتخدير الشعب، فبعد سلسلة من الأغنيات التي ألهبت حماس الجماهير، تغير الوضع إلي النقيض فدخلت الأغنية نفق التدني والإنحلال الأخلاقي  بغرض إفساد الشعب منعًا لثورته مجددًا، و أصبح هو الإتجاه السائد الذي خضع له صناع الأغنية الكبار، و ظهرت الطقاطيق الماجنة التي كتبها “يونس القاضي” و”بديع خيري”و”بيرم التونسي ولحنها شيوخ الملحنين مثل “زكريا أحمد”و”سيد درويش” و”محمد القصبجي” وغناها كبار المطربين والمطربات مثل “سيد الصفتي” و”نعيمة المصرية” “منيرة المهدية” حتى أم كلثوم نفسها لم تسلم من تلك الموجة الهابطة وغنت “الخلاعة والمجون مذهبي”.

الشاهد أن الأغنية هنا لعبت دورها التقليدي في الترفيه عن الشعب،  ولكن بأسوء صورة ممكنة، ومثلما كانت سلاحًا قويًا يلهب حماسة الجماهير، كانت سلاحًا مضادًا عمدت إليه سلطة الاحتلال لتقويض الثورة وصرف الجموع عن قضاياه المهمة.

رغم عدم وجود رقابة على المصنفات الفنية وقتها لم تستمر تلك الموجة من الغناء الإباحي الهابط كثيرًا، واعاد بعض صانعيها ترتيب أوراقهم من جديد، فبدأ زكريا أحمد تطوير فن الطقطوقة وبدأ القصبجي في إرساء دعائم المونولوج العاطفي وطور عبد الوهاب الأغنية السينمائية، وأعادت أم كلثوم تقديم لحن الخلاعة والمجون بعد تغيير كلماتها، حتى تولي الشيخ “يونس القاضي” منصب الرقيب العام فقرر أن يمنع إذاعة تلك الأغاني ومنها أغنيات كان قد كتبها بنفسه.

الأغنية في ثورة يوليو.

لعبت الأغنية دورًا هامًا في ثورة يوليو والتمهيد لبعض قرارتها، واشترك فيها أغلب المطربين اما انفعالا بالثورة او تقربًا منها، حتي جاءت هزيمة يونيو لتفضح زيف تلك الأغنيات التي كانت عكس ماكان يحدث على أرض الواقع، وقتها قرر “صلاح جاهين” أحد أهم كتاب أغاني الثورة يوليو التوقف عن كتابة تلك الأغاني التي رأى أنها كانت تخدع الجماهير، وقرر البعض الإستمرار  في محاولة منهم لنفي تدخل الدولة في صناعتها في وقت كان بعضهم قد فقد مصداقيته لدى الناس.

بعد نكسة يونيو  كان المشهد الرسمي للغناء يسير في اتجاهين مختلفين، الأول محاولة لم الشتات بعد الهزيمة والأخر هو استخدام الأغنية للترفيه على الشعب، الغريب أن الأذاعة لم تقوي على بث الأغنيات التي كانت تمجد في الثورة ولم تجد سوي “بلدي أحببتك يا بلدى” لمحمد فوزي، في المقابل واصل عبد الحليم الغناء للوطن ولكن لم يحصره في شخص عبد الناصر كما فعل من قبل فصنع أغنيات “عدى النهار” و” فدائي”

وعلى الطرف الآخر من المشهد الرسمي ظهرت أغنيات محمد حمام و الشيخ إمام التي تندد بالنكسة وتطالب بمحاكمة المسئولين عنها فسرها البعض على أنها انعكاس حقيقي للوطن المكلوم الذي تسبب حكامه في هزيمته، و ارتأى بعض المعارضين لها انها أغنيات تجلد الوطن في وقت أزمته.

 مابين مشهد رسمي تبناه النظام ومشهد غير رسمي تبناه بعض المعارضين له، لعبت الأغنية عدة أدورًا ما بين دور رئيسي في الترفيه عن الجمهور ومابين إعادة تجميل الواقع مرة اخرى او تفكيكه لمحاولة التمهيد لمعركة الإنتصار ومحو عار الهزيمة.

إقرأ أيضا
برمجة القرآن على الوورد

ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

بمرور الوقت اختفت تلك الأغنيات التي كانت تخدع الجميع، أعاد الجمهور مرة اخري تفكيك تلك الحقب الزمنية التي كانت الأغنية تمارس خداعها فيه، وبقيت تلك الأغنيات التي كانت تغني للناس لا تغني عليهم، فبقيت أغنيات سيد درويش الوطنية صامدة حتى الأن يتناقلها الأجيال، وعندما حدثت ثورة يناير لم تجد الجموع الغاضبة سوى أغنيات الشيخ إمام التي كانت تتداول بشكل سري في عصرها فأصبحت هي المشهد الرسمي الذي يتماس مع مطالب جموع الغاضبين، وهنا تجلى الفارق الكبير بين الأغنيات التي خدعت مستمعيها وبين الأغنيات التي كانت صوت الناس في كل زمان ومكان.

اقرأ أيضا

لماذا سقط الكسار وظل الريحاني على العرش؟

الكاتب

  • محمد عطية

    ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com
Share

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان