تقرأ الآن
محمد القصبجي سابقا لعصره .. حكايات الموسيقار

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
180   مشاهدة  

محمد القصبجي سابقا لعصره .. حكايات الموسيقار


أهلا بكم أعزائي القراء في الحلقة الثامنة عشر من قصة الموسيقار الكبير نحيل الجسد قوي الفكر المرحوم محمد علي القصبجي، وكنا قد انتهينا في اللقاء السابق من الحديث عن عبقرية الموسيقار محمد القصبجي وتعقيد ألحانه وصعوبتها، ثم ذكرنا كيف كان محمد القصبجي سابقا لعصره، واليوم نتحدث أكثر عن حقيقة العلاقة بين القصبجي وأم كلثوم من أكثر من زاوية، نبدأها من حيث تقدير أم كلثوم للقصبجي.

 

تقدير أم كلثوم للقصبجي كقيمة فنية وكأستاذ لها:

لا شك أن أم كلثوم كانت تقدر المرحوم محمد القصبجي كموسيقي فذ وكأستاذ له الفضل عليها منذ أن جاءت للقاهرة عام 1923م، إلا أن تقدير أم كلثوم للقصبجي الذي ظل يدير فرقتها الموسيقية حتى قبيل وفاته سنة 1966م، كان تقديرا لم يتخطاه إلى الأعمال التي جاءت بعد فيلم فاطمة 1948م، والذي غنت فيه أم كلثوم من ألحانه يا صباح الخير ياللي معانا، ونورك يا ست الكل، وياللي انحرمت الحنان، فتوقفت عن الغناء له بعدما غنت له تسعا وستين أغنية.

 

إقرأ أيضًا…العيد الدموي .. قصة حادث مديرية أمن أسيوط 1981 م

بعد هذا الرصيد الكبير من الأعمال التي جمعت كوكب الشرق بالموسيقار الكبير محمد القصبجي، وبعد النقلات الكبيرة في حياتها معه اعتقدت أم كلثوم أن إلهام أستاذها قد نضب، ولا ندري حقيقة الأمر هل استوحت أم كلثوم ذلك من أعماله أم للأمر أبعاد أخرى غير محمودة، على أية حال فإن الثابت أن أم كلثوم لم تكف “في الظاهر” عن تشجيع المرحوم محمد القصبجي على معاودة التلحين لها، إلا أنها في كل مرة كانت تعيد إليه الأمل ثم تسلبه منه مرة أخرى فتعرب بعد استماعها إلى اللحن عن عدم اقتناعها به، ومن المفارقات العجيبة في هذا الصدد أن المرحوم محمد القصبجي والذي أوقفت كوكب الشرق أم كلثوم تلحينه لها هو الذي لحن أغنية في تكريم أم كلثوم سنة 1949 في معهد الموسيقى العربية.

إن أكثر الأسئلة المحيرة في علاقة كوكب الشرق بـ المرحوم محمد القصبجي فيما يتعلق بمسألة توقفه عن التلحين لها أو توقيفها هي له هو “هل نضب إلهام القصبجي أولا فتوقفت ثومة عن الغناء له، أم هل توقفها هي عن الغناء له كان سببا في هذا النضوب؟ والحق أن الإجابة على هذا التساؤل هي أمر مرهق وصعب إثباته، غاية ما هناك أنه يمكن وضع القاريء في الصورة بشرح الملابسات والوقائع ومقارنة العوامل التي اجتمعت حول الكبيرين ببعضها البعض والحكم دائما يكون للجمهور، ذلك أن الدخول إلى نية القصبجي وقلبه والحكم عما إذا كان تحطم أم لا هو أمر صعب جدا وإن كان من الممكن توقعه قياسا على أحوال البشر، كذلك من الصعوبة جدا الدخول إلى مزاج أم كلثوم والحكم عما إذا كانت الألحان المتأخرة التي قدمها لها المرحوم محمد القصبجي قد صادفت ذلك المزاج وقبلتها ذائقتها الفنية أم لا.

لقد ظلت العلاقة بين المرحوم محمد القصبجي وكوكب الشرق أم كلثوم جيدة، إلا أن المرحوم محمد القصبجي قد تألم كثيرا من إعراض أم كلثوم عن ألحانه، وفي سنة 1955م حين جالت كوكب الشرق لبنان ودمشق صرح المرحوم محمد القصبجي خلال تلك الجولة بأن أم كلثوم لو أتاحت له الفرصة لأثبت لها أن ألحانه أفضل من ألحان المرحوم رياض السنباطي الذي كان متصدرا لتلك المرحلة، إلا أنه وكما يقول مؤرخي الموسيقي قد عاد عن هذا الكلام بل وأنكر هذا التصريح حين سمعت به أم كلثوم وغضبت منه.

ويرى بعض الموسيقيين الكبار أنه لا شك في أن المرحوم محمد القصبجي كان يفوق المرحوم رياض السنباطي في القدرة على التفكير الموسيقي وعلى صياغة لوازم موسيقية متماسكة وعلى تطوير اللحن وعلى التجديد في الموسيقى، وإن كان البعض الآخر من الموسيقيين يرون أن الجمل الموسيقية للمرحوم رياض السنباطي تخرج في النهاية أجمل، والحقيقة أنني متفق والرأي الأول الذي يزكي المرحوم محمد القصبجي وليس أدل على ذلك مما ذكرناه في الحلقة السابقة عند الحديث عن تعقيد موسيقى محمد القصبجي وصعوبتها.

ومن القصص المروية التي تدعم الحديث عن فكر المرحوم محمد القصبجي وقوته إذا ما قورن بموسيقي عصره ما رواه أصحاب شركة بيضافون، فقد رووا أنهم أخذوا من صديقهم الأخطل الصغير “بشارة الخوري” قصيدة أسقنيها بأبي انت وأمي، وطلبوا من الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يلحنها، فلحنها لهم ولكنه تردد في تسجيلها لعدم رضاه عن اللحن واستأذن آل بيضا “أصحاب الشركة” أن يأخذوا القصيدة للمرحوم محمد القصبجي، فلحنها لهم وغنتها المرحومة أسمهان الأطرش بالصيغة التي نسمعها إلى اليوم، وفي هذا الصدد يقول آل بيضا أن لحن المرحوم محمد القصبجي للقصيدة قد جاء أجمل وأفضل كثيرا من لحن الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي لم يسجل، والحقيقة أن هذه القصة لا تنتقص أبدا من شأن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وإن كان فيها شهادة وإشادة بالمرحوم محمد القصبجي الذي أصابه إعراض الست عن ألحانه بجفاف حقيقي حتى مماته، لذلك من الصعوبة أن نبحث عن إجابة للتساؤل السابق وبالأحرى ليس من وسيلة للتيقن بأيهما كان سببا وأيهما كان نتيجة، هل النضوب في إلهامه هو الذي حدا بأم كلثوم للإعراض، أم إعراضها كان سببا للنضوب.

 

إقرأ أيضا
تيتا صالح

لم يفارق المرحوم محمد القصبجي أم كلثوم لحظة منذ بداياتها الفنية في القاهرة خصوصا بعد أن بات أحد أهم ملحنيها، وأحد أركان فرقتها الموسيقية، واشترك معها في جميع حفلاتها التي أحيتها في مصر وفي الخارج، وتدرج أجره معها للحفلة من 250 قرشاً إلى ثلاثين جنيها، وظل اسم القصبجي مقترناً بأم كلثوم نحو أربعين عاماً لذلك عزيزي القاريء قد تتعجب من كثرة هذا الاقتران على مر الحلقات المتتالية وما ذلك إلا لطبيعة الاقتران الحقيقي بينهما.

يقول محمود كامل صاحب كتاب “محمد القصبجي حياته وأعماله” وهو أحد أصدقاء المرحوم محمد القصبجي والمطلع على شؤونه: إن التعامل الفني بمعناه الواسع توقف بين أم كلثوم ومحمد القصبجي بعد رق الحبيب والتي أديت عام 1941م، وقد حاولت أم كلثوم أن تشجعه على التلحين مرة أخرى وعهدت إليه بتلحين بعض الأغاني إلا أنها لم تؤدها.

فقد اختارت عام 1954 قصيدة وطنية لأحمد رامي مطلعها يا دعاة الحق هذا يومنا، وقد بث طلب أم كلثوم الأمل في نفس الملحن المقهور، فبدأ يلحن القصيدة، ويستشير أم كلثوم بعد انتهاء كل مقطع، وحين أوشك على الانتهاء من نصف الأغنية حضرت الست وبصحبتها أحمد رامي والمؤلف محمود كامل لمنزل القصبجي، وبدأ القصبجي في الأداء بصحبة عوده، فلم تقتنع أم كلثوم باللحن وطلبت منه أن يلحن القصيدة مرة أخرى، وحاول القصبجي جاهدا أن يقنعها بأن اللحن المعد ممتاز دون أن يحقق نجاحاً في اقناعها، فاختارت أم كلثوم قصيدة أخرى لرامي هي مصر التي في خاطري وفي دمي وانتقل لحن القصبجي للمطربة فايدة كامل، كذلك سبق لأم كلثوم أن دفعت للقصبجي بأغنية سهران لوحدي أناجي طيفك الساري ولم يرضها عمله، فدفعت بالأغنية إلى السنباطي الذي لحنها لها كما سمعناها، والوضع ذاته حدث في أغنية وطنية أخرى هي أغنية مصر إن الحق جاء، فاستقبلي فجر الرجاء لشاعر الشباب رامي وأغنية للصبر حدود فلم يكتب الحظ للقصبجي في تلحينهما مرة أخرى وانتقلتا إلى الموسيقار محمد الموجي.

وإلى هنا أعزائي القراء نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة على أن نكمل الحديث في حلقات قادمة إن شاء الله.
دمتم في سعادة وسرور.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان