رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
96   مشاهدة  

من الإسكندرية إلى السوربون.. درية شفيق و الإصرار نحو واقع بديع

درية شفيق
  • مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال



فصلٌ جديد في حياة درية شفيق، فبعد أن تمت خطبتها في عمر الثالثة عشرة ـ كما ذكرنا في مقال سابق ـ ، وبقائها في طنطا مع جدتها عوضًا عن أمها الراحلة انتقلت إلى عروس البحر المتوسط مدينة الإسكندرية لتكون خُطوة مُهمة ومُلّهمة وجَريئة فِي حَيَاتها.

تعاسة و جُرأة
طلبت درية شفيق من والدها الانتقال معه إلى الإسكندرية لتعيش معه، ورفضت الجدة ” خديجة” هذا الانتقال إلا أن “درية” قد استجمعت شجاعتها وشعورها الحرّ، وأخبرت جدتها بأنها تُريد العيش مع أبيها، ولم تكتفي بهذا بل تمردت، وأعلنت بأنها متنازلة عن الزواج من قريبها، هكذا أعملت” درية” إرادتها وفسخت الخِطبَة، ورحلت مع أبيها إلى الإسكندرية، وكان والدها مناصرًا لها لشعوره بتعاستها.

فصل حر
كانت مدينة الإسكندرية فاتحة فصل جديد؛ فصل تملئه الحرية والانطلاق، فكل ما في المدينة الزرقاء مغايرًا تمام لطنطا، فكانت الإسكندرية ملاذًا لروحها الجريحة، ملاذًا لشاعرية تصبوا إليها، فبينما كانت طنطا مظلمة ومغلقة على نفسها بتقاليدها كانت الإسكندرية مضيئة مفتوحة لكل ما هو جديد من أفكار”

“كان اتساع البحر يشعرني كأني رسول قادم عند المنتهى. اكتشفت الطبيعة بعمق جمالها ، تهمس إلى قلبي وتشكل أحلاما بديعة بالعبور للجانب الآخر” ( درية شفيق )

دراسة وعمل
التحقت “درية” بمدرسة القديس “فنسان دي بول” وهي مدرسة تابعة للإرسالية الفرنسية في الإسكندرية، ومع دخولها لمدرستها الجديدة بدأت تعدّ لشهادة الـ ” بريفي”، فنجحت “درية” في اختصار عام دراسي آخر فكما قلنا سابقًا وجهت شعور الفقد داخلها إلى التفوق الدراسي فتقول:” ما زال في داخلي فراغ لم يملأه شيء منذ موت أمي”.

مغامرة نحو القمة
أرادت “درية” العمل كسكرتيرة، وبدأت تبحثُ عن مقومَات هذه الوظيفة، وكان من بينها الاختزال ودراسة الآلة الكاتبة، لذلك بدأت على الفور في البحث عن إحدى المعاهد الأجنبية في الإسكندرية لتعلمها. لكنّ العادات والأعرَاف كانت عائقًا في هذا الطريق فرفض والدها هذا العمل بحجة ” لن يقبل رجل من أسرة كريمة الزواج منك . سوف ينظر إليك الجميع باستعلاء ” .

مع هذا الرفض الذي واجهته في بداية حياتها لم تخنع ولم تستسلم، فاتخذت خُطوة جَادة نحو التقدم والتفوق فتقول:” قررت أنني لو امتهنت عملًا فلابد أن أصل فيه إلى القمة” ، واستعدادًا لهذه المهنة المجهولة قررت” درية” أن تتقدم لشهادة البكالوريا الفرنسية، لذلك التحقت مع صديقة لها يونانية إلى مدرسة ” الليسية” للبنين في الإسكندرية، لكنّ مدة الدراسة التي كانت بين ثلاث وأربع سنوات كانت عائقًا آخر أمام حلم أرادته سريعًا فتقول” كنت في عجلة للوصول إلى المستقبل الذي كنت أراه يجري أمامي” .

كانت ” درية” في تحد مع الزمن، فاستعدت للامتحان في إجازة الصيف، واتخذت من نجاحها في شهور قليلة مغامرة حقيقية تستحق أن تدخلها بكل مخاطرها ومشاعرها وبالالتزام لإنجاز العمل المطلوب، فبعد أربع شهور بالتمام، دخلت ” درية” مع صديقتها اليونانية إلى الامتحان ونجحت نجاحًا باهرًا بل إنها كانت من الثلاث الأوائل في البلاد.

وتحكي” درية” أن أحد الممتحنين القادمين من الخارج استمع إلى إجابتها على سؤال في الامتحان الشفوي فسألها في أي مدرسة استعدت إلى الامتحان ، فأجاب قسّ من الحضور عنها قائلًا ” في مدرسة الإرسالية الفرنسية” حينها اندهش الممتحن كَون المدرسة المذكورة ليس بها برنامجًا للفتيات، فأجاب القسّ:” لكننا سنضع برنامجًا لهنّ من الآن فصاعدًا.

استمرار النجاح وحب يدق الباب
أرادت ” درية” استكمال المرحلة الثانية من البكالوريا التي تتطلب جهدًا عامًا آخر، فالتحقت مع صديقتها اليونانية إليها لاستكمال الدراسة، واختارت درية ” الفلسفة” التي وجدت فيها صعوبة كبيرة، حينها استعانت بمعلم بلجيكي يدرس لها في المنزل فقبل أبوها وكان يدفع أجره عن تعليم البنتين.

أعجبت ” درية” بالمعلم الوسيم منذ الدرس الأول وشعرت أول مرة في حياتها بما يسمى الحب، فتقول في مذكراتها:” اقتحمت قلبي مشاعر غامضة منذ الدرس الأول . موسيقى عذبة للغاية مشوبة بالقلق اجتاحت قلبي، وكأنني روح غرقى وجدت اليابسة، ولكني كنت أعي تمامًا بمخاطر رحلة لت تؤدي إلى مرسى، فأستاذي يكبرني بسنوات عديدة ومن ملة غير ملتي وثقافة غير ثقافتي بل والأدهى انه متزوج وقررت كما يقولون بالعربية وضعت على قلبي حجرا، وان أتغلب على مشاعري”.

بعد عام حققت ” درية ” ما أرادت واجتازت الامتحان بتفوق فكانت الثانية على البلاد، ولم ترى معلمها الوسيم بعد هذا لتكون قصة حب عابرة مرت كما نسمة هواء الصيف.ومع هذه الظروف كانا أخويها ” جمال” و”علي” يستعدان للسفر إلى أوربا من أجل استكمال دراستهما في الهندسة، فكان “جمال” يستعد للسفر إلى برلين، أما علي فكان يستعد للسفر إلى إنجلترا، كما تزوجت المربية الخاصة بهم، بات أعباء المنزل من حيث رعاية أبيها وأخوتها الصغار على عاتقها.

لم تكن تطمح” درية” أبدًا لمثل هذا المصير فكانت تريد استكمال دراستها والسفر إلى الخارج كما إخوتها، فكان السبيل إليها لمثل هذا هو مراسلة ” هدى شعراوي”، فكانت تؤمن ” درية” أنّ  الإنسان في مصر لا يمكنه الحصول على شيء دون الحصول على مساعدة ممن لهم اتصالاتهم .

تكالبت الظروف على ” درية” وباتت مشتته كثيرًا، فكيف تسافر إلى باريس وجامعة السوربون مع العقبة المالية الكبيرة لوالد ذات إمكانات مادية محدودة، و إن تم حلّ هذه الأزمة بالسفر بصفة مبتعثة فكيف تقنع أسرتها التقليدية؟ ، كيف تقنع جدتها؟، كيف تترك أبيها وأخيها الأصغر دون رعاية؟، الكثير والكثير من العقبات، لكن “درية” أمسكت بزمَام الأُمور مرة أخرى، وأرسلت رسالة إلى “هدى شعراوي” التي تأثرت بها الأخيرة تأثرًا تامًا وأرسلت خطابًا إلى “درية” تطلب منها المجئ إلى القاهرة . رضخ “أحمد شفيق” ـ والد درية ـ لرغبتها فكان قد اعتاد على أنها تسيّر حياتها بنفسها.

إقرأ أيضا
تحولات الخطاب الصهيوني

كان اللقاء بين” درية شفيق” و” هدى شعراوي” بداية لعلاقة ملهمة لكنّها مُربكة لكن مَفادها حياة مرتبطة بحق المرأة المصرية وتشكيل وعيها.

خطبة عصماء ثم منحة
بين 1899 و 1901م كانت فكرة تحرر المرأة و إصلاحها في أوجهَا على يد” قاسم أمين”، وامتلأت تلك الفترة بكتب عبرت عن صحوة الوعي النسائي، ومع إحياء ذكرى وفاته، أعلن عن مسابقة وطنية لاختيار أفضل نص تكتبه شابه مصرية عن قاسم أمين، وفازت” درية” بهذا وتم دعوتها لتكريمها في احتفالية كبرى ، وألقت نصها على مسرح الأزبكية، بعد دعم كبير من مؤسسة أول اتحاد نسائي مصري ” هدى شعراوي” .

وقفت ” درية” أمام جمهور مستمعيها، وأعربت عن رؤيتها النسائية على الملأ وللمرة الأولى، وفي خطابها صدى لما قالته “هدى شعراوي”، في اليوم التالي لظهورها على مسرح الأزبكية سمعت “درية” بأن منحتها التعليمية من الوزارة قد تمت الموافقة عليها وتلاشت مشكلتها المالية، وبقي أمامها عائقًا وحيدًا؛ وهو كيف توافق أسرتها على السفر إلى الخارج؟ ، من سيراعى أباها؟.

فرج السماء كان لها، حينما انتقل زوج أختها للعمل كطبيب في إحدى مستشفيات الإسكندرية، وأقنعت “درية” أختها “ثريا” لأن تجلس مع والدها في منزله فوافقت، وجاء هذا القرار مُرضيًا للجميع.

كان لدرية مهمة أخرى وهي مهمة إقناع جدتها” خديجة” بالسفر إلى باريس، واعتبرت الجدة أن سفر الفتاة الصغير ذات الـ19 وحيدة هو درب من الجنون!، لكنّها في الأخير وافقت، وفي أغسطس كانت “درية” على متن باخرة تقلها إلى باريس تاركه وراءها أسرتها وبلدها ومنطلقة نحو المجهول .

الكاتب

  • درية شفيق مي محمد المرسي

    مي محمد المرسي صحافية مهتمة بالتحقيقات الإنسانية، عملت بالعديد من المؤسسات الصحافية، من بينهم المصري اليوم، وإعلام دوت أورج ، وموقع المواطن ، وجريدة بلدنا اليوم ، وغيرهم .

    كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان