رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
697   مشاهدة  

كيف تعلمت أن أكف عن القلق .. وأحب أم كلثوم

أم كلثوم
  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال



أجواء شتوية باردة تليق بصباح يوم مدرسي ممل في ديسمبر، يسود الصمت المنزل الجميع يتحرك ببطء ليأخذ دوره في طابور الحمام، يستند أخي الأكبر على الحائط في محاولة إقتناص دقائق يكمل فيها حلمه الذي قطعه صوت الأم أثناء محاولتها الألف لكي نصحو من النوم.

يأتي صوت أم كلثوم عبر الأثير ” يا صباح الخير ياللي معانا” يقطع صمت المنزل، ليبدأ معه تذمري من صوتها ومما تغنيه، أي صباح تتحدث عنه هذه السيدة ونحن نغادر دفء مضاجعنا بالكاد نفتح أعيننا نحاول ان ندعي أننا محمومين كي نتخلص من وصلة التعذيب اليومية المتمثلة في الذهاب إلي المدرسة.

 منذ تلك اللحظة التي تشكل فيها الوعي ونحن عالقين في كره تلك السيدة التي تداوم على الحضور كل يوم بصوتها وكأنها لا تمرض ولا تأخذ قسطًا من الراحة حتى يوم الأجازة، كان صوتها حاضرًا ونحن جالسين على مائدة الإفطار  وكأنها أصبحت كجدار ثبت مكانه عنوة داخل المنزل.

عندما كانت تتيح لنا فرصة كي نعبر عن أنفسنا ووجودنا، كنت اقتنص الفرصة كي أعلن تذمري وكرهي لصوت تلك السيدة الذي دائما ما يكون حاضرًا في أوقاتي التعيسة، حتى أيام الصيف وقت العصاري الرطب كان صوتها يأتي عبر إذاعة إسرائيل التي كانت تداوم على إذاعة أغنية طويلة من أغنياتها، ماذنبي انا لكي استمع إلي سيدة تقول الجملة أكثر من ثلاث مرات، يسبقها مقدمة موسيقية توازي عشر أغنيات من اغانينا المفضلة.

كنت دائم الإعتقاد أن أم كلثوم لم تولد طفلة مثلنا؛ بل ولدت كبيرة كشكلها الذي اعتدت أن أراها فيه وهى تعتصر منديلها في حفلة من حفلاتها، عندما اعلنت لأول مرة عما يجول في صدري تجاهها جاء صوت أخي الجامعي وهو يدندن معها “وانت معايا يصعب عليا رمشة عنيا ولا حتي ثانية” فحاول أن يشرح لي ما تقول لحبييها فقلت له ” لا بأس لا تحاول إقناعي أو إرغامي على حبها فلن تقدر” ليأتي رده ” لا تقلق سوف تحبها عندما تكبر” بدت لي الإجابة مكررة ومعلبة جدًا وكأن الكبار لا يحفظون غيرها، وكأنه الرد الوحيد المقنع لديهم لإقناع طفل ثرثار  يعلن تذمره علنًا من ثوابت لا يعرف قدرها جيدًا.

كنا أبناء جيل يفعل ما يحبه بسرعة، يتباطأ في كل شئ يكرهه، أبناء عصر السرعة الذي يطربنا صوت منير وهمهمات حميد الشاعري ودفء صوت علاء عبد الخالق، كنا نرى الدنيا على قدر الأشياء الصغيرة التي نحبها في صمت دون أن نعلن عنها أو نجهر بها.

 عندما علقت في أول قصة حب لم تكن أم كلثوم حاضرة معي، كنت افتش عما يلخص لي قصة حبي في كبسولة، وكأننا ادماننا ان نفتش عن الحلول السريعة حتى في مشاكلنا التي قد تبدو مصيرية، كنا ومازلنا جيل قلق يبحث عن شئ مفقود داخل غرفة مظلمة، لم نعطي فرصة لأي شعاع ضوء كي ينير البصيرة ويفتح لنا شباكًا على عالم آخر كنا نتجاهله أو ندعي اننا نكرهه.

كبرنا أكثر و زاد معه قلقنا من كل شئ، جربنا كل الأفعال الممكنة لكي نتخلص من القلق الذي بدا وكأنه موج بحر متسارع لا ينتهي ابدًا، تقلصت مساحات الهدوء والسكينة في حياتنا، كنا نكره الصحو مبكرًا لكن على الأقل كنا ننعم بنومًا هادئًا، الأن صرنا نصحو ابكر عالقين في التوتر والقلق الذي بدا وكأنه يعيش تحت جلدنا ويجري مجرى الدم في عروقنا.

في ليلة شتوية باردة دلفت على منصة لتحميل الموسيقى، جاءت بصوتها هذه المرة عبر تفريدة صغيرة ” انا وأنت نسينا حتى نتعاتب ونتصارح وعز عليك تسيب العند وتسامح وعز علي اكون البادي واتصالح” كررت المقطع عدة مرات وكأنها توقظ شئ ما بداخلي، بدت وكأنها تحدثني بشخصها لتعاتبني برفق،  كانت لحظة حركت ما كان ساكنًا  تجاهها لأجدني أقول “الله ياست قولي كمان” ، لأول مرة ينفد صوتها إلي القلب لتزيد هي في عتابها” وكل يوم بينا يفوت أصعب من امبارح نسينا اننا عاشقين نسينا واحنا مش داريين” لتضغط على الزناد الذي فجر القلق والتوتر بداخلي ، أعلن استسلامي في هدوء امام عنفوان صوتها، و ابدأ في تصفح ما جاد علينا به من تفاريد مختلفة من أغنياتها، لتبدأ رحلتي في التصالح مع صوتها .

إقرأ أيضا
الحلقة 17 من مسلسل الكتيبة 101

في الصباح انتظرت صوتها لأول مرة، في زمن اختفى فيه الراديو من حياتنا واصبح كقطعة اثرية اهملت في المنزل، وجدتني ابحث عنه وعن صوتها بداخله، بدا وكأن القلق سوف يعاود مرة اخرى حتى اتت هي ولكن هذه المرة كي تقول ” جمال الدنيا يحلالي وانا وياك وساعة القرب تهنالي مادمت معاك” ليحمل القلق أمتعته معلنًا هزيمته أمام صوتها.

اقرأ أيضا

الربيع الكلثومي

الكاتب

  • أم كلثوم محمد عطية

    ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال






ما هو انطباعك؟
أحببته
12
أحزنني
0
أعجبني
5
أغضبني
1
هاهاها
0
واااو
2


Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide
‫إظهار التعليقات (2)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان