تقرأ الآن
يوميات طالب الكلية الحربية (٦) .. الصاعقة

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
692   مشاهدة  

يوميات طالب الكلية الحربية (٦) .. الصاعقة

الصاعقة

  • كاتب صحفي وروائي مصري، كتب ٧ روايات وشارك في تأسيس عدة مواقع متخصصة معنية بالفن والمنوعات منها السينما وكسرة والمولد والميزان

  • كاتب صحفي وروائي مصري، كتب ٧ روايات وشارك في تأسيس عدة مواقع متخصصة معنية بالفن والمنوعات منها السينما وكسرة والمولد والميزان


انتهينا في الحلقة السابقة يوميات طالب الكلية الحربية (٥) .. طوابير التكدير إلى فرقة الصاعقة التي يخوضها الطلبة في السنة الثانية في الكلية الحربية ولأصل لهذه المرحلة تجاوزت الخدمة والوقوف على السلاحليك لمدة ٨ ساعات وكذلك استعدادات حفلة تخرج الدفعة ٨٨ وحمل زميل أقدم على الأكتاف، لكن يبقى أروع ما في تجربة الخدمة على مخزن السلاح هو الإحساس بشعور وتعب الجندي المجند بعد ذلك في خدمته، وأروع ما في حفل تخرج الغير هو تلك الزمالة الجميلة والعلاقات الودودة التي لا تنتهي – طبعا بعيد عن رقيب فصيلتي إياه بتاع طوابير التكدير-.

لكن يبقى معيار الاحترام بين طلبة الدفعات المختلفة في الكلية الحربية هو الحصول على فرقة الصاعقة الراقية، حيث تتحول من طالب بلا قيمة إلى طالب محترم رغم وجود نهائي من الدفعة التي تسبقك مباشرة في الكلية.

لهذا وفي نهاية نوفمبر ١٩٩٢ كنا على موعد – نصف الدفعة فقط حيث يلحق بنا النصف الثاني بعد شهر في فرقة منفصلة وحده ولا نلتقي ابدا – مع مدرسة الصاعقة في أنشاص للحصول على فرقة الصاعقة الراقية، التي صنفتها بعض القوات المسلحة الأجنبية بأنها فرقة لا أدمية، وأعتبرها وحوش الصاعقة حول العالم الفرقة الأهم بعد فرقة الصاعقة الأمريكية، بينما يخوضها كل طالب في الكلية الحربية المصرية مجبرا لأنه لن يغادر السنة الثانية دون شهادتها.

ربما لم أحدثكم عن حب الدفعة بعد وكيف تصبح دفعتي في الكلية الحربية أسرتي بمعنى كلمة الأسرة حتى أخر يوم من عمري، لكن زمالة الصاعقة في الدفعة أشد قرابة من زمالة الدفعة.

وبما أني فاجأت العديد وبعد امتحانات السنة الأولى صار ترتيبي الـ٤٦ على دفعتي كنت ضمن النصف الأول في الصاعقة، هناك في تلك المدرسة التي يبيت فيها ما يزيد عن ١٥٠ فردا في عنبر واحد، يستيقظون في الرابعة والنصف صباحا، يخرجون لطابور اللياقة في الأول من ديسمبر في أنشاص حيث درجة الحرارة لا تتجاوز ١١ درجة بأي حال، نرتدي بنطلون أفرول وكوتشي فقط بلا رداء في الأعلى، بينما يسلط عليهم رقيب ما خرطوم من المياه يبل أجسادهم قبل تنفيذ اللايقة.

ليصبح حلم ارتداء الفانلة الداخلية ذات الحمالات حلما بعيد المنال، وفي يوم مرهق بين تدريبات اشتباك وجري وطحن وتناول تعابين وأرانب وبيض نيء نعود إلى تلك العنابر فقط لتغيير ملابسنا.

ونقضي أوقات الراحة في طوابير ثبات يحكي لنا فيها الرائد سباعي مذكراته، واقفين لساعتين لا نملك حتى القدرة على “الهرش” نستمع لمذكرات ضابط شرف .

لكن ليست هذه الصاعقة فقط، هذا الجناح الأساسي ونقضي فيه شهرا كاملا من فرقة الصاعقة التي تصل إلى ٣ أشهر، شهرها الأول في أنشاص والثاني في الأسكندرية والثالث في جبال البحر الأحمر.

لكن أهم ما في الشهر الأولى علامتين

الأولى هي التجديف 

في ١٥ ديسمبر ١٩٩٢، كنت قد بلغت التاسعة عشر عاما من العمر قبل ثلاثة أيام طالبا في الكلية الحربية في السنة الثانية يخوض غمار فرقة الصاعقة الراقية بصحبة دفعته في الكلية، كان بالتحديد يوم التجديف، بلا نوم تنقلنا العربات من أنشاص بالشرقية إلى كورنيش النيل بعيدا بالقرب من حلون، نقضي الليلة بلا نوم في نفخ وتجهيز المراكب الزودياك التي شاهدتموها أثناء العبور في كل الأفلام التي دارت حول العبور العظيم، كان للقوارب التي نستخدمها العمر ذاته تقريبا.

ومع أذان الفجر ننزل في عرض النهر لنقود القوارب تجاه شبرا لنكمل الرحلة تجاه أنشاص في ترعة الإسماعيلية.

٢٠ طالبا بصحبة عريف حديث التخرج من مدرسة الصاعقة، نكتشف بعد ساعة غرق كل الأطعمة القليلة التي اصطحبناها معنا في تلك الليلة الباردة في منتصف ديسمبر، القارب به العديد من الثقوب، نفرغ أحدنا لينزح الماء من القارب، نتابع فنادق وأوتيلات الكورنيش وأولئك السهارى ليلا على كل الكباري التي مررنا تحتها ونحن نحاول تشجيع بعضنا البعض بالهتاف المتواصل “هيلا هوب”، نصل شبرا في التاسعة صباحا متأخرين حوالي ساعتين بسبب أننا علقنا في غابة من ورد النيل اعتقلتنا في قلب النهر.

نحمل القارب الثقيل جريا لننقله لترعة الإسماعيلية لتعويض الوقت الناقص، تهطل الأمطار بشدة ويبدأ التعب والإجهاد في غزو الأجساد الشابة المستيقظة منذ ٤٨ ساعة، تبذل مجهودا بالتجديف ضد التيار في النهر ثم أقل مجهودا مع التيار في الترعة.

يسقط أحدنا نائما في الماء، بينما يقفز أخر ليقضي حاجته، ونضطر جميعا لنزول الماء عند كل كوبري مشاة على الترعة لا يسمح بمرور القارب، تبتل الملابس ويقترب المغرب مع نسمات شديدة البرودة، نتابع الفلاحات اللاتي يغسلن في النهر في وهن، يقتل الجوع جوف الجميع ويقهرنا، تبدأ الرعشة في الانتقال من واحد لأخر، نستقبل عدة حبات من اليوسفي ألقاها لنا فلاح كريم بسعادة بالغة.

تغيب الشمس قبل أن نصل، وتنخفض درجة الحرارة بشكل ملحوظ، نكون قد فقدنا أحذيتنا “الباتا” المسموح بركوب القارب بها بعيدا عن البيادة في طين ترعة الإسماعيلية، تمر سيارة لتطالب الجميع باخراج القوارب على جانب النهر وتفريغه من الهواء.

نغوص مرة أخرى في الترعة لندفع القارب خارج الترعة ونبدأ في تفريغه بينما نلتصق ببعضنا البعض بحثا عن دفء الأجساد وسط البرد الشديد، يكتشف أحدنا كومة كبيرة من القش ثم تمر سيارة مدرسة الصاعقة ليأمرنا المعلم بتحميل القارب وينصرف دون أن يحمل أحد من الحفاة الـ٢٠ معه، مطالبا إيانا بالعودة مشيا إلى مدرسة الصاعقة في أنشاص.

إقرأ أيضا

نشعل النيران في القش ببعض الولاعات ونبدأ في المرور عبر الكومة حالمين بأن تجف الأفرولات فقط حتى لا يقتلنا البرد وفجأة يظهر صاحب الأرض، ذلك الفلاح المصري الأصيل الذي يقطن في أطراف أبو زعبل

يسألنا من نكون نخبره بأننا طلبة الكلية الحربية، الفدائيون الذين يخوضون فرقة الصاعقة الراقية، يختفي الرجل ٥ دقائق ليخرج ممكسكا بحلة كبيرة للغاية مليئة بمحشي الكرنب الساخن، يقترب مطالبا إيانا بتناول الزاد محاولا وضع الحلة على الأرض لكنها تصل الأرض فارغة بعدما اقتحمتها ٢٠ يدا ألقت في .الأفواه حبات المحشي الأروع

لم تكن مجرد “صوابع محشي” بل أصابع أمهات حنية تربت على أرواحنا لتهديء من قسوة اليوم.

يختفي الرجل ليعود بحلة ثانية، فتنال نفس مصير حلة المحشي الأولى فيحضر لنا فطيرا مع الكثير من العسل الأسود.

تجف الأفرولات وتمتلا الأجواف بالمحشي الرائع والفطير والعسل، نشكر الرجل ونغادره شاعرين بالامتنان العظيم للكرم الفلاحي في رحلة من أطراف مركز أبو زعبل حتى أنشاص قبل ٢٨ عاما دون أن ينسى واحد من العشرين طالبا الذين صاروا ضباطا طعم ذلك المحشي الذي تناوله في ليلة ١٥ ديسمبر عام ١٩٩٢ من بيت فلاح مصري كريم.

أما الثاني فهو علقة الجنينة

أه “علقة زي ما قريت بالظبط” ولنا في هذا حكاية أخرى في الجزء القادم

الكاتب

  • كاتب صحفي وروائي مصري، كتب ٧ روايات وشارك في تأسيس عدة مواقع متخصصة معنية بالفن والمنوعات منها السينما وكسرة والمولد والميزان

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
7
أحزنني
0
أعجبني
5
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

Scroll Up
error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان