تقرأ الآن
حوارات “الشحم” والميني جيب: عن كارمن التي من الدويقة ..وريم التي من الملبن

رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
896   مشاهدة  

حوارات “الشحم” والميني جيب: عن كارمن التي من الدويقة ..وريم التي من الملبن

حوارات

مسرح واسع، وديكور احترافي.. حوارات جانبية وإضاءة تملأ الجو بالترقب في انتظار “كارمن” الغجرية، الشقية، ملكة “الدلع” وسلطانة “المناغشة” تلك التي فتكت بقلب العريف “خوزيه” وأنسته ميكائيلا حبيبته، فضلا عن والدته التي تحتضر.
كنا 4 مروة أبو ضيف، محمود أبوضيف، خالد عبد القادر، والعبد الفقير إلى الله.. جئنا “على ملا وشنا” قادمين من شبرا وفيصل ومدينة نصر على الترتيب. وبينما تدق الأجراس في انتظار كارمن رجوت الشباب أن يتملهوا قليلا لأفتك بطبق من النجرسكو على كافية المجلس الأعلى للثقافة استعدادا لما وعدوني به من خفة، وما طمحت إليه من لطافة.
على المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية اندفع دخان أبيض من جهة اليمين، ليؤذن ببدء العرض، فيما جلست إلى جواري “سلطانة” خلقها الله على حين غرة من “كيد النسا”، جمع الله لها الحسن، وأخبرها أن توزعه على الخلق فطمعت فيه لنفسها وردت على الملائكة بغمزة عين.. إنها اللطيفة التي لم تكد تجلس حتى تنهد الكرسي من البهجة، وبكيت وخالد ومحمود حسرة على مقاعدنا ومصيرها.
كنت أقول لنفسي: دلوقتي كارمن تيجي وتنسى الصبية التي بالجوار، كان قلبي معلقا على خشبه المسرح، فيما “خوزيه” بطل الحدوتة، يبدأ إطلالته الأولى. وجدت أمامي “جحشا” قد امتلأت فجواته بالشحم، يسير كأنه “يتدحرج” ويطلق صوتا أشبه بنفير السيارات موديل 1985. كان نموذجا فريدا من تحور ” الدكر” وتحوله إلى “طائر بطريق”، كان خوزيه – العاشق الولهان المفعهم بالشباب حسب النص الأصلي- مخيبا للآمال، قلت في سري مرة ثانية: والله البت كارمن هايبقى عندها حق لو ظرفته 30 قلم على غفلة ومن أول لقطة.
جلسنا نحن الأربعة في إنتظار كارمن، تعالت الأصوات من الناحية اليسرى من المسرح، الجميع يهتف بالفرنسية اللعينة” كاغمن .. كاغمن” بينما يمر على خشبة المسرح طابور من “النسوان الكسر”، نساء من مصانع بير السلم، وفتيات في سن جدتي، بعضهن يرتدي الهلاهيل، وأخريات يحجلن على الخشبة كقطيع من البهائم العرجاء.
رأيت على المسرح المتردية وهي تطارد الموقوذة، والمنخنقة وهي تصارع الحلوفة، و”العمشة” وهي تتخطب في ظلام اليأس.. رأيت – لأول مرة- ممثلات أوبرا يؤدين دور عاملات في مصنع سجائر بفرنسا ويرتدين الحجاب، بالكاد لمحت فتاه وسط حشد “الرمم”، كانت هناك بسيطة وهادئة ومقنعة من غير افتعال، طويلة القامة، بيضاء مشربة بحمرة، شعرها الكستنائي ثائر كلبدة أسد في محبسه. أمسك قلبي وقلت “لعل الهوى يجي سوا” وتكون هذه كارمن المحبوسة غجريتها.
لم تدم تخيلاتي طويلا حتى بدأ كورس من شباب “وش البركة” يتهادون على المسرح، باعتبارهم “صيع فرنسا زمان” ليناغشن “قطع غيار ستات” بافتراض حسن النية، كان دور الكورس أن يبدأ مناغشة “الأفاعي” قليلا حتى تظهر ست الحسن والجمال كارمن بنت أم كارمن “مفرتكة” قلوب العذارى، ذات اللسان الحاد، والبشرة الصافية، والبدن الذي يدير الرؤوس.
خرجت كارمن على إيقاع متسارع من الكواليس نحو وسط المسرح، لأجد نفسي أختبئ خوفا وفزعا وانظر للصبية التي تجلس على مقربة مني لأعترف لها بالفضل والجميل.
كانت “المدعوقة كارمن” برميلا من الشحم، وزنبيلا من اللحم، تزن في المتوسط وبعد نزع “المصدات” نحو 290 رطلا من الدهن المصفى، “مرة” بلا وجه، ولا رقبة ولا قفا، “نتاية” من مخلفات الحروب، تحورت عن دبابة شيرمان ماركة الفحل القرقشاني.. كانت “بغلة” بلا خصر يميز أعلاها من سافلها، ولا “محددات” لنعرف طبيعة التكوين.. لا تملك من “الأنوثة” غير مساحيق تجميل ساحت وناحت على هضبتين تشبهان الخدود، ولون أحمر قاني “ينز” من “ضربة مطواة” مكان الشفتين بالضبط. باختصار كانت هذه الـ”كارمن” أمنا الغولة على أقل تقدير.

دور كارمن في المسرحية كان يتطلب الدلع، قليل من “اللطافة” وكثير من “الخفافة” .. في النص الأصلي كانت “كارمن” خفيفة كأنها البهجة، عفية كفرس، ملفتة كشمس.. كان النص الأصلي يتحدث عن “الحلوة” الفاتنة.. الطرية والبعيدة كأنها سماء من البونبون.
في النص الأصلي لم يذكر الفرنسي العبقري جورج بيزيه أي شيء عن قلعة الكبش، أنا متأكد أنه لم يكن يعرف “مصنع البجعة لتوريد المتخلفات بدنيا” الكائن بأبوقتاتة.. في النص الأصلي كان جورج بيزيه يتحدث عن غجرية تعشق الحب والحرية والانطلاق والسيطرة، وإذا بالأوبرا المصرية تأتي لنا بـ”فحلة” من بلاد الفرنجة، لا تعرف غير “المحشي” و”الغازات” و”الفتة”.. كائن هلامي بلا رأس ولا قدمين، وحتى أصابعها التي تحاول التعبير من خلالها “تبظ” من كف مكورة وغبية، ودقة أقدامها ذات الخلاخل على أرض المسرح تشبه حدوث”زلزال” بلدي يهدم البيوت ويحرق الأوبرا على من فيها باستثناء “ريم”.
في الفصل الثاني غيرنا مكان الجلوس واختارت مروة موقعا استراتيجيا فتاكا، فجلسنا حيث جلست، وقلت في سري: يا لها من ليلة سوداء لن تمر قبل أن أتهور على هذه الكارمن فأصدر قرار بإعدامها رميا بالقباقيب. تنهدت وقلت النوم في مثل هذا الموضع أسلم الحلول. لم أكد اسلم عيني للنعاس حتى جاءت… فاتنة كأن الله خلقها صباحا وخلق باقي “نون النسوة” ليلا.. كانت مخلوقة “متعوب عليها”، عفية كفرس، سليمة كجرس، خمرية اللون تجلس بجواري فيما يدهن عطرها روحي كلما صدرت عن الملبن تنهيدة.
كان بوسعك يا عبد الله أن تتخيل موقفي، أحمد بن محجوب الفقير إلى عفو ربه يجلس في رحاب سيقان معتنى بهما جيدا، حريريتان، عفيتان، مصقولتان.. ساقان من المخمل الصافي، إن نظرت لها بعينك اليمنى تدحرجت النظرة لتمسح المسافة الحرة والمتاحة من آخر الميني جيب وحتى “طراطيف ” الأصابع، وإن نظرت بعينك اليسرى فيا سعدك يا هناك، ستجد الإستقامة حيث تحب، والمنحنيات حيث يطيب لعينك البقاء ساهرة ساهمة تمدح بديع صنع الله.
” وأما بنعمة ربك فحدث” هكذا يقول العارفون، أما ريم فهي لا تتحدث وإنما “يندلق” منها الحديث هادرا كسيل، كاسحا كجبل، ذو طله وكأنه “آيس كريم”. يقول البحباني “للخلق فيما ينهبلون عليه مذاهب، وقد أخبرنا الأولين أن فضل النعومة لا يعدله شيء، وأن الناعمة على حق وإن أخطأت في المتون، فيا عبد الله كلما صادفت ناعمة فلتذكر حسن صنيع ربك، وإذا جاورت الحسن فأحسن إليه ، كلمة بغمزة، وضحكة بمثلها وقيل بأكثر”.
تزامن دخول ريم- التي عرفتها أسمها من حديثها مع جارتها الأجنبية- مع انطلاق “وحل البرك” كارمن سابقا من عقالها، كان الدور يحتم عليها أن ترتفع إلى مقام “السبرانو” قادمة من قاع ” الالتو” فكانت – أحرق الله من وضعها أمامي- “تسرسع” لتخرج الصوت ضعيفا وغبيا من تلافيف الشحم وتراكمات اللحم.. كانت “تسرسرع” فيما كنت أهمس لخالد عبد القادر مشيرا لكرش “الكارمينة”: غازات ولا حمل؟.
انطلقنا في الضحك مع كل لفته من “شجرة اللبخ” التي توسطت المسرح، كانت تحاول ممارسة الخفة فتحرك كفتها لتظلم الدنيا، وتنقل ساقها، ليشعر الجالسون أن القيامة لابد أن تقوم و”تريحنا بقى”. لم استطع كتمان ضحكاتي، وكان “عود الملبن” يهتز إلى جواري، ويضحك للداخل. كانت ريم “تتخلع” ضحكا، وأنا أنفجر من البهجة التي لا تحتمل، كانت الصبية ترش العسل في كل اتجاه، تنظر لي وأنظر لها فألمح الضحكة قادمة من جوفها فأبدأ فورا بالضحك كي “ألتقط” الحسن القادم على غير موعد.
لم تكن ريم وحيدة في الحفل، فسبحان الذي خلق البشر وجعل للسيقان لفحة من نار جهنم، كان الزي الرسمي “حمالات وميني” لدرجة أنني فكرت في التمييز العنصري الذي يمنعني من حضور الأوبرا مرتديا بوكسري العزيز- على الأقل أكثر طولا من تنانير كثيرة كانت السبب الرئيسي في إصابة خالد عبد القادر بالحول، ومحمود بالإسهال فيما أصيب العبد لله بضربة شمس في عز الليل.
4 فصول من الضحك المتواصل قضيتها وسط “غابة من الحسن” أرى الحسن على الشجر ولا اقترب، وأسمع “بومة” على المسرح، ولا أصاب بالبواسير غيظا. في نهاية اليوم قالها خالد ولد عبد القادر منفجرا بالإمتنان للمكان وسكانه ” هي دي بقى النسوان اللي بيقولوا عليها ؟ .. انا لازم أنظم رحلة تثقيفة لنسوان بلدنا تيجي تشوف وتعرف إحنا صابرين قد إيه .. لازم أنظم رحلة”.
تركت خالد يرتب إجراءات “دورة الحريم الثقافية” ولمحت ريم ترتكن على كتف صديقتها الأفرنجية وتلقي لي بضحكة أصابت كبدي، ثم ترحل ومعها البهجة كلها.

الكاتب

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
2
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
4
هاهاها
1
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2021, كافه الحقوق محفوظة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان