“روجت لنفسها بالقرآن” عن حرب مصر وإسرائيل في عمليات تحريف المصحف
-
وسيم عفيفي
باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع
كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال
كثرت محاولات تحريف المصحف في مصر على مدار التاريخ وكلها تدور في فلك الأخطاء المطبعية، غير أن فترة حرب الاستنزاف وقبيل سريان الهدنة على الجبهة المصرية بفعل مبادرة روجرز، كثرت النسخ المحرفة للمصحف لتكون المفاجأة أن إسرائيل وراءها.
الطريق إلى كشف إشراف إسرائيل على تحريف المصحف في مصر والعالم
حكى موقع الميزان عبر فيديوهات الصفحة الرسمية للموقع، في فيديو له تفاصيل تلك الواقعة قبل نصف قرن وبضع سنوات من الآن وتحديدًا في الفترة من 28 فبراير 1970م حتى 25 مارس من نفس العام، انعقدت في القاهرة فعاليات مؤتمر علماء المسلمين الخامس بحضور 100 عالم من 36 دولة في إفريقيا وآسيا وأوروبا، وكان ذلك المؤتمر لمناقشة الجرائم الصهيونية وخرج المؤتمر بـ 6 توصيات.[1]
قدمت خلال فعاليات المؤتمر الخامس الذي انعقد في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر 24 بحثًا منهم 10 أبحاث عن إسرائيل وجرائمها وواجب المسلمين في المقاومة، وقد طبعت هذه الأبحاث في كتاب مجمع وقتها في 100 صفحة.[2]
كان من ضمن هذه الأبحاث المنشورة في الكتاب التذكاري للمؤتمر بحث شديد الخطورة قدمه الدكتور أحمد إبراهيم مهنا، عضو مجمع البحوث الإسلامية بعنوان جرائم الصهيونية ضد القرآن الكريم[3]، وقد ذكرت جريدة الأهرام حينها في خبر مقتضب أن الدكتور أحمد مهنا طالب بأن يصدر المؤتمر قرار بمصادرة المصاحف المحرفة أو المكتوبة بخطٍ إملائي أو المطبوعة في الخارج على صفحة واحدة.[4]
كانت صياغة الأهرام صادمةً خصوصًا أنها أكثر انتشارًا من الكتاب التذكاري لمجمع البحوث الإسلامية، ولم يعرف المصريين حينها تفاصيل ذلك البحث الخطير الذي قدمه الدكتور أحمد إبراهيم مهنا سنة 1970م، إلى أن جاءت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م وأعطى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب توجيهات بنشر أهم الموضوعات في تاريخ المؤسسة الأزهرية التي تعمل على إحياء القضية.
وتنفيذًا لتوجيهات شيخ الأزهر خرج بحث الدكتور أحمد إبراهيم مهنا إلى النور من خلال كتاب توصيف عداوة اليهود وكان الكتاب إحدى هدايا مجلة الأزهر لشهر نوفمبر 2023م / جمادى الآخرة 1445هـ؛ وقدم مقال الدكتور أحمد إبراهيم مهنا رصدًا لوقائع محاولات إسرائيل لتحريف القرآن في مطلع السبعينيات.
جرائم إسرائيل في تحريف القرآن والمواجهة المصرية
كانت البداية في أواخر ستينيات القرن الماضي عندما وصلت إلى إدارة البحوث والنشر بمجمع البحوث الإسلامية نسخة للمصحف الشريف طبعت على ورق مصقول وبألوان مختلفة ومتناسقة تريح النظر وتغري بالقراءة، وكان الذي أرسلها هو الشيخ محمود صبحي شيخ الجامعة الإسلامية في طرابلس، وعند الفحص تبين أنها مليئة بالأخطاء في شكل الآيات مما يغير المعنى في كثير من المواضع ومنها تحريف قوله تعالى «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا» ـ (سورة المائدة:64) إذ حذفوا كلمة “وَلُعِنُوا” واستبدوها بـ “وأُمِنُوا”.
لم يكن هذا الخطأ يندرج تحت الخطأ المطبعي، إلى أن كشفت جريدة الجمهورية في 6 يناير 1970م أن إسرائيل طبعت القرآن الكريم بخطٍ إملائي في مصاحف أغرقت بها أسواق ماليزيا والهند وباكستان وإندونيسيا وغينيا وساحل العاج وإيران، وجميعها بأثمان زهيدة ومحرفة مثل حذف كلمة “غير” في قوله تعالى «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» ـ (سورة آل عمران: 58).
اتخذت السلطات المصرية حينها حلاً لمواجهة التحريف إذ تقرر أن تكثف إذاعة القرآن الكريم من بث التلاوات القرآنية بالقراءات المختلفة فضلاً عن جعل التلاوات القرآن تبث على موجات الإذاعات الأخرى، لكن إسرائيل قامت بتصميم راديوهات بأثمان بخسة وأغرقت بها أسواق آسيا وإفريقيا وكانت أجهزة الراديو تلك مصممة على أن لا تلتقط موجاتها أثير إذاعة القرآن الكريم من القاهرة أو أي تلاوة من مصر على أي إذاعة.
مفاجأة أخرى أن مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة اكتشف وجود بروايز كبرى مصممة للقرآن الكريم مطبوعًا على صفحة واحدة وهذه الصور طُبِعَت خارج مصر وجميعها محرفة إما بخطأ أو حذف لكثيرٍ من الآيات.
لم تتوقف عملية تحريف القرآن في مصر على يد إسرائيل عند سنوات الحرب معها بل استمرت، ففي سنة 2002م أن شرطة المصنفات الفنية ضبطت في حملة موسعة سنة 2002م نسخًا من المصاحف المحرفة تسربت من إسرائيل إلى بعض المكتبات وبلغ عددها 2000 نسخة احتوت جميعها على تحريف في الآيتين 11 و93 من سورة آل عمران والآية 34 من سورة التوبة والآية 51 من سورة النساء.[5]
من المفارقات أن من ضمن الآيات المحرفة في نسخ المصحف المزورة من إسرائيل سنة 2002م هو تحريف الآية 96 من سورة البقرة حيث تم حذف كلمة “صفراء” في لون البقرة الواردة بقوله تعالى «قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» وتم استبدالها بـ حمراء لكي تتوافق مع ما جاء في كتب الصهاينة.
ومسألة ذبح الأبقار الحمراء في المسجد الأقصى كانت إحدى الأسباب التي من أجلها وقعت عملية طوفان الأقصى؛ وقبل شهر من بدء طوفان الأقصى نشر موقع جريدة الشرق الأوسط أن إسرائيل استقبلت في يوليو 2023م 5 أبقار حمراء استقبالها ناثانيال إسحاق أمير عام وزارة القدس والتراث وحسب عقيدة بعض الطوائف اليهودية، فإن ظهور البقرة الحمراء يحمل إشارة إلى قرب هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل.[6]
[1] عبدالمعطي بيومي، المؤتمر الخامس لعلماء المسلمين، مجلة الوعي الإسلامي، عدد: 62، صفر 1391هـ / 7 إبريل 1970م، ص ص79 –81.
[2] مؤلفون، كتاب المؤتمر الخامس لمجمع البحوث الاسلامية : 22 ذي الحجة 1389هـ / 28 فبراير 1970م، ط/1، مجمع البحوث الإسلامية، الازهر، القاهرة، 1970م
[3] أحمد إبراهيم مهنا، جرائم الصهيونية ضد القرآن الكريم، المرجع السابق، ص ص225–231.
[4] محمود الكولي: في مؤتمر علماء المسلمين: الأزهر يطلب مصادرة المصاحف المحرفة، جريدة الأهرام، عدد 2 مارس 1970م، ص4.
[5] محرر، تسربت من إسرائيل .. أشرطة محرفة للقرآن الكريم، جريدة الأحرار المصرية نقلاً عن البيان الإماراتية، 12 أغسطس 2002م.
[6] محرر، 5 بقرات حُمر في إسرائيل تنذر بحرب دينية، موقع الشرق الأوسط، 7 أغسطس 2023م.
الكاتب
-
وسيم عفيفي
باحث في التاريخ .. عمل كاتبًا للتقارير التاريخية النوعية في عددٍ من المواقع
كاتب ذهبي له اكثر من 500+ مقال