رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
878   مشاهدة  

أزمة الديناصور الأخير

الديناصور


هو يتحدث لغة لا يتحدثها أحد غيره حتى إذا تطابقت الكلمات والمفردات والأحرف، يجول وحيدا ربما وسط زحام خانق من المعارف وأشباه الأصدقاء وقليل من الصحبة الحقيقة، يسعى لأن يبقى ولكن لا مجال للبقاء، يشعر أن الأرض والسماء ترفضانه فيهيم على وجهه داخل روحه يبحث عن مأوى ولا يجد.

إنه الديناصور الأخير، بالطبع هذا ما شعر به أخر ديناصور قبيل الانقراض، ربما قتل نفسه فإن كان الديناصور الأخير من ذوات الاجنحة لألقى بنفسه من أعلى ارتفاع يصل له، ربما صرخ صرخته الأخيرة ليعلن للجميع أنه كان موجوداً وأنه راحل لعل أحد الحيوانات الجدد يرفق لحاله وربما حالفه الحظ ونال دمعة حزن من أحدهم.

إن كان لا يطير، فربما امتنع الأكل أو ألقي بنفسه من قمة جبل ليسقط منهياً عذاب وحدته بيديه، ظل الديناصور الأخير يبحث عن شريك له.. صديق.. شخص يحادثه.. ولكنه لم يجد، حينما يتحدث عما يشعر به لا يفهمه الاخرون، بالطبع لديهم عذرهم كاملاً فهم جماعات وأسراب كيف يفهمون أزمة أن تكون الأخير من نوعك، تلك ليست ميزة على الإطلاق وإنما هي العذاب الأليم.

تخيل معي هذا المشهد الآن، ديناصور عملاق يسير في البرية يرى الجميع بنظرة مختلفة ويراه الجميع بنظرة مختلفة، تحسده الفيلة على ضخامته وتحسده القردة على عزلته بينما تسخر منه الذئاب بسبب تلك النظرة الحزينة في عينيه ويطلقون عليه ألقاب مثل (نوبة الاكتئاب الموسمية) يشخص البوم حالته بأنها موجه اكتئابيه، تتسأل الطيور كيف تكون بهذا الحزن وأنت تأكل؟ ينظر لهم ولا يرد، تسأله الفراشات رأيناك الأمس تلهو في النهر فلماذا أنت حزين؟ لا يرد، تضحك الضباع على مأساته وتتهمه بالتطرف في الحزن.

يسير وحيداً كالعادة، حزيناً كالعادة، يسأله قطيع من الزراف كيف حالك اليوم أيها الديناصور؟ -الزراف هم أقرب الناس إليه- يجيبهم (كما هي العادة حزين)، يرد بعضهم (هو أنت دايما كدة؟!) ربما تطرف أحدهم وقال (ديناصور قفيل) لم تعد الزرافات قريبين منه بعد الآن لقد صاروا مثل الأخرين.

يسير وحيداً إلى كهف منزوي، يبقى داخله، وتمر الأيام والأسابيع ليالي متعاقبة يقبع الديناصور في كهفه لا يحدث أحد لا يحدثه أحد، حتى تلك الأبجدية التي كان يعرفها ذابت فوق لسانه من قلة الاستخدام، ربما مر بعض القردة ليقولوا (أنت فين يا عم مش باين ليه؟) فيبتسم الديناصور ولا يرد.

وكما قال محمود درويش (يُنسى كأنه لم يكن) وربما تستيقظ الغابة على ريحة جثة تتحلل ليكتشفوا أن الديناصور قد مات، سواء في كهفه أو من فوق قمة جبل، هكذا كان ولم يعد، بمنتهى البساطة ذهب الأخير من نوعه إلى الجانب الأخر، لتستمر الحياة في الدوران.

هل رأيت المشهد الآن؟ ربما شعرت ببعض التعاطف مع هذا الديناصور الأخير، ربما قولت كم كانت الحيوانات الأخرى أغبياء، ربما كان الديناصور بحاجة فقط إلى حيوان واحد يشاركه ما هو فيه يهون عليه يربت على ظهره أو حتى ذيله ليقول له (لو كان الانقراض حتميا.. دعنا نجعلك أيامك المتبقية أفضل) ولكنهم لم يفعلوا شيء.

إقرأ أيضا

الأمر أكثر بساطة للديناصور الأخير، ولكننا الآن وفي هذه الحياة، بيننا يعيش آلاف وربما ملايين الديناصورات الأخيرة، وتختلف الحيوانات باختلاف دائرة معارف الديناصور، حتى وإن تلاقى وحيدان صدفة في أحد المرات ربما لا يمر الأمر بشكل جيد، فلقد كفت الديناصورات عن الثقة بالأخرين وانعزلنا يوما بعد يوم خلف هالة رمادية تزداد سماكة في كل ساعة، حتى أصبحنا مجرد أطياف في طريقها للذوبان في الهواء، ليتفاجأ الجميع على غرار نظرية (الآن تراه الآن لا تراه) سنذهب سننقرض، ولكن ليس مثل الديناصورات إلى الأبد، بل سيذهب ديناصور ليحل محله ديناصور أخر ليصبح هو الأخر الديناصور الأخير.

والآن أنظر إليك وإلى من هم حولك، ربما تكون أنت الديناصور الأخير، أو تكون أحد الحيوانات في قصة ديناصور ما، فإذا كنت أحدهم رجاءً اجعل أيام الديناصور الأخيرة أفضل ربما تطور هو الأخر وتحول إلى شيء ما يستطيع البقاء ولا يرحل.

الكاتب






ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
2
هاهاها
1
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


2 تعليقان

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان