رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
198   مشاهدة  

أغنيات في الذاكرة : دمعتين .. محمد فؤاد .. كيف تخطط لصناعة أغنية خالدة

محمد فؤاد
  • ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال


في منتصف التسعينات انتقل المطرب محمد فؤاد من شركة صوت الدلتا إلي شركة فري ميوزيك التي قررت الاستثمار فيه بشكل جديد واعتبرته النجم الأبرز فيها في وقت كانت لازالت شركة ناشئة تخطو خطواتها الأولى في سوق الكاسيت المصري.

بدأ محمد فؤاد الرحلة مع فري ميوزيك بشريط “حيران” الذي وضعه في قلب المنافسة مع غريمه الأبرز في سوق البوب “عمرو دياب”، في هذا الشريط عاد فؤاد للاعتماد على موزع موسيقي واحد هو “أشرف عبده” الذي كان يلقى دعمًا كبيرًا من “نصر محروس” ولاقت أفكاره هوى لدى فؤاد.

في شريط حيران للمطرب محمد فؤاد أفلتت أغنية وحيدة من براثن أشرف عبده هي أغنية “دمعتين” وذهبت إلى موزع موسيقي آخر هو “يحيي الموجي” تلك الأغنية كانت مثالًا واضحًا على الفارق الرهيب في الإمكانيات الفنية بين أشرف عبده وبين الموجي وتبلور هذا الفارق أكثر في أغنية “أصعب حب” للمطرب خالد عجاج من انتاج نفس الشركة، دمعتين كتب كلماتها “أيمن بهجت قمر” وهي واحدة من ضمن ثلاثية هامة جدًا في تاريخه تحمل طابع الفيلم الدرامي القصير ، ومن ألحان اّلفة ملحني جيله “رياض الهمشري”.

الموزع الموسيقي أشرف عبده أكذوبة التسعينات الكبرى

الكلمات:

يتقمص أيمن بهجت قمر شخصية السيناريست ويستخدم قدراته الكبيرة في الحكي ليغزل لنا عدة مشاهد متتالية تعبر عن موقفًا مفصليًا في حياة بطل الأغنية الذي يحاول إحياء قصة حبه بعد فترة من الغياب ويصطدم بمشهد لم يكن يتوقعه أحد. 

اختار قمر أن يرتب المشاهد وكأننا أمام فيلم درامي قصير تبدأ أحداثه في التصاعد رويدًا حتى نصل إلى مشهد الذروة في نهايته والذي حمل مفاجأة غير متوقعة على الأقل لبطل الأغنية.

نجح قمر في توريطنا مع بطل الأغنية جعلنا نتعاطف معه في نهاية الأغنية على مشهد زواج حبيبته في قصة واقعية جدًا حدثت كثيرًا بل و جسدتها الدراما مرارًا لكن هذه المرة في صورة أغنية بتكثيف مدهش جعلت تتخيل المشاهد المتتالية وكأنك في قلب الحدث اثناء استماعك إلى الأغنية.

مع ظهور الحبيبة واصل قمر التلاعب بالمستمع في مقطع “خدني شوقي عند بابك – جاى دايب من غيابك – واللي شوفته شئ حزين – شوفت ايدك حاضنه ايده – شوفت جوه عنيكى عيده – شفت ناس متجمعين” هذا المقطع المعاد قد يجعلك تتصور أننا أمام مشهد خيانة مروع ثم يقطع هذا الشك سريعًا بالمقطع الأخير “ناس تغني ناس تهني – واللي رد عليكي مني – دمعتين”.

كلمات الأغنية لم تأخذ قالب تقليدي مكون من مذهب وسينو وكوبليهات حيث اختار قمر أن يحكي بحرية دون أن يتقيد بقالب محدد وعلى عكس الشائع وقتها أختار ايضًا أن يكون عنوان الأغنية هو أخر جملة فيها “دمعتين” والتي يمكن أن نفسرها على أنها دموع ندم أو حسرة أو أنكسار قلب عاشق لكنها نهاية منطقية ومستحقة جلبت لنا تعاطفًا مع بطل الأغنية دون أن يدفعنا إلي كره بطلة القصة التي اختارت أن تكمل حياتها مع بطل آخر.

الموسيقى:

لو قمنا بوضع تصنيف للملحنين ما بين “عادي – جيد – عبقري” فلا يمكن بأي حال من الأحوال وضع رياض الهمشري إلا في خانة الملحنين العباقرة،

الهمشري أحد ملحني الجملة الموسيقية القوية حتى مع الأغاني الإيقاعية السريعة التي لا تتطلب مجهودًا لكن يكون في أفضل حالاته الفنية تحديدًا في الأغاني الدرامية. من ميزات الهمشري القوية هي أنه لا يلهث خلف أفكاره الشخصية  أو خلف تيمة لحنية أعجبته على حساب الكلمات بل نحن أمام ملحن لديه القدرة على أن يعطيك لحنًا متماسكًا بجمل تعبيرية وفي نفس الوقت لا تخلو من التطريب. 

في اغنية دمعتين نحن أمام ملحن لديه خطة واضحة لما سوف يفعله، كلمات لا تتبنى قالب موسيقي اعتيادي تحمل بين طياتها قصة درامية مؤثرة، لذا قرر أن يبني خطته على أن تكون كل جملة موسيقية تعبر عن سياق الكلمات في نفس الوقت تكون مبتكرة ومتماسكة.

يتحرك اللحن في فضاء مقام الكرد ويستغل الهمشري خياله الخصب في ابتكار جمل جديدة على نفس المقام دون نسخ أو تكرار بعضها، تبدأ الموسيقى من صولو عود على مقام الكرد من ابتكاره الشخصي وقام بعزف الصولو بنفسه، ثم يدخل الهارب بأربيجات بسيطة تسلم الغناء لفؤاد بكل سلاسة على جنس النهاوند من نفس سلم الكرد.

تتجلى التعبيرية في البداية اللحنية الهادئة جدًا “النهارده كنت جايلك – جاي اعوض وقت فات – كنت جاي يا حبيبتي اقولك” ثم يبدأ في التصاعد بجملة قوية تحمل طابع التنبيه “صحى احساسنا” ثم يهبط فجأة في جملة “اللي مات” وكأنه يضع وصف تفصيلي لكل كلمة.

.يعود إلي الكرد الصريح في المقطع الثاني الذي غناه محمد فؤاد “خدت لك قلبي ومشيت لك – فوق سنين بعد وحنين – شلت كام حلم في عيوني – لسه ليكي مشتاقين” ثم يقطع الفاصل الموسيقي من العود على نفس المقام بجملة شجية مستنسخة من روح اللحن، تبدأ جمل اللحن في التصاعد مرة أخرى مع المقطع التالي “خدني شوقي عند بابك – جاى دايب من غيابك” ثم يطربنا بعربة نهاوند في مقطع “واللي شوفته شئ حزين” ثم يعود أدراجه مرة أخرى ” شفت ايدك حاضنه ايده – شفت جوا عنيكي عيده – شفت ناس متجمعين” ثم يصل إلى ذروة الحدث في “ناس تغني – ناس تهني” حتى يهبط إلي جملة القفلة الحزينة جدًا “واللي رد عليكي مني – دمعتين”.

هذا اللحن التعبيري القوي جدًا كان لابد له من خطة مماثلة في التوزيع، يثبت الموجي أن التوزيع الموسيقي ليس مسألة سهلة أو بسيطة بل يطوع كل أفكاره لخدمة اللحن بانسيابية و دسامة مدهشة. 

إقرأ أيضا
آسيا داغر .. شجرة أرز لبنانية أثمرت في مصر

تبدأ الموسيقى من صولو العود خلفه وتريات خفيفة ثم اربيجات الهارب الذي سلمت الغناء، ثم تزحف الوتريات خلف غناء فؤاد ليرد عليه العود بجملة تمهيدية ثم تواصل الوتريات الزحف حتى نصل إلي جملة “صحى احساسنا” ليرد العود بجملة تحمل طابع الرجاء والتمني.

تتكرر المقدمة لكن بتوزيع جديد بطله الوتريات التي ترد على الغناء بجمل شجية جدًا مع استخدام تكنيك النقر بالأصابع “البيتزكاتو” التي كانت تنبيه لجملة “صحي احساسنا اللي مات” المقدمة قاربت على الدخول في الدقيقة الثالثة ولازلنا دون إي أيقاع لكنك لا تشعر بأي ملل بسبب تلك التنويعات القوية في الهارموني.

يدخل الإيقاع بداية من جملة “خدت لك قلبي ومشت لك” واختيار إيقاع الواحدة معزوف باّلة الرق كان مناسب جدًا للحكي وفي نفس الوقت تعطيك انطباعًا بأنها وقع خطوات بطل الأغنية يصاحب كل هذا خطوط وتريات متألفة مع طبيعة اللحن حتي نصل إلي الفاصل الموسيقي.

في المقطع الثاني تلعب الوتريات الدور الرئيسي في موسيقى الأغنية وكأنها موسيقى تصويرية تعبر عن الحدث بكل تفاصيله الحزينة، تبدأ الوتريات في الزحف رويدًا حتى تتصاعد بشكل مدهش وموتر يحمل بعض الإثارة والغموض وأننا في طريقنا للوصول إلي ذروة الحدث في مقطع “شوفت ايدك حاضنة ايده شوفت جوه عنيكى عيده شفت ناس متجمعين” ثم يعاود فؤاد غناء هذا المقطع مرة اخرى مع انفعال زائد من الوتريات بخطوط متوازية تعزف جمل مختلفة تزيد من التوتر حتى تصل إلي الذروة في جملة “ناس تغني – ناس تهني” حتي يصل إلي قفلة الأغنية “واللي رد عليكي مني دمعتين” باستخدام تكنيك النقر بالأصابع “البيتزكاتو” وكأنها قطرات دموع تنساب وتتساقط من عين البطل ثم تدخل الأصوات البشرية “الأكابيلا” مع الوتريات باّهات تشبه النحيب والبكاء وكأنها ترد على مشهد الفرح المقابل مع ومضات من العود حتى نصل إلي صولو كمان يحمل حزنًا وشجنًا حتى تستلم الاّهات الدفة حتى قفلة الأغنية في ختام رائع جدًا لتلك القصة الحزينة جدًا.

 تظل “دمعتين” هي درة أغنيات شريط “دمعتين” وأوضحت الفارق الفني الشاسع بين أشرف عبده وبين أي موزع أخر وأن أخطأت بعض الإصدارات  ومنها الفيديو الرسمي على قناة فري ميوزيك بنسبها إلي أشرف عبده الذي يعتبره فؤاد أهم موزع عمل معه استنادًا على النجاحات الوقتية معه لكن تلك النجاحات اختفت سريعًا وظلت دمعتين في الذاكرةشاهدة على أن مشروع فؤاد الغنائي كان يمكن له التطور والذهاب بعيدًا لكن أفكاره وذوقه الشخصي وإصراره على التعاون مع أسماء بعينها جعلته يتوقف تدريجيًا دون أن يدري أنه هو من أوقع نفسه في هذا المأزق.

في النهاية ضع سماعتك وانطلق في تلك الرحلة الحزينة ستجد أنك أمام أيقونة غنائية لم تتكرر في حياة محمد فؤاد وكيف كان صناعها على قدر كبير من المسئولية الفنية وكيف خططوا جيدًا لمنحها خلودًا تستحقه وحاول عزيزي القارئ أن تتخيل كيف كان سيكون شكلها لو قام بتوزيعها أشرف عبده.

الكاتب

  • محمد عطية

    ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
1
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان