رئيس مجلس الادارة: رشا الشامي
رئيس التحرير: أسامة الشاذلي

همتك معانا نعدل الكفة
118   مشاهدة  

الاختيار .. الوجه الآخر لأبي الروس الشهير بنجيب محفوظ

الاختيار
  • روائي وكاتب مقال مصري.. صدر له اربع روايات بالإضافة لمسلسل إذاعي.. عاشور نشر مقالاته بعدة جرائد ومواقع عربية منها الحياة اللندنية ورصيف٢٢.. كما حصل على عدة جوائز عربية ومنها جائزة ساويرس عن رواية كيس اسود ثقيل...

    كاتب نجم جديد


من الطبيعي أن ينال نجيب محفوظ بتجربته الثرية الكثير من الاهتمام.

خصوصا من كاتب شاب يجد في حياة الكُتاب العظماء ما يرشده في هذا العالم الواسع، والعالم الواسع هنا يشمل الكتابة والحياة معاً.

وبالطبع حين نحاول التوغل في حياة العظماء لن ننظر النظرة السطحية النمطية التي تنتشر بكتب النقد والمدارس.

تلك النظرة قد تغفل عنا جوانب، حتى في الفن الذي يقدمه الكاتب.. مثلاً، منذ فترة طويلة كنت أعمل على مقالة بعنوان (ما الذي تعرفه عن نجيب محفوظ السيناريست؟).

تلك المقالة كانت مدخلاً لعالم فني جديد من عوالم نجيب المخفية.. سيناريوهات وقصص سينمائية تصل تقريبا إلى 19 عمل أصيل لا علاقة لهم بنصوص رواياته..

تلك الأعمال معظمها من روائع السينما العربية: مثل.. ريا وسكينة، الفتوة، بين السما والأرض، المذنبون، بئر الحرمان، الاختيار.. إلخ.

ولفيلم الاختيار وقفة.. يُقال أن يوسف شاهين حين انتهي من قراءة الفيلم، تقافز صائحاُ، وهو يشير ناحية محفوظ: “انت البطل.. انت البطل”..

وأعرب عن أمنيته بإسناد دور البطولة لنجيب نفسه. بالطبع محفوظ ولم ولن يوافق.

أعتقد أن ما دفع شاهين لردة الفعل تلك… أن البطل يعبر عن شخصية نجيب محفوظ الحقيقة… المعلن عنها والخفي.

كلنا يعرف نجيب الموظف الهمام، المنضبط كالساعة، الكاتب الدقيق، صاحب الروتين الصارم.

ولكن، هناك وجه آخر لهذا الإنسان العظيم، إنه العربيد، أبو الروس الطفل الشقي الذي كان يتلصص على جارته (كما كتب نجيب في روايته حكايات حارتنا)، وهو المشاغب الذي يذهب لبيوت الدعارة في عمر الصبا (كما صرح في رواية المرايا)..

صحيح أن نجيب محفوظ لم يكتب سيرته الذاتية بشكل واضح وكاشف.. وهي مدرسة أدبية متعارف عليها منذ القدم؟ وتقريبا لا كاتب إلا وكتب سيرته أو على الأقل هوامش من سيرته الذاتية.

أما نجيب فقد فضل التخفي، كأي إنسان متحفظ ملتزم أمام مجتمعه.

 ومع ذلك لم تسلم روايته من شذرات عن حياته الخافية.. فهي تدور في بيوت دعارة، وعوامات مُعدة للمتعة، عن عوالم ورقصات وفتوات وحشاشون.

وهو العالم الذي تربي ونشأ فيه أبو الروس. ولذلك اللقب قصة حيث كانت ضربة الرأس هي المفضلة لديه وقت الخناقات..

ويبدو أن تلك الحفاوة بعالم ما تحت العالم – إن جاز التعبير- لم يتوقف عند أعماله الروائية بل امتدد أيضاً إلى الأعمال السينمائية.

ويبدو أن فيلم الاختيار جاء كلوحة فنية معبرة بصدق لا رياء فيه عن حالة الفصام بين شخصية الكاتب المتحفظ متجمد المشاعر، ومحمود البحار المغامر المتوهج.

تلك الثنائية لها بُعد كبير في تكوين شخصية نجيب ليس فقط بشكل فني – فالفن وليد تجارب المبدع – ولكن كذلك بشكل إنساني..

الملاحظ في فيلم الاختيار أن عزت العلايلي تقمص شخصية نجيب محفوظ تماما، على الأقل في الجانب الذي نعرفه جميعاً وهو الكاتب.

لعله أبرع أيضاً في الجانب الآخر – وأعتقد أنه الجانب الآخر من نجيب كذلك – لشخصية محمود..

وكيفية الصراع، وهو الصراع الذي – ربما- عاني منه نجيب محفوظ نفسه.. على من يبقي؟ الكاتب المتحفظ أم المغامر الجامح؟

في ظني – وإن بعض الظن أثم- أنه حافظ على الشخصيتين معاً، لم يقتل أحدهما الآخر بعكس الفيلم..

في حوار قديم لمحفوظ سألته المذيع: “ليه مش بنسمع عن حضرتك مغامرات زي بقيت المشاهير؟”

كان رده مبتسماً: “مش يمكن بعمل كل حاجة ومش بقول”

وفي حوار آخر… حين سُئل عن انضباطه الشديد.. وهل هذا يرجع للزهد في الحياة؟

كانت إجابته أنه اكتشف حبه لأشياء كثيرة فهو يحب كرة القدم والقراءة مثلا وعليه أن ينظم بينهما..

فالانضباط هنا لخدمة متع أكثر.

تقريبا هذا كان منهج حياته، لكل شئ ميعاد، فـ للندوة الإسبوعية ميعاد والسهرة في العوامة ميعاد آخر..

إقرأ أيضا
الملكة إليزابيث تكشف عما بداخل حقيبة يدها، وتقدم اسكتش فكاهي

وهو ما جعل منه نجيب محفوظ الكاتب العالمي.. ولكن كيف لنجيب أن يكون نجيباً دون العربدة والتعامل المباشر مع عالم تحت العالم؟

تلك العوالم التي افرزت أعمال أدبية وفنية عظيمة بلا شك، رصدها ينم عن المعايشة وليس المرور، أن تكون واحدا من هذا العالم وليست ضيفا عابرا.

ربما لذلك كانت الحكمة تأتي دوماً من  البحار/ المغامر، المتوهج بالحياة، في مملكة الخاصة، بين ملذات الدنيا، يعلن فلسفته العدمية، ويرد على نزلاء العالم السفلي يسألونه عن الحقيقة..

“الإخلاص مع النفس أولاً”.

“البحر آخر ملاذ من حمورية الناس”.

“والحرية يا محمود؟”.

“إنك تكون عبد للحقيقة بس”

“والحب يا محمود؟”

“الحب هو العطاء.. أنا أحب فـ أنا مدين لك بكل شئ”.

ويتساءل المغامر:

“عارفين الإنسان يبقابل مين في النهاية؟ بيقابل نفسه”.

 أجل! نفسك، أو الجانب الآخر منك.. وإما أن تقتلها أو تتصالح معها: وهذا هو الاختيار.

الكاتب

  • عمرو عاشور

    روائي وكاتب مقال مصري.. صدر له اربع روايات بالإضافة لمسلسل إذاعي.. عاشور نشر مقالاته بعدة جرائد ومواقع عربية منها الحياة اللندنية ورصيف٢٢.. كما حصل على عدة جوائز عربية ومنها جائزة ساويرس عن رواية كيس اسود ثقيل...

    كاتب نجم جديد

Content Protection by DMCA.com

ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
1
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0
Slide
Slide
Slide
Slide
Slide


‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.

حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان